تشهد البنوك التونسية تحسّنًا ملحوظًا في متانة قواعدها الرأسمالية ونسب ملاءتها المالية، مدفوعة بإحكام الإطار الرقابي وتعزيز الضوابط الاحترازية، في خطوة تهدف إلى دعم استقرار النظام البنكي في البلاد.
ويأتي هذا التطور في سياق مواصلة سلط الاشراف تطبيق آليات رقابة صارمة، تفرض على المؤسسات البنكية تعزيز أموالها الذاتية وإعادة هيكلة منظومة تصرفها في المخاطر، ما يحدث تحوّلًا عميقًا في نماذج عمل البنوك. ورغم أن هذه الإجراءات تدعم الاستقرار المالي على المدى المتوسط والطويل، فإنها قد تؤدي على المدى القصير إلى تباطؤ نمو الإقراض وتراجع نسبي في مستويات الربحية.
ايفاء متواصل بالالتزامات
وفي هذا الإطار، أفادت وكالة “ستاندارد آند بورز” للتصنيف الائتماني بأن تونس أوفت بخدمة ديونها الخارجية خلال عامي 2024 و2025، بدعم من تمويلات مباشرة من البنك المركزي التونسي وارتفاع تحويلات التونسيين بالخارج، وهو ما ساهم في استقرار احتياطيات النقد الأجنبي.
وأشارت الوكالة في ورقة تحليلية نشرتها الاثنين 2 فيفري الجاري إلى أن الاستحقاقات قصيرة الأجل تبقى محدودة، إذ تُقدّر بنحو 816.7 مليون دولار في سنة 2026 وأقل من 350 مليون دولار في سنة 2027، وهو ما من شأنه تخفيف الضغوط على الميزانية العامة للدولة.
وفيما يتعلّق بأداء القطاع البنكي، توقعت وكالة التصنيف تراجعًا طفيفًا في ربحية البنوك خلال سنة 2026، على خلفية التخفيض الأخير في سعر الفائدة الرئيسي. كما لفتت إلى أن ارتفاع كلفة التشغيل، وهو ما يرجع بالخصوص الى توسع شبكة الفروع، سيواصل استهلاك أكثر من 40% من إيرادات البنوك، ما يحدّ من قدرتها على تحقيق أرباح أعلى. ومع ذلك، يُرتقب أن يبلغ العائد على حقوق الملكية نحو 11% في 2026.
تحسن مؤشرات الملاءة المالية
وسجّل النظام البنكي التونسي تحسّنًا في مؤشرات الملاءة المالية خلال سنة 2024، حيث ارتفعت نسبة الملاءة إلى 14.5% ونسبة الأموال الذاتية من الفئة الأولى إلى 11.9% نهاية العام، مقابل 14.2% و11.3% على التوالي في اواخر 2023.
وفيما يخص الانكشاف على الدين السيادي، أوضحت “ستاندارد آند بورز” أن مستوى انكشاف البنوك التونسية يبقى أقل من نظيره في عدد من الأسواق الناشئة المماثلة، خاصة مصر. غير أن الانكشاف المباشر على السندات السيادية وبرامج الاقتراض الوطنية بلغ قرابة 30 مليار دينار تونسي في جوان 2025. كما بلغ انكشاف البنوك على القطاع العام والجهات المرتبطة بالدولة نحو 19 مليار دينار، أي ما يعادل 17% من إجمالي القروض، إلى حدود نهاية جوان 2025.
في جانب التمويل، أكدت الوكالة أن ودائع الحرفاء، وهي المصدر الأساسي لتمويل البنوك، تواصل نموّها بوتيرة مستقرة، ومن المتوقع أن ترتفع بنحو 5% في 2026 إلا أن هذه الودائع لا تزال غير كافية لتغطية كامل نشاط الإقراض، ما يدفع البنوك إلى اللجوء بشكل منتظم إلى البنك المركزي لتوفير سيولة إضافية.
وتوقعت “ستاندارد آند بورز” أن تتجاوز الديون الخارجية الصافية، المتأتية أساسًا من الشركات الأجنبية غير المقيمة، والجالية التونسية، وخطوط الائتمان متعددة الأطراف، نسبة 15% من إجمالي القروض المحلية في 2026. في المقابل، يظل تمويل الشركات الأم الأجنبية محدودًا، رغم امتلاك المستثمرين الأجانب نحو ثلث أسهم القطاع البنكي التونسي.
جهود لدعم النمو
يشار الى ان البنك المركزي التونسي كان خفض في 31 ديسمبر الماضي، سعر الفائدة بـ50 نقطة أساس ليصبح في حدود 7%، وذلك للمرة الثانية خلال العام 2025. وأعلن البنك في بلاغ أصدره حينها أنه قرر خفض سعر الفائدة استجابة لحاجيات السوق ودفع الاستثمار بعد تسجيل تطور هام في مكافحة التضخم. وفي مارس الماضي، خفضت مؤسسة الاصدار سعر الفائدة الأساسي 50 نقطة أساس إلى 7.5% بعد عامين من تثبيتها في حدود 8% .
ولا تستبعد “ستاندارد آند بورز” أن يكون التحسن في استهلاك الأسر نقطة إيجابية تساعد على دعم نشاط بعض البنوك في ظل الانخفاض في أسعار الفائدة الذي يقلل من كلفة التمويل بالنسبة للمقترضين، مما يمكن أن يدعم الطلب. وتعمل السلط المالية بشكل مكثف لمجابهة تحديات تحسين نسب النمو حيث توقع البنك الدولي نموًا في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 2.6% في 2025، ثم 2.4% تقريبًا في 2026، وهو نمو يعد نسبيًا أقل من طموحات التنمية الاقتصادية وفق مؤسسة الإقراض الدولية.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية