قراءة في نتائج الاستفتاء السويسري.. ماذا يعني رفض التشدد في قواعد الحياد؟
يقولون في ألمانيا إن السويسريين يستفتون على كل شيء، حتى على أسعار الزبدة، في مقولة ممازحة لا تخلو من بعض الحسد، في وقت تمر فيه ألمانيا بأزمات سياسية تتطلب اللجوء إلى "الديمقراطية المباشرة" كما تشير إلى أن سويسرا تستفتي فعليا على كل صغيرة وكبيرة.
وحسب بيانات المكتب الاتحادي للإحصاء في سويسرا، شهدت البلاد -منذ تثبيت حق الاستفتاء في دستور عام 1848 وحتى الاستفتاء الأخير في 27 سبتمبر/أيلول الجاري- 332 جولة استفتاء فدرالي صوت السويسريون من خلالها على 705 مقترحات، قُبل منها 53% ورفض 47%.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 القوة الصينية تحت البحر.. من البحث العلمي إلى المسيّرات والأمن البحري
* list 2 of 2 خدعة "البيجر".. تفاصيل إسرائيلية جديدة لكواليس عملية الموساد ضد حزب الله end of list
هذه المرة استفتى السويسريون على موقع بلادهم في السياسة الدولية وموقفها من القضية الأهم في العلاقات الدولية، وهي الحرب والسلام وتحديدا على مبدأ الحياد المكتسب منذ عام 1516 والمنصوص عليه أيضا في دستور عام 1848.
ووفق المكتب الاتحادي للإحصاء، رفض الناخبون بأغلبية واضحة مقترحا يهدف إلى تشديد مبدأ الحياد وإدخال مزيد من القيود والتشدد على هذا المبدأ.
وأظهرت نتائج الاستفتاء الشعبي أن 72.2% من الناخبين صوتوا ضد المقترح، مما يعني الإبقاء على مبدأ الحياد ولكن دون إدخال ما يعرف بـ"الحياد الدائم المسلح" على المبدأ.
وتدعم جمعية "برو سويسرا" المقربة من حزب الشعب المحافظ -بحسب مصادر الجمعية نفسها- المبادرة التي تم إطلاقها في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2022 أي بعد 8 أشهر من اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
مصدر الصورة
وتشير مصادر إعلامية سويسرية متطابقة أهمها شبكة الإذاعة والتلفزيون (إس آر إف) إلى أن المستشار الاتحادي كريستوف بلوخر هو الذي قدم المبادرة ويعد من أهم داعميها.
ووفق وكالة الأنباء السويسرية، فإن بلوخر المعروف بمعارضته الشديدة للاتحاد الأوروبي ظهر هذا العام في اجتماع لأعضاء جمعية "برو سويسرا" وأعرب عن دعمه لمبادرة الحياد.
ويعني "الحياد الدائم المسلح" الذي طالبت به المبادرة أن تلتزم سويسرا بعدم الدخول في أية حروب بين الدول وألا تنضم إلى تحالفات عسكرية وأن تحافظ على حيادها بشكل دائم وليس فقط في حرب معينة، وفي الوقت ذاته أن تمتلك جيشا وقدرات دفاعية كافية لحماية أراضيها والدفاع عن حيادها إذا تعرضت لاعتداء.
كما تنص المبادرة على منع الحكومة السويسرية في المستقبل من فرض أي عقوبات على الدول المتحاربة، إلا إذا كانت هذه العقوبات تستند لقرار صادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
وبسبب تبني الحكومة السويسرية إلى حد كبير عقوبات واسعة النطاق فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا بسبب الحرب الأوكرانية، رأت جمعية "برو سويسرا" أن سويسرا بذلك خالفت مبدأ الحياد، الأمر الذي حفزها على دعم المبادرة.
ففي 28 فبراير/شباط 2022 قررت الحكومة السويسرية الانضمام إلى حزم العقوبات التي فرضتها بروكسل على روسيا، بما في ذلك تجميد أصول أشخاص وشركات وعقوبات مالية على مسؤولين روس كبار.
ولكن الأمر لم يتوقف عند ذلك، ففي أغسطس/آب 2026 قررت سويسرا تبني إجراءات إضافية في حزمة العقوبات الأوروبية العشرين ضد روسيا، وبحسب الحكومة أصبح نحو 2790 شخصا وكيانا خاضعين لإجراءات تجميد الأصول في البلاد على خلفية الحرب الروسية على أوكرانيا.
وهنا تجب الإشارة إلى أن سويسرا لا تتبنى عقوبات الاتحاد الأوروبي تلقائيا وبحكم العضوية، لأنها ليست عضوا بالاتحاد (27 دولة) ولا في منطقة اليورو (21 دولة) ولا في حلف الناتو (32 دولة) بل تتخذ قرارها بشأن كل حزمة على حدة وقد تتبنى العقوبات كليا أو جزئيا أو لا تتبناها مطلقا.
وهنا فعليا مربط الفرس في مبادرة "تشديد الحياد" فمن ناحية، اعتبر القائمون عليها والمؤيدون لها مشاركة بلادهم في العقوبات ضد روسيا خروجا عن الحياد، بينما يقول المعارضون لمبدأ التشديد والحكومة السويسرية أيضا إن فرض هذه العقوبات لا يتعارض مع قانون الحياد السويسري.
وكانت الحكومة ومعظم الأحزاب السياسية قد أعلنت بوضوح رفضها للمبادرة، وقالت إن أمن سويسرا لا يمكن ضمانه إلا من خلال التعاون مع الدول الأخرى وتحديدا مع الأوروبية الشريكة وإنه لا يجوز التعامل مع المعتدي والضحية بنفس الطريقة.
هذه الدول الأوروبية راقبت باهتمام سير عملية الاستفتاء، ولكن النتائج حظيت باهتمام خاص في عاصمتين أوروبيتين: برلين وموسكو.
فبحسب الصحيفة السويسرية المحافظة "نويه زيوريخر تسايتونغ" نشرت السفارة الروسية بداية أغسطس/آب الماضي رسالة اعتبرتها الصحيفة توصية غير مباشرة للتصويت لصالح تشديد معايير الحياد، الأمر الذي تلاه منشور للمتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا على تليغرام دعمت فيه المبادرة وانتقدت سياسة الحكومة السويسرية الرافضة لها.
وقالت زاخاروفا إن سويسرا لم تعد محايدة، وإن تبنيها العقوبات الأوروبية واستضافتها مؤتمرا بشأن أوكرانيا عام 2024 دون مشاركة روسيا كلفها مصداقيتها كوسيط محايد، مضيفة "سويسرا تغير مسار حيادها في الاتجاه الذي يخدم مصالحها وبالقدر الذي يخدم هذه المصالح، ففي أربعينيات القرن الماضي مالت نحو برلين لأن الذهب والأسواق كانا هناك، أما اليوم فتميل نحو كييف وبروكسل" الأمر الذي يعني تلقائيا اتهاما لسويسرا بعدم الحياد وبالميل نحو ألمانيا النازية أثناء الحرب الثانية.
وعلى الطرف الآخر، لم تقف برلين مكتوفة الأيدي حيال هذا الاستفتاء وأعربت عن موقفها صراحة منه، الأمر الذي قد يعتبره البعض أيضا تدخلا في شؤون سويسرا الداخلية.
مصدر الصورة
ففي بداية أغسطس/آب الماضي، قام وزير الخارجية الألماني الاتحادي يوهان فادِفول بزيارة العاصمة السويسرية، حيث التقى نظيره السويسري إغناسيو كاسِس.
وفي المؤتمر الصحفي المشترك، أجاب الضيف الألماني على سؤال بخصوص موقف بلاده من الاستفتاء، قائلا "بالطبع لا أريد التدخل في نقاش سويسري داخلي" وأضاف "أتمنى أن يبقى الوضع على ما هو عليه".
وفي النهاية، سارت الأمور كما تتمنى برلين والحكومات الأوروبية الأخرى وتحديدا السويسرية، إذ إن نتائج الاستفتاء أكدت تمسك غالبية السويسريين بصيغة الحياد الحالية ورفضهم تشديدها أو تحويلها إلى حياد "دائم ومسلح" أكثر صرامة.
وكل ذلك يأتي في وقت يواجه فيه الحياد السويسري المكتسب منذ مئات السنين نقاشا متزايدا بسبب الموقف من الحرب في أوكرانيا، وتبني برن جزئيا العقوبات الأوروبية على روسيا.
وبينما ترى موسكو أن هذه السياسة أفقدت سويسرا جزءا من مصداقيتها، تؤكد الحكومة السويسرية على حساسية الوضع الحالي بأوروبا، وعلى أن التعاون مع الدول الأوروبية الأخرى لا يتعارض مع المبدأ الذي تنفرد سويسرا في تطبيقه أوروبيا.