فاز الفيلم الوثائقي "نازا"، من إخراج يوفال أبراهام وراشيل زور وإنتاج صحيفة "الغارديان"، بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في الدورة الـ83 من مهرجان البندقية السينمائي.
ويتناول الفيلم شهادات لعناصر في الاستخبارات الإسرائيلية عن عملياتهم في قطاع غزة، في حين يتولى المخرج جوناثان غليزر مهمة المنتج التنفيذي للعمل.
وخلال كلمة تسلمه الجائزة، قال المخرج الإسرائيلي يوفال أبراهام إن إسرائيل قتلت ما لا يقل عن 6 أطفال فلسطينيين في غزة منذ انطلاق المهرجان قبل نحو 10 أيام، مضيفا أن ضباط الاستخبارات الذين تحدث إليهم صناع الفيلم وصفوا عمليات القتل الواسعة بأنها "منهجية وليست عرضية، بل تتم عن قصد".
وقال أبراهام إن "إنكار الجريمة هو ما يساعد على استمرارها"، مؤكدا أهمية أن يشاهد الإسرائيليون الفيلم، وأضاف "إنها دولتنا التي ترتكب هذه الجرائم".
وأشار إلى أن ما يحدث في غزة جرى توثيقه منذ اليوم الأول بفضل الصحفيين الفلسطينيين، لافتا إلى مقتل أكثر من 200 صحفي في القطاع، بحسب ما ذكر في كلمته.
كما دعا الجمهور في أوروبا والولايات المتحدة إلى مشاهدة الفيلم، واتهم حكومتي إيطاليا وألمانيا بعرقلة الضغوط على إسرائيل، في حين قال إن الولايات المتحدة تمول جزءا كبيرا من العمليات العسكرية الإسرائيلية. وحظيت كلمته بتصفيق حار من الحضور.
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حظيت كلمة أبراهام والفيلم بتفاعل واسع، وسط إشادة من مغردين ونشطاء بانتقاد المخرج للسياسات الإسرائيلية في غزة ودعوته الإسرائيليين إلى مواجهة ما يجري باسمهم.
ورأى متفاعلون أن خروج هذه الشهادات إلى العلن من داخل إسرائيل منح الفيلم وكلمة مخرجه أهمية إضافية، في حين ركز آخرون على الرسالة الأخلاقية التي حملتها كلمته من على منصة مهرجان البندقية.
وهنأ النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي أيمن عودة يوفال أبراهام وراشيل زور على الفوز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، معربا عن شكره لهما على تسليط الضوء أمام الملايين على ما وصفها بـ"الجرائم المروعة والواقع الوحشي في غزة"، في وقت يحاول فيه البعض، بحسب قوله، "إخفاء هذه الحقائق وطمسها وإنكارها".
واستشهد عودة بقول للكاتب الأمريكي جيمس بالدوين "ليس كل ما نواجهه قابلا للتغيير، ولكن لا شيء يمكن تغييره ما لم نواجهه"، معتبرا أن إتاحة الفرصة لعدد كبير من الناس لمشاهدة الفيلم قد تمنحهم فرصة ليس فقط لرؤية الواقع في غزة، بل أيضا للمساهمة في تغييره.
وعلق الإعلامي خورخي دانيال دياز على كلمة أبراهام، مشيدا بتصريحاته عقب فوزه بالجائزة، ومؤكدا أن "إنكار الجريمة هو ما يساعدها على الاستمرار"، وأن من المهم أن يشاهد الإسرائيليون الفيلم "فبلدنا هو الذي يرتكب هذه الجرائم".
وقال المحلل السياسي الأمريكي جيمس جوزيف زوغبي إن الذين ينكرون ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة، ويحاولون إسكات من يقولون ذلك عبر وصمهم بمعاداة السامية، يتحملون، بحسب رأيه، مسؤولية استمرارها، داعيا إلى مشاهدة الفيلم الذي أعده إسرائيليون وأجروا خلاله مقابلات مع إسرائيليين يتحدثون عن كيفية تنفيذ العمليات في غزة.
من جانبه، قال طبيب القلب الباكستاني الأمريكي كاشف شودري إنه يكن "احتراما هائلا" ليوفال أبراهام وراشيل زور، معتبرا أن أهمية عملهما لا تقتصر على كشف ما وصفه بآليات العنف الكامنة وراء "الصهيونية المتشددة"، بل تمتد إلى اختيارهما تجاوز الانتماءات والولاءات الموروثة والإنصات إلى "صوت الضمير".
وأضاف شودري أن القيمة الأخلاقية لموقفهما تكمن، في رأيه، في تحدي المظالم التي يرتكبها أبناء المجتمع نفسه، قائلا إن الاختبار الحقيقي للضمير يتمثل في القدرة على إدراك الظلم عندما يرتكب "باسمنا وعلى أيدي أبناء جلدتنا".
ورأى أن أبراهام وزور، رغم تمثيلهما أقلية صغيرة داخل إسرائيل، يجسدان ما وصفه بـ"أسمى القيم اليهودية"، ومنها العدالة والشجاعة الأخلاقية والتعاطف والاستعداد لمناهضة الخطأ حتى عندما يصدر عن المجتمع الذي ينتمي إليه المرء، معتبرا ذلك "عملا نبيلا للغاية".
وفي المقابل، واجه الفيلم وكلمة مخرجه انتقادات من نشطاء إسرائيليين، إذ قال الناشط جلعاد ليفي إنه، رغم معارضته الشديدة للحكومة الإسرائيلية وانتقاده لما وصفه بتشويه "نقاء السلاح الإسرائيلي"، يرى أن أبراهام يقدم الحرب بين إسرائيل والفلسطينيين بصورة "ثنائية" تفتقر إلى العمق والسياق.
واتهم ليفي المخرج بالتركيز على الجانب الفلسطيني بوصفه ضحية وإسرائيل بوصفها المعتدية، منتقدا حديثه عن "جرائم" ارتكبها الجيش الإسرائيلي من دون، بحسب رأيه، بحث كاف في ملابسات تلك الوقائع أو الإقرار بالسياق الذي تخوض فيه إسرائيل الحرب.
وقال إن انتقاد إسرائيل ممكن وضروري، لكن تجاهل وجهة النظر الإسرائيلية والسياق الأوسع لا يمثل، في رأيه، موقفا أخلاقيا بل "يروج للدعاية"، معربا عن أمله في أن يكون الفيلم أكثر عمقا من كلمة مخرجه.
بدوره، هاجم الناشط الإسرائيلي يوسف حداد الفيلم، معتبرا أن الشهادات الواردة فيه تفتقر، بحسب قوله، إلى أدلة وأسماء تتيح التحقق منها، كما رفض توصيف العمليات الإسرائيلية في غزة بأنها إبادة جماعية، مدعيا أن الجيش الإسرائيلي بذل كل ما في وسعه لتجنب إصابة المدنيين.
واتهم حداد صناع الفيلم بتقديم صورة "تشوه" الجيش الإسرائيلي بهدف الحصول على جائزة دولية، معتبرا أن الضرر الذي يلحق بصورة إسرائيل عالميا يمثل بالنسبة إليهما "أضرارا جانبية".
في المقابل، كتب الناشط الإسرائيلي رون كيسلر "ما يساعد الجريمة على الاستمرار هو إنكارها"، في إشارة إلى الرسالة التي طرحها أبراهام خلال كلمته.
وصُوّر الفيلم ليلا على أسطح مبان في تل أبيب، ويستعرض، بحسب "الغارديان"، الآليات التي تقف خلف عمليات استهداف المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة.
المصدر:
الجزيرة