آخر الأخبار

تونس بين رهانات تثمين المدخرات الاستراتيجية وتقلبات الأسواق العالمية

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

في وقت تعود فيه المخاطر الجيوسياسية والمالية لتفرض نفسها بقوة على الاقتصاد العالمي، تجد تونس نفسها أمام تحدٍ استراتيجي يتمثل في كيفية إدارة وتثمين احتياطياتها من الذهب والعملات الأجنبية .

هذه المدخرات، رغم محدوديتها مقارنة بالاقتصادات الكبرى، تظل خط الدفاع الأول عن الاستقرار النقدي والقدرة على الإيفاء بالالتزامات الخارجية، خاصة في ظل المكاسب التي حققتها المالية العمومية والعمل المتواصل لهيكلة ميزان المدفوعات .

وتكشف أحدث التصنيفات الدولية أن تونس تحتل المرتبة التاسعة إفريقيًا والـ81 عالميًا من حيث حجم احتياطيات الذهب والعملات الأجنبية، بقيمة اجمالية تناهز 9.3 مليارات دولار، وهو مستوى مرضي مقارنة بمقومات الاقتصاد الكلي والامكانات الريعية لعدة اقتصاديات من جهة، ويبرز في الوقت ذاته أهمية كل خيار يتعلق بإدارة هذه الأصول الاستراتيجية، من جهة اخرى .

الذهب يسجل أعلى مستوياته منذ أربعة عقود

يأتي هذا التحدي في سياق دولي استثنائي، حيث يشهد الذهب موجة ارتفاع تاريخية، فبعد أن تجاوز سعر الأونصة ( 31.10 غرام ( حاجز الـ 5 آلاف دولار لأول مرة في أواخر جانفي 2026، واصل المعدن النفيس صعوده ليبلغ قرابة 5.600 دولار للأونصة، مسجّلًا أعلى مستوى له منذ أكثر من أربعين عامًا .

هذا الارتفاع يضع الذهب على مسار تحقيق أكبر مكسب شهري منذ عام 1980، مدفوعًا بإقبال واسع على الأصول الآمنة، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، إضافة إلى مخاوف تباطؤ النمو العالمي واضطراب الأسواق المالية .

ولا يقتصر دور الذهب على كونه ملاذًا آمنًا للمستثمرين، بل يشكّل عنصرًا جوهريًا في الأمن المالي والسيادي للدول . وتُظهر بيانات مؤسسة “ غلوبال فاير باور “ أن احتياطيات الذهب والعملات الأجنبية تُستخدم كمؤشر على القوة الاقتصادية والقدرة على الصمود في وجه الأزمات .

وتشير المعطيات إلى أن نحو ثلثي احتياطيات الذهب العالمية متركزة في آسيا، وتحديدًا في الصين واليابان وتايوان وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية، ما يعكس التحول التدريجي لمراكز الثقل المالي عالميًا .

إفريقيا: تفاوت كبير في القدرات الاحتياطية

على المستوى الإفريقي، تتصدر ليبيا الترتيب باحتياطيات تبلغ 92.9 مليار دولار، محتلة المرتبة 31 عالميًا، مستفيدة أساسًا من العائدات النفطية المتراكمة على مدى سنوات. وتليها الجزائر باحتياطيات قدرها 83 مليار دولار، ثم جنوب إفريقيا بـ 65.4 مليار دولار، ومصر بـ 44.9 مليار دولار، فيما تحل نيجيريا خامسة إفريقيًا بـ 38.6 مليار دولار .

ويبرز بعد ذلك المغرب باحتياطيات تناهز 37.1 مليار دولار، ثم أنغولا وكينيا، قبل أن تأتي تونس في المرتبة التاسعة إفريقيًا، متقدمة على اقتصادات صاعدة .

يعكس ترتيب تونس حجم الإنجازات التي تحققها في ما يتعلق بتراكم الاحتياطيات، خاصة في ظل نسق النمو، وارتفاع كلفة الطاقة والمواد الأساسية، وضغوط خدمة الدين الخارجي المتحملة بالأساس طيلة العشرية الفارطة. غير أن السياق الدولي الحالي، الذي يتسم بارتفاع أسعار الذهب، يعيد طرح سؤال جوهري : كيف يمكن لتونس تثمين مدخراتها الاستراتيجية بشكل أفضل ؟

فإدارة الاحتياطي لم تعد مسألة محاسبية بحتة، بل خيارًا اقتصاديًا وسياديًا يتطلب موازنة دقيقة بين السيولة الفورية والحفاظ على القيمة على المدى المتوسط والطويل، خصوصًا في بيئة عالمية تتسم بعدم اليقين .

عالميًا، تتربع الصين على رأس قائمة الدول الأكثر امتلاكًا لاحتياطيات الذهب والعملات الأجنبية بقيمة تفوق 3.456 تريليونات دولار، تليها اليابان، ثم الولايات المتحدة، وسويسرا، والهند . ويبرز هذا التفاوت الكبير الفجوة بين الاقتصادات الكبرى والدول النامية في القدرة على امتصاص الصدمات الخارجية .

في المجمل، يضع الارتفاع القياسي لأسعار الذهب تونس أمام فرصة لمزيد دعم استراتيجيتها الاحتياطية، ليس فقط من زاوية الحجم، بل من حيث النجاعة والتوظيف، ففي عالم يتجه نحو مزيد من الاضطراب، يصبح إحكام إدارة المدخرات الاستراتيجية عاملًا حاسمًا في حماية الاستقرار الاقتصادي، وربما أحد مفاتيح استعادة الثقة في المدى المتوسط .

اشترك في النشرة الإخبارية اليومية لتونس الرقمية: أخبار، تحليلات، اقتصاد، تكنولوجيا، مجتمع، ومعلومات عملية. مجانية، واضحة، دون رسائل مزعجة. كل صباح.

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

تحقّق من صندوق بريدك الإلكتروني لتأكيد اشتراكك.

تعليقات
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا