تلك هي مأساة إيران، وهي تتكرر منذ عقود، منذ قيام الجمهورية الإسلامية سنة 1979 : نخبة سياسية و عسكرية و أمنية تُحارب الغرب و إسرائيل و تُهدر موارد البلاد (عشرات مليارات الدولارات) في مشروع تسلّح نووي لن يرى النور أبداً (واشنطن و تل أبيب ستتكفلان بذلك).
و لن يرى هذا السلاح النور لأن رجال الدين لم يلتزموا السرّية كما فعلت باكستان و الهند.
فعندما يُصدَح صباحاً و مساءً بأن المهمة الأولى للترسانة الذرية “المفترضة” ستكون سحق “الدولة العبرية” ، لا ينبغي الاستغراب إن كان الطرف الآخر يستبق الأحداث ، خصوصاً عندما يكون على رأسه رجل مثل بنيامين نتنياهو.
و النتيجة المباشرة لهذا الهوس بالقنبلة النووية كانت سيلاً من العقوبات الدولية (أمريكية و أوروبية) و ضربات تُخنق اقتصاداً يملك ، نظرياً ، مقومات التطور ، و خناقاً يُجَوّع السكان ويُغلق الآفاق أمام الشباب.
و حين يثور الشباب و يحتجّ و يصرخ ، يردّ رجال الدين بإطلاق النار عشوائياً.
لا يعرفون غير ذلك : القتل و المجازر… عشرات الآلاف في المرة الأخيرة ، كما يُقال.
لكن القتلة لا يجوعون فهم يغرقون في الامتيازات و الحصانات.
الشهر الماضي ، تحدثنا عن خطط نُسبت إلى آية الله علي خامنئي و كشف عنها الصحفي البريطاني “ذا تايمز”.
و قيل إن المرشد الأعلى كان يجهّز حقائبه للفرار إلى موسكو إذا قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذهاب أبعد من مجرد التهديد بتدخل عسكري.
و يبدو أن خليفة روح الله الخميني اختار أن يموت “شهيداً” في بلاده إذا ساءت الأمور… إلا إذا كان ينتظر اللحظة الأخيرة للفرار نحو فلاديمير بوتين.
لكن ما يهمنا الآن هو الثروة التي راكمها محيطه. فقد نبشت “بلومبيرغ” في “الأعمال الصغيرة” لنجل علي خامنئي.
و كتبت الوكالة الأمريكية، في تحقيق استقصائي حول أصول الرجل الذي يُقدَّم كخليفة محتمل لوالده: «خلف الواجهات الفاخرة لمنازل شارع Bishops Avenue [حي راقٍ في لندن] تكمن شبكة [مالية وعقارية] تمتد من طهران إلى دبي وفرانكفورت.
و المالك النهائي، عبر عدد كبير من شركات الواجهة، هو أحد أقوى رجال الشرق الأوسط: مجتبى خامنئي، الابن الثاني للمرشد الأعلى الإيراني».
و في سن 56 عاماً، يمتلك هذا رجل الدين (ولا بد من هذه “الرتبة” في إيران لبلوغ مواقع كبرى) يداً على إمبراطورية مالية واسعة «تمتد من الشحن البحري في الخليج الفارسي إلى الحسابات المصرفية السويسرية، مروراً بالعقارات الفاخرة في بريطانيا»، وفق مصادر مطلعة على الملف و«جهاز استخبارات غربي مهم» أبلغ الوسيلة الإعلامية.
و تشمل الثروة المذكورة ممتلكات عقارية في عدد كبير من أحياء لندن الفاخرة، وفيلا في منطقة توصف بأنها «بيفرلي هيلز دبي»، إلى جانب فنادق فخمة في أوروبا، في فرانكفورت (ألمانيا) و مايوركا (إسبانيا) و غيرها، بحسب المصادر.
و تضيف “بلومبيرغ” أن «هذه الشبكة من الشركات سمحت بتحويل أموال تُقدَّر بمليارات الدولارات إلى الأسواق الغربية، رغم العقوبات الأمريكية التي فُرضت عليه سنة 2019».
و أشارت الوكالة إلى أن عمليات الشراء، التي يعود أولها إلى سنة 2011، لم تكن باسم مجتبى خامنئي، وذلك حتى قبل تشديد العقوبات. وتُنفَّذ غالبية الاستثمارات عبر واجهة، هو رجل أعمال إيراني يُدعى علي أنصاري، أحد أفراد دائرة خامنئي، وتقول “بلومبيرغ” إن المملكة المتحدة فرضت عليه عقوبات منذ أكتوبر 2025، استناداً إلى وثائق راجعها التحقيق.
أما الأموال التي موّلت هذه العمليات، فهي «تأتي أساساً من مبيعات النفط الإيراني [الخاضعة بدورها لعقوبات]»، ومرّت — بحسب المصادر نفسها — «عبر حسابات مصرفية في المملكة المتحدة وسويسرا وليختنشتاين والإمارات العربية المتحدة».
و يمضي التحقيق إلى أعماق الإمبراطورية المالية التي شيدتها النخبة الحاكمة في إيران، وفي مقدمتها المرشد الأعلى نفسه، الذي يُقال إنه يشرف على واحدة من أكثر المؤسسات ربحاً في البلاد، وتُسمى «تنفيذ أوامر الإمام الخميني». وتعتمد هذه المؤسسة أساساً على مصادرة آلاف الممتلكات بعد الثورة الإسلامية، وهي تسيطر على أصول تُقدَّر بمليارات الدولارات في أنحاء البلاد، وفق “بلومبيرغ”. وهي اليوم «إحدى أكبر التكتلات العامة في الشرق الأوسط». هكذا ببساطة!
و بالطبع، تُشكّل هذه المعطيات بقعة سوداء في مشهد “الورع والتقشف” الذي تروّج له وسائل الإعلام الرسمية والسلطة، في ما يخص آية الله ومحيطه، بحسب ما ختمت به “بلومبيرغ”. غير أن هذا “الكشف” يؤكد لنا قبل كل شيء فكرة واحدة: لن يذرف أحد الدموع على رحيل من يمتصون دم الإيرانيين منذ 1979… باستثناء المستفيدين المباشرين من هذه المنظومة الغامضة.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية