طُرح السؤال بلا مواربة على الصفحة الرسمية لـ«تونس الرقمية» على فيسبوك. وخلال ساعات قليلة، أثار المنشور موجة واسعة من التفاعلات ونقاشًا محتدمًا في خانة التعليقات.
وبعيدًا عن ردّ الفعل العاطفي، أرادت «الرقمية» الذهاب أبعد من ذلك: القياس، ثم التصنيف، ففهم ما يقوله القرّاء فعلًا، خارج منطق «مذنب المساء».
يقدّم هذا الملف مستويين متكاملين للقراءة: تصويتًا سريعًا (التفاعلات) ونقاشًا معمّقًا ومعلّلًا (التعليقات)، وفق منهجية بسيطة، شفافة، وقابلة لإعادة الاستخدام في مواضيع أخرى.
اقترح المنشور ثلاثة خيارات واضحة، مرتبطة بتفاعلات فيسبوك:
1: المدرب
2: اللاعبون
3: مسؤولية جماعية
وعند التقاط البيانات، كان المنشور قد حصد نحو 1.5 ألف تفاعل، وأكثر من 560 تعليقًا، إلى جانب عمليات مشاركة، ما يعكس طابعًا عاطفيًا قويًا وقدرة عالية على التعبئة.
تعمل تفاعلات فيسبوك كـ«تصويت فوري»: نقرة واحدة، خيار واحد، قرار سريع. وعلى هذا المستوى، جاء الحكم حاسمًا.
استنادًا إلى الأرقام الظاهرة على المنشور لحظة الالتقاط (تقريبًا):
المدرب (👍): نحو 1.1 ألف صوت، أي قرابة 73%
المسؤولية الجماعية (🤗 “care”): نحو 335 صوتًا، أي حوالي 22%
اللاعبون (❤️): نحو 63 صوتًا، أي قرابة 4%
القراءة: في لحظة الغضب، تُحمِّل الغالبية الساحقة المسؤولية الأولى للجهاز الفني، متقدمًا بفارق كبير على خيار «المسؤولية الجماعية»، وبفارق شاسع عن اللاعبين.
لفهم ما يقوله القرّاء فعليًا، اعتمدت «الرقمية» على تحليل 564 تعليقًا (لقطة زمنية قابلة للتغيّر لاحقًا).
جزء من المستخدمين لا يعلّق، بل «يصوّت» داخل خانة التعليقات عبر كتابة رقم فقط.
في العيّنة:
73 تعليقًا هي «تصويتات صِرفة» (1 أو 2 أو 3)، أي 13%
491 تعليقًا تحتوي نصوصًا، أي 87%
حتى داخل هذه التصويتات المكتوبة، يظهر مؤشر لافت: الخيار 3 يتكرّر كثيرًا، ما يؤكد سلوكًا شائعًا على الشبكات الاجتماعية، حيث يتجه «تصويت التفاعل» نحو مسؤول مباشر، بينما تُستخدم التعليقات للتفصيل والت nuance.
بعد ذلك، جرى تصنيف التعليقات النصية حسب المحاور، وفق قاعدة بسيطة: يمكن للتعليق الواحد أن يتضمن أكثر من فكرة، وهو ما يجعل التحليل أقرب إلى حقيقة النقاش.
من أصل 491 تعليقًا نصيًا، كانت المحاور الأكثر حضورًا:
المدرب / الجهاز الفني: 27.1%
اللاعبون: 23.6%
المسؤولية الجماعية / المنظومة: 13.8%
الجامعة / الاتحاد: 13.2%
مقترحات (يجب / لازم…): 10.2%
الخلاصة: يظل المدرب المحور الأول، لكن النقاش يتسع بقوة ليشمل اللاعبين، و«الجامعة»، وقبل كل شيء فكرة المنظومة.
النقاش ليس ثنائيًا. كثير من التعليقات تُحمِّل أكثر من طرف المسؤولية في آن واحد.
ضمن العيّنة النصية:
37.7% يذكرون مسؤولًا واحدًا
14.3% يذكرون مسؤولين
3.7% يذكرون ثلاثة أو أربعة أطراف
أكثر التداخلات شيوعًا:
المدرب + اللاعبون: 46 تعليقًا
المدرب + الجامعة: 30 تعليقًا
بمعنى آخر، لا يكتفي الجمهور بالقول «المدرب هو السبب»، بل يضيف غالبًا «…لكن أيضًا اللاعبون» أو «…والجامعة من ورائه».
بعيدًا عن التصنيفات، تكشف القراءة النوعية عن أفكار واضحة ومتكرّرة.
يظهر المدرب بوصفه مركز الثقل في الانتقادات. يتحدث القرّاء عن اختيارات غير مفهومة، وقراءة للمباراة اعتُبرت ضعيفة مع مرور الدقائق، وتغييرات وُصفت بالمتأخرة أو غير الموفقة، إضافة إلى خيارات في التشكيلة ما زالت تغذّي الجدل وسوء الفهم.
كلمة «المدرب» تُعد، بفارق كبير، من أكثر الكلمات تكرارًا في corpus التعليقات.
عند الحديث عن اللاعبين، يركّز القرّاء أساسًا على مسألة الالتزام و«الروح» المنتظرة على أرضية الميدان، والتي يرى كثيرون أنها غابت.
كما يُشار إلى ضعف النجاعة في اللحظات الحاسمة، حين تُحسم الأمور بركلة جزاء أو فرصة سانحة.
وغالبًا ما تأخذ الانتقادات طابعًا شخصيًا، عبر تشريح أداء لاعبين بأسمائهم، تتكرر الإشارة إليهم بإلحاح.
تسجّل «الرقمية» نقطة مهمة: رغم أن الجامعة لم تكن خيارًا صريحًا في الاستطلاع، فإن حضورها قوي في التعليقات.
يتحدث المستخدمون عن:
الحوكمة
القرارات الهيكلية
المسؤولية المؤسسية
لعلها الفكرة الأعمق والأكثر رسوخًا في التعليقات. بالنسبة لعدد كبير من القرّاء، لا يتعلق الأمر بمباراة خاسرة فحسب، بل بفشل منظومة كاملة.
يُنظر إلى كرة القدم التونسية على أنها تعيش أزمة عميقة وممتدة، وتبدو الإقصاء أقلّ كونه حادثًا عابرًا، وأكثر كونه نتيجة مسار مختل بُني على مدى سنوات.
كثيرًا ما تُتَّهم شبكات التواصل بأنها فضاء للغضب فقط. غير أن هذه العيّنة تُظهر غير ذلك: أقلية تقترح حلولًا.
ضمن التعليقات النصية، 10.2% تتضمن لغة اقتراح صريحة (يجب، لازم…).
أبرز المقترحات تدور حول:
تغيير الجهاز الفني
المحاسبة
إصلاح الحوكمة والتكوين (أقل عددًا، لكنها أكثر بنيوية)
«تغييرات متاع إنسان معمرو ملعب كورة.»
«من الجامعة إلى اللاعب، كلهم مسؤولين.»
«فشل المنتخب يبيّن المستوى الحقيقي للبطولة التونسية.»
«الحكم اللي أدار المباراة لازم تتقدم بيه قضية.»
«خروج المنتخب ليس صدفة… هذا اختيار.»
«منتخب بدون روح… ولازم ضخ لاعبين جدد يستحقوا تمثيل تونس.»
«يلزم يجيبوا إطارات فنية أجنبية… يأطّروا الصغار.»
التفاعلات تقدّم حكمًا واضحًا: المدرب.
أما التعليقات، فترسم صورة أكثر ثراءً: مدرب، لاعبون، جامعة، ومنظومة، تتقاطع جميعها داخل تشخيص واحد.
وهنا تكمن القيمة المضافة: تحويل انفعال وطني إلى قراءة منظّمة، وفتح نقاش جوهري حول مستقبل كرة القدم التونسية.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية