آخر الأخبار

السباق إلى حكومة المونديال.. ما الذي يبحث عنه المغاربة في الانتخابات؟

شارك

يبدو المشهد في الشارع المغربي متخما بـ"اليوتوبيا"، تجمعات في كل مكان، أوراق انتخابية تفرش الأرض، وأصوات صادحة تبحث عن السماء، ووعود تتدفق من جميع المكبرات: توفير للوظائف والسكن ميسور التكلفة، ومحاربة الغلاء، ورفع الحد الأدنى للأجور، وتصحيح أخطاء الماضي.

تأتي الانتخابات في سياق داخلي مختلف هذه المرة عن الانتخابات السابقة، فهذا الاستحقاق الانتخابي، الرابع من نوعه منذ دستور عام 2011 الذي جاء على خلفية رياح الربيع العربي، يصل إلى المغرب وسط صراعات سياسية حادة بين الأحزاب، سواء تلك التي كانت تشكل حتى وقت قريب تحالفا حكوميا، أو أحزاب المعارضة التي ترغب في دور أهم في السنوات الخمس المقبلة، وعلى رأس هؤلاء إسلاميو حزب العدالة والتنمية.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 "فانو" وأخواتها.. ماذا يريد التحالف السباعي في إثيوبيا؟
* list 2 of 2 حلم الإمبراطوريات ومقبرتها.. من يملك مفاتيح بوابة الدموع؟ end of list

الشباب الغائب الأكبر

شهدت الولاية الحكومية السابقة مجموعة من الأحداث التي لعب الشباب المغربي دورا حيويا فيها، بدءا بـ"احتجاجات جيل زد" وصولا إلى أحداث سبتة، ورغم أن الانتخابات تعتبر المناسبة المثالية للتغيير بالنسبة للناخبين إذا لم يرضوا عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، فإن المؤشرات الأولية تؤكد عزوفا مرتقبا للشباب المغربي عن المشاركة في هذا الاستحقاق الانتخابي، حيث تشير مصادر إلى أن المواطنين المغاربة ما بين 18-24 عاما يشكلون 12% فقط من السكان، لكن المسجلين منهم في اللوائح الانتخابية 3% فقط، هم يملكون حق المشاركة في الانتخابات والتصويت.

وتقول رويترز، نقلا عن مؤسسة أفروباروميتر، إن ثلث المغاربة الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18-35 عاما لا يثقون في البرلمان أو رئيس الحكومة أو الأحزاب السياسية. وقد ظهر انعدام الثقة في احتجاجات جيل زد، الذي تجاوز الفاعلين السياسيين واعتبر أن المطالب التي يحملها لا يمكن تحقيقها إلا بتدخل من القصر الملكي، الجهة الوحيدة التي تحظى بالمصداقية في الشارع المغربي في تحقيق تغيير حقيقي.

إعلان

وقد اعتمدت السلطات في السنوات الأخيرة إستراتيجية اقتصادية طموحة، وذلك عبر نموذج تنموي جديد يهدف إلى مضاعفة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035. ويعد الاقتصاد المغربي بالفعل واحدا من أكثر اقتصادات أفريقيا تنوُّعا وأكثرها من حيث مساهمة التصنيع. وشهدت البلاد تدفق مليارات الدولارات إلى قطاعات مثل موانئ المياه العميقة والفوسفات والطاقة الخضراء وخطوط السكك الحديدية.

"الحكومة المقبلة ستكون مسؤولة عن مشاريع البنية التحتية والتنمية الضخمة استعدادا لاستضافة المغرب لبطولة كأس العالم 2030"

إلا أن هذا الأمر لم ينعكس بشكل واضح على الوضع الداخلي للمواطن، وهو ما دفع الملك للتحذير في خطاب ملكي سابق من مغرب يسير بسرعتين، مغرب تتطور فيه البنية التحتية ويتحسن فيه الاقتصاد، ومغرب لا يواكب كل هذه الأمور، حيث تبلغ بطالة الشباب نحو 27%، كما أن واحدا من كل 3 شبان مغاربة لا يعمل ولا يدرس ولا يتلقى أي تدريب، حسب الإحصاءات الرسمية.

يزيد التحدي في هذه الانتخابات لأن الحكومة المقبلة ستكون مسؤولة عن مشاريع البنية التحتية والتنمية التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، استعدادا لاستضافة المغرب كأس العالم مع جارتيه الشماليتين إسبانيا والبرتغال. ولكن قبل ذلك وبعده، ينتظر الشباب المغربي، حتى وإن لم ينتخب، واقعا اقتصاديا أفضل ينعكس على حياته اليومية.

الأعيان.. الحاضر الأهم

خلال الفترة الحكومية السابقة، حاولت الأغلبية تأكيد التكامل والتفاهم الكبيرين أكثر من مرة بين مكونات الحكومة، حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة ثم حزب الاستقلال، بيد أن هذا التحالف الحكومي تبخر بسرعة بمجرد اقتراب الحملة الانتخابية، ثم اختفى تماما خلال الحملة، ليظهر الأمر أقرب إلى الخصومة منه إلى الوفاق.

ظهر الخلاف قويا بين الأحزاب التي كانت تُكوِّن الأغلبية الحكومية بسبب ما سُمي إعلاميا في المغرب بـ"الترحال السياسي". ففي الوقت الذي بدأت فيه الأحزاب السياسية تضع اللمسات الأخيرة على برامجها الانتخابية، كانت الأحزاب نفسها تعمل على استقطاب الأعيان وأصحاب النفوذ في الجهات المختلفة بالمملكة المغربية، وذلك لإدراكها أن عدد المقاعد التي سيحصل عليها الحزب سيتأثر بالضرورة إيجابا بعدد الأعيان الذين سيقررون حمل رايته في هذه الانتخابات.

"عدد المقاعد التي سيحصل عليها أي حزب سيتأثر بالضرورة إيجابا بعدد الأعيان الذين سيقررون حمل رايته في الانتخابات"

يميل الأعيان بشكل عام إلى الاصطفاف إلى جانب الحزب الذي يبدو الأقرب لتصدر الانتخابات، ولذا يمكن اعتبار الترحال السياسي مؤشرا واضحا على موازين القوى في الانتخابات التشريعية المغربية. في المقابل، تعمل الأحزاب على تأمين نفسها بداية بحزمة من الأعيان، كونهم يمثلون كتلا ناخبة مستقرة خلف الرجل النافذ في المنطقة. ولذلك يحظى إقناع المواطن العادي بأهمية أقل لأسباب منطقية، أولها العمل الكبير الذي يجب القيام به من أجل إقناع المواطنين ببرنامج انتخابي معين، وثانيها أن المواطن لا يملك إلا صوته أو ربما أصوات أهل بيته، فيما يمتلك شخص واحد من الأعيان مئات، بل وآلاف الأصوات أحيانا، التي تصطف مع رأيه.

إعلان

تبذل أحزاب كثيرة جهدا كبيرا في الحفاظ على أعيانها لأهميتهم في الخريطة الانتخابية، ويُمكننا هنا ذكر واقعة جهة الشرق، حينما اضطر رئيس الحكومة عزيز أخنوش، المستقيل من رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، للذهاب إلى شرق المملكة من أجل طمأنة الأعيان هناك بسبب إظهار بعض الفاعلين المحليين رغبتهم في ترك الحزب بعد استقالة الملياردير ورئيس الحكومة من أدواره الحزبية، تاركا مكانه لرئيس جديد هو محمد شوكي، الذي قدم للمفارقة إلى حزب التجمع الوطني للأحرار من حزب الأصالة والمعاصرة.

مصدر الصورة عزيز أخنوش أثناء الحملة الانتخابية (حساب التجمع الوطني للأحرار)

وكدليل عملي على أهمية الأعيان وتنافس الأحزاب عليهم، تصاعدت الخلافات بوضوح بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، بعد أن استقبل الأخير عددا من الشخصيات الانتخابية الوازنة ممن رحلوا عن حزب عزيز أخنوش. وعلى رأس هؤلاء الراحلين كان فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية في الحكومة السابقة، والرجل القوي المتسلح بسيرة ذاتية رياضية استثنائية جعلته من أشهر السياسيين في المغرب.

ترك فوزي لقجع حزب التجمع الوطني للأحرار وذهب إلى الأصالة والمعاصرة، لكنه لم يذهب وحده، بل رافقته مجموعة من الرجال ذوي النفوذ في مدن مغربية كثيرة، الذين أدركوا أن كفة القوة قد تميل للأصالة والمعاصرة. ورُغم أن الحزب شارك في الحكومة السابقة، فإنه لم يكن يترأسها، ولذلك من المتوقع أن يدفع الأحرار مغارم الحكم أكثر من شركائهم.

"ترك فوزي لقجع حزب التجمع الوطني للأحرار وذهب إلى الأصالة والمعاصرة، لكنه لم يذهب وحده"

لم يكن هذا الترحال ليمر مرور الكرام، لكن أحدا لم يكن يتوقع أن ينفجر إعلاميا، حيث تداول الإعلام المغربي تسجيلا صوتيا منسوبا لرشيد الطالبي العلمي، القيادي في التجمع الوطني للأحرار، يهاجم فيه الأصالة والمعاصرة وفوزي لقجع دون ذكر اسمه صراحة، قائلا إن الوضع السياسي في المغرب ليس مثل قوانين الفيفا التي يتم من خلالها ترحيل المرشحين: "قدمنا بحكيمي ولاعبين من الخارج، إذن ربما عليكم الإتيان بسياسيين من الخارج أيضا". الطالبي العلمي، الذي يعتبر نظريا من أهم رجال الدولة كونه رئيسا للبرلمان المغربي، صعّد لهجته مُتهما خصومه بـ"ترهيب المرشحين أحيانا وترغيبهم عبر إطلاق الوعود للوصول إلى المناصب التي لا يجب أبدا الوصول إليها إلا بالمواقف السياسية الواضحة".

لم يتأخر رد فعل فوزي لقجع على رفاق الأمس، فقد خرج للكشف عن أن الحكومة المغربية صرفت 280 مليار درهم (نحو 29 مليار دولار) دون فائدة، وذلك في معرض حديثه عن مقترح حزبه تخصيص 300 مليار درهم (نحو 31 مليار دولار) في سبيل دعم القدرة المالية للمواطنين المغاربة خلال خمس سنوات.

جاء رد فوزي لقجع في إطار الحرب بين حزبه الحالي وقيادات حزبه السابق، الذين انتقدوا موقفه من قضية استيراد الأغنام إلى المغرب، وهي قضية سببت أزمة كبيرة في عيد الأضحى الماضي بسبب قلة العرض وارتفاع الأسعار، رغم الدعم الكبير الذي حصل عليه مستوردو الأغنام من الدولة من أجل إدخال الرؤوس الكافية لضمان مرور العيد في أحسن الظروف، بعد أن كان المغرب قد أعلن عدم إقامة شعيرة ذبح الأضاحي في العيد قبل الماضي بسبب وضع القطيع الوطني.

أشعلت تصريحات فوزي لقجع النقاش السياسي الداخلي، وتلقفت المعارضة هذه التصريحات من أجل تأكيد طرحها بأن الحكومة أهدرت أموال الشعب دون وجه حق. ودفع هذا النقاش الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة "ترانسبارنسي المغرب"، لمراسلة لقجع بصفته الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، من أجل معرفة أوجه صرف هذه الأموال في السنوات الخمس الماضية، والمبالغ التي صُرِفَت فعليا، والقطاعات التي وُزِّعَت عليها.

عودة إسلاميي بنكيران

قبل 5 سنوات، قبيل انتخابات 2021 كان وضع العدالة والتنمية حرجا بعد أن أنهكته تجربة أخذت الكثير من شعبيته وسط الناخبين، وقادته إلى خضم اختلافات داخلية واضحة. تصدر حزب العدالة والتنمية انتخابات عام 2011 بحصوله على 107 مقاعد برلمانية، وبعد الولاية الأولى، تمكن الحزب، من الحصول على 125 مقعدا، قبل أن يُستبعَد بنكيران من رئاسة الحكومة بسبب خلافه مع الأحزاب حول تشكيلها، ويُستعان بسعد الدين العثماني، بوصفه "رجل التوافقات".

إعلان

مع نهاية ولاية سعد الدين العثماني، دخل الحزب الانتخابات مُتخما بكل شيء، وحلَّ في المركز الثامن بـ13 مقعدا فقط، وقد اختلفت قيادات الحزب نفسها حول أسباب هذه النتيجة، وإن كانت تصويتا عقابيا أم لا. ولكن على عكس المتوقع، لم تؤد الهزيمة في عام 2021 إلى تفكك التنظيم. فقد عاد بنكيران إلى الأمانة العامة، واستمر الحزب في عقد مؤسساته وإصدار مواقفه والحضور في البرلمان وطرح عدد من القضايا رغم محدودية عدد نوابه. كما استفاد الحزب من الانتقال للمعارضة، حيث تمكن من استعمال لغة نقدية حادة في أحيان كثيرة، وتخفف من الدفاع عن السياسات الحكومية.

"أظهر بنكيران قدرته على الحشد والاستقطاب وصناعة الحدث، وباتت خطاباته تتمتع بمتابعة كبيرة"

في نسخة كربونية لما قام به عام 2016 في انتصار حزبه الكبير، قاد بنكيران الحملة، ولم يترشح الأمين العام في دائرة سلا، ليتمكن عبر ذلك من الانتقال بين المدن ودعم المترشحين وتحويل منافسات محلية متفرقة إلى معركة وطنية حول الحكومة والأسعار والفساد والثقة في السياسة. وقد أظهر بنكيران قدرته على الحشد والاستقطاب وصناعة الحدث، وباتت خطاباته تتمتع بمتابعة كبيرة، لكنها تتحوَّل بالضرورة إلى أصوات في الصندوق إذا كان المرشح المحلي يفتقر إلى حضور محلي أو شعبية تتيح له التفوق على المرشحين الكبار للأحزاب الأخرى.

مصدر الصورة عبد الإله بنكيران (وسط) يقف على المنصة خلال تجمع بمناسبة إطلاق الحملة الانتخابية للحزب قبيل الانتخابات التشريعية في الرباط 2026 (الفرنسية)

تمكن الحزب صاحب التوجه الإسلامي من تغطية الدوائر المحلية الـ92، كما قدم لوائح جهوية في جهات المملكة الاثنتي عشرة، وتمثل هذه التغطية مؤشرا ملموسا على استعادة الإسلاميين بعض عافيتهم الانتخابية، ففي هذه المرة عاد الحزب ليدخل بهيكل مركزي موحد وبخطاب واضح ينطق به بنكيران نيابة عن إخوانه في كل مكان.

يدخل الإسلاميون هذا الاستحقاق الانتخابي بأهداف متعددة، أولها عودة قوية تسمح لهم بالحضور في الدوائر الكبرى وبناء فريق نيابي قادر على المشاركة في الحكومة أو في المعارضة. أما الهدف الثاني فهو محاولة استعادة العافية الانتخابية والاقتراب من المراكز المتقدمة، رغم فرق القوة مع الأحزاب الأقوى حاليا، وعلى رأسها حزب الأصالة والمعاصرة المرشح موضوعيا للفوز في الانتخابات وتشكيل حكومة المونديال.

تبدو الانتخابات المغربية المقبلة اختبارا يتجاوز مجرد إعادة توزيع المقاعد بين الأحزاب. فهي تأتي بينما تسعى الدولة إلى تحويل مشاريع البنية التحتية الكبرى واستحقاق استضافة كأس العالم 2030 إلى مكاسب ملموسة في حياة المواطنين، بينما يزداد التباعد بين خطاب الوعود الانتخابية وتجربة فئات واسعة من الشباب مع البطالة وغلاء المعيشة وضعف الثقة في المؤسسات.

وبينما تتنافس الأحزاب على الأعيان والدوائر والرموز القادرة على الحشد، يبقى الرهان الأعمق هو استعادة الناخب العادي، ولا سيما الشباب الذين يبدون أقل اقتناعا بأن الصندوق قادر على تغيير واقعه. لذلك لن يُقاس نجاح الاستحقاق المقبل فقط باسم الحزب الذي سيتصدر نتائجه أو يقود "حكومة المونديال"، بل بقدرته على إنتاج سياسة تعالج الفجوة بين مغرب المشاريع الكبرى ومغرب الحياة اليومية؛ بين صورة بلد يتجه إلى المستقبل، ومواطنين ينتظرون أن يصل هذا المستقبل إليهم.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا اسرائيل إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا