في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

الخرطوم- في قرية دبة نايرة، على سفح جبل مرة غرب السودان، تجلس الحاجة آمنة عمر وسط خيمتها، وثلاثة أطفال يتدافعون حولها، وعيناها تبحثان عن شيء لا تجده، تحكي كيف خرجت ابنتها ذات ليلة على نقالة خشبية، ولم تعد.

تقول آمنة للجزيرة نت "كانت ابنتي في شهرها الثامن حين ألمّ بها المخاض ليلا، ولم يكن في القرية طبيب ولا قابلة ولا وسيلة نقل، فحملها زوجها وأقاربها على نقالة خشبية، وساروا بها عبر الدروب الجبلية نحو مستشفى منطقة "قولو". لكنها لم تصل، بل "ماتت هي وطفلها في الطريق، قبل أن يصلا المستشفى".

مصدر الصورة

لوحة فنية رسمتها الفنانة صفية الطيب -من دارفور- تجسد معاناة نقل الحوامل ووفاتهن قبل الوصول إلى المستشفيات (الجزيرة)

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 السودان يمدد فتح معبر أدري مع تشاد إلى نهاية السنة
* list 2 of 2 أسرة البشير تطالب بعلاجه خارج السودان وتنفي تلقي موافقة رسمية end of list

ملاذ للفارين من الحرب

تقع منطقة جبل مرة بغرب السودان، الممتدة في ولايتي وسط وجنوب إقليم دارفور، تحت سيطرة حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، التي شكّلت سلطة مدنية لإدارة هذه المناطق، إضافة إلى محلية طويلة بولاية شمال دارفور.

وظلت هذه المناطق خارج سيطرة كل من قوات الدعم السريع و الجيش السوداني على حد سواء منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023، فتحولت خلال سنواتها إلى ملاذ لآلاف المدنيين الفارين من القتال.

مستشفيات مغلقة

يرجع الأهالي والمنظمات الإنسانية السبب الجذري لموت الأمهات في جبل مرة إلى انهيار تدريجي ضرب المنظومة الصحية، فالمستشفيات لم تُقصف، بل أُغلقت أبوابها بهدوء، وهاجرت كوادر طبية ولم تعد، وشحّ التمويل فتوقفت الرواتب والصيانة وسلاسل الإمداد، ونفد الدواء في المستودعات ولم تصل أي شحنات جديدة.

ويقول الناشط محمد صالح أبكر، وهو من أبناء المنطقة، للجزيرة نت، إن أغلب المرافق الصحية توقفت عن العمل، وإن مستشفى منطقة دربات الريفي بأعلى سفح الجبل، الذي كان يقدم خدمات الرعاية الصحية الأساسية للنساء، أغلق أبوابه، مما فاقم معاناة الحوامل وحرمهن من خدمات المتابعة والولادة الآمنة.

إعلان

ويضيف أن المنطقة سجلت أكثر من ست حالات وفاة مرتبطة بالولادة خلال الفترة الأخيرة، مرجعا ذلك إلى بُعد المراكز الصحية وصعوبة الوصول إليها، وغياب الخدمات التخصصية اللازمة لرعاية الأمومة.

مصدر الصورة

جانب من مستشفى منطقة "نرتتي" الريفي بجبل مرة (الجزيرة)

معدلات مرتفعة جدا

من جانبه يحذّر مسؤول الإعلام بغرف طوارئ منطقة "قولو" سليمان آدم النور من أن وعورة الطرق وانعدام وسائل النقل يزيدان أخطار الولادة في المنازل، ويرفعان احتمالات الإجهاض وفقر الدم والولادة المبكرة. وناشد النور، في حديث للجزيرة نت، الجهات المعنية أن توفر وسائل النقل وسيارات الإسعاف لإنقاذ المرضى.

ووفقا لهذا المسؤول، فإن المستشفيات القليلة المتبقية لم تعد قادرة على إنقاذ الأرواح بسبب شح الكوادر ونفاد الأدوية، وإن مستشفيي "قولو" و"نرتتي"، وهما الوحيدان القادران على إجراء العمليات القيصرية في المنطقة، لم يعد أمامهما بديل بعد توقف المستشفيات الكبيرة عن العمل.

ويشير تقرير منظمة الصحة العالمية الصادر في 13 يوليو/تموز 2026 إلى أن معدل وفيات الأمهات في السودان يبلغ 256 وفاة لكل مئة ألف ولادة، وهو أعلى بنحو أربعة أضعاف من الهدف العالمي للتنمية المستدامة لعام 2030، الذي يحدد أقل من سبعين وفاة لكل مئة ألف ولادة. كما تحدث التقرير عن أن 63% فقط من المرافق الصحية في البلاد لا تزال تعمل بشكل كامل أو جزئي.

كارثة المجاعة

وفي 8 سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت السلطة المدنية في مناطق سيطرة حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، دخول مناطق جبل مرة وطويلة وعين سيرو ومخيمات النزوح مرحلة "كارثة المجاعة"، محذرة من ارتفاع معدلات الوفيات وحالات سوء التغذية بين الأطفال والنساء والمسنين.

وقدّرت السلطة عدد الوفيات اليومية بما بين 10 و20 وفاة نتيجة الجوع المباشر والأمراض المرتبطة به، وأرجعت تدهور الأوضاع إلى:


* عرقلة وصول قوافل الإغاثة والمساعدات الإنسانية.
* وفشل الموسم الزراعي بسبب قلة الأمطار.
* وانتشار الأوبئة وتلوث مياه الشرب.

مصدر الصورة

نساء في انتظار الحصول على العلاج بأحد المرافق الصحية بجبل مرة (الجزيرة)

شهادة حية

تقول فاطمة إبراهيم هارون، وهي ربة منزل تعيش مع عائلتها في جبل مرة، "شاهدت بأم عيني عشرات النساء يُحملن على الأكتاف وهن في حالة مخاض، يصرخن من الألم، وأطفالا يولدون على قارعة الطريق الجبلية".

وتضيف: "في قرية دربات وحدها، فقدنا خلال الشهرين نحو ثماني أمهات، ونعرف أن الأرقام الحقيقية أكبر بكثير، لأن كثيرا من الوفيات لا تُسجل أصلا".

مصدر الصورة

منطقة جبل مرة في السودان (الجزيرة)

مسافات شاقة

بحسب "شبكة دارفور لحقوق الإنسان"، وهي منظمة غير حكومية تعمل على رصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان في الإقليم، يحمل السكان النساء الحوامل على الأكتاف مسافات طويلة للوصول إلى أقرب منشأة صحية، وتقع المستشفيات والعيادات غالبا على بعد كيلومترات من القرى، وتبقى وسائل النقل محدودة والطرق بالغة الصعوبة.

وتشير الشبكة إلى أن النساء اللواتي يواجهن ولادة متعسرة أو معقدة لا يتمكنّ غالبا من الحصول على رعاية منقذة للحياة في الوقت المناسب، بينما أفادت المجتمعات المحلية بوفاة عشرات الأمهات أثناء سفرهن من قراهن نحو أقرب منشأة صحية.

إعلان

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية، في تقريرها الصادر في 4 فبراير/شباط 2026، إلى أن 8.1 ملايين امرأة وفتاة في سن الإنجاب في السودان يحتجن إلى خدمات صحة إنجابية عاجلة، بينهن أكثر من 803 آلاف امرأة حامل في ظل تدهور واسع النطاق للنظام الصحي.

وسعت الجزيرة نت للحصول على تعليق من السلطة المدنية في مناطق سيطرة حركة جيش تحرير السودان، ومن وزارة الصحة السودانية، حول أزمة وفيات الأمهات في جبل مرة، لكنها لم تتلق ردا.

وفي قرية دبة نايرة، أمام الخيمة ذاتها التي جلست فيها آمنة عمر يوم فقدت ابنتها، تجلس نساء أخريات في شهور حملهن الأخيرة، ينتظرن دورهن، لا يعرفن هل سيلدن في خيمة، أم على قارعة الدرب الجبلي، أم لن يصلن أصلا.