في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

وفي الوقت الذي يحتاج فيه العالم إلى عمل متعدد الأطراف، وقفت المنظمة الدولية عاجزة عن اتخاذ قرارات ملزمة، مما سلط الضوء على عمق الفجوة بين الأهداف التأسيسية للميثاق الأممي وواقع هيمنة "منطق القوة" والواقعية السياسية على المشهد الدولي.

"منطق القوة " وأفول التعددية الدولية

ويوضح مروان قبلان، مدير وحدة الدراسات السياسية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أن الأمم المتحدة تمثل آخر محاولة تاريخية لإنشاء نظام أمن جماعي يمنع العدوان، إلا أن النظام الدولي الحالي بات يكشف عن غلبة "منطق الغاب " وتهميش القانون الدولي والمواثيق.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 "موسم واحد لايكفي".. أندية الدوري الإنجليزي ترفع سقف مطالبها ضد مانشستر سيتي
* list 2 of 2 إيران.. ترمب يتحدث عن أمور ستحدث قريبا ولندن تشتبه في دور إيراني بحادثة فيرفورد end of list

ووفق حديث قبلان لبرنامج "محاولة فهم"، تتجلى المفارقة في أن القوة التي أسست النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية -وهي الولايات المتحدة– هي التي تقوده اليوم نحو التقويض، عبر إضعاف المنظمات الدولية، ووقف المساعدات (كإيقاف تمويل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية)، والانسحاب من الاتفاقيات، وفرض الرسوم الجمركية.

وتتكرس هذه الواقعية -حسب المتحدث- في تصريحات مسؤولين أمريكيين تؤكد أن الدول التي لا تستطيع الدفاع عن أرضها لا تستحق امتلاكها، مما يعني تقديم منطق الغلبة العسكرية على السيادة القانونية.

من جانبه، يرى أستاذ تسوية النزاعات الدولية والدبلوماسية محمد الشرقاوي أن المنظومة الدولية انحرفت عن التصور الفلسفي الذي أرساه الرئيس الأمريكي الـ28 وودرو ويلسون والقائم على منظومة القيم والأمن الجماعي والتجارة المفتوحة، لتتحول إلى ساحة تتجاوز فيها القوى الكبرى (مثل أمريكا وروسيا) السور الأممي دون شرعية أو سند قانوني.

ويظهر ذلك في القراءة الداخلية للأمم المتحدة، حيث لا تُدار الأمور كـ "حكومة عالمية"، بل تخضع لتراتبية صارمة يتصدرها مجلس الأمن والدول الخمس دائمة العضوية، لتصبح إرادة المنظمة مجرد انعكاس لإرادة الأعضاء النافذين، حسب الشرقاوي.

مصدر الصورة جانب من انعقاد أعمال الجمعية الغمومية للأمم المتحدة الـ81 في نيوريورك (الأوروبية)

دبلوماسية "الكواليس "

وفي مقابل الخطابات الرسمية على منصة الجمعية العامة، يرى المحللون أن الثقل الحقيقي للاجتماعات يكمن في "دبلوماسية الغرف المغلقة" واللقاءات الجانبية التي تُعقد في الفنادق ومقرات البعثات لحسم الصفقات السياسية والاقتصادية.

ويشير الشرقاوي إلى أن أهمية الجمعية العامة دفعت طهران لتوحيد خطابها السياسي بين التيار الدبلوماسي (الرئيس مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي) و الحرس الثوري، لاستثمار فرصة نيويورك وفتح مسار مفاوضات مع واشنطن بوساطة قطرية.

لكن الصعود المتزايد لما يُعرف بـ "التعددية المصغرة" -أي اتفاق الدول الكبرى في أطر ضيقة بعيدا عن مظلة الـ193 دولة- يحمل مخاوف جديّة من تهميش باقي العالم وقضاياه المصيرية، كما يؤكد قبلان.

مصدر الصورة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال مشاركته في اعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة (الفرنسية)

الازدواجية والمأزق العربي

وتنعكس الواقعية السياسية أيضا في "النفاق المنظم " للسيادة وسلاح التأشيرات، إذ سمحت واشنطن بدخول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الإيراني بزشكيان لحاجتها للتفاوض أو دعم حلفائها، بينما منعت التأشيرة عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان، في خرق صريح لاتفاقية المقر.

وعلى الصعيد العربي، يشير المستشار في العلاقات الدولية والتعاون الدولي عبد الفتاح محمد سعد إلى وجود حراك دبلوماسي عربي في الدورة الحالية للتعامل مع أزمات هرمز و غزة ولبنان، والوساطات القائمة.

في المقابل، يؤكد قبلان والشرقاوي أن الفاعلية العربية تراجعت مقارنة بفترتي الخمسينيات والسبعينيات نتيجة التشرذم الداخلي، وغياب الرؤية المشتركة، وتشتت القضايا المركزية، مما يفقد المجموعة العربية قدرتها على الحشد التأثيري داخل الجمعية العامة.

مصدر الصورة نتنياهو ألقى كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة أمام مقاعد شبه فارغة بعد انسحاب معظم الوفود (الفرنسية)

أزمة التمويل والرهان الأخير

ولم تتوقف أزمات المنظمة عند الجانب السياسي، بل امتدت للجانب التنموي والمالي؛ إذ يوضح عبد الفتاح سعد أن أهداف التنمية المستدامة (2030) لم يتحقق منها سوى أقل من 30%، مع تفاقم أزمة الديون على أكثر من 3 مليارات إنسان بالدول النامية، وتراجع تمويل المنح. وقد دفع هذا الانهيار المالي الأمين العام للحديث عن مرحلة تقشف وإعادة هيكلة للعمل الإنساني.

ورغم هذه الاختلالات الكبيرة، يخلص الخبراء إلى أن تمسك الدول -خاصة الصغرى والضعيفة- بالأمم المتحدة يظل خيارا وجوديا، كون المنظمة ملجأ أخيرا للحفاظ على القواعد والقوانين الدولية والتصدي للانزلاق الكامل نحو فوضى "قانون القوة ".