آخر الأخبار

قطع أشجار وسرقة أغنام ومنع صلاة.. “إرهاب المستوطنين” يعيث فسادا بالضفة الغربية

شارك

لم تكن اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي خبرا جديدا يوما ما منذ أن وطئت أقدامه الثقيلة أرض فلسطين بمساعدة من دول الغرب وفي مقدمتها بريطانيا عام 1948.

وفي ذلك العام، أُقيمت إسرائيل على أراضٍ فلسطينية احتلتها عصابات صهيونية مسلحة ارتكبت مجازر وتسببت في تهجير ما لا يقل عن 750 ألف فلسطيني، قبل أن تحتل إسرائيل بقية الأراضي وترفض الانسحاب منها.

وحتى مع حرب الإبادة على قطاع غزة التي بدأت منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 واستمرت أكثر من عامين، لم تكن الضفة الغربية بمنأى عن اعتداءات الاحتلال رغم إصرار السلطة الفلسطينية على ما تقول إنه خيار السلام والدبلوماسية.

ولذلك فالتصعيد الذي تشهده الضفة المحتلة منذ أسابيع لا يعد جديدا، لكن الجديد فيه أن هذا الاحتلال بجيشه ومستوطنيه اليهود، فاق كل الحدود في محاولات التنكيل بأصحاب الأرض، بل وطال حتى الحيوانات والنباتات.

وعلى مدى سنوات طوال، كانت أخبار الاقتحامات لمخيمات ومدن الضفة قاسما مشتركا لا يكاد يغيب، وكثيرا مع ترافقت معها عمليات اعتقال يستهدف بها الاحتلال من يعمدون للمقاومة أو يفكرون فيها، ناهيك عن عمليات هدم تطال منازل من يقدمون على فعل مقاوم للمحتل حتى وإن كان ردا للفعل.

ولكن الأسابيع الماضية أظهرت أن جعبة الاحتلال من العدوان لا تنفد بل وكأنه لم يعد يجد رادعا من قانون أو أعراف دولية، في ظل حالة من الصمت باتت تلف العالم وساكنيه إلا قليلا.

وخذ عندك حصيلة يوليو/تموز الماضي وفقا لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية (حكومية) التي تؤكد أن جيش الاحتلال والمستوطنين نفذوا خلال هذا الشهر 2256 اعتداء ضد الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم، كان نصيب قوات الجيش منها 1458 بينما تكفل المستوطنون بـ798 اعتداء.

وتقول الهيئة إن اعتداءات المستوطنين بالضفة ارتفعت بنسبة 63%، خلال الشهور الـ7 الأولى من العام الجاري، مقارنة مع الفترة ذاتها من العام الماضي، حيث ارتفع العدد من 2524 خلال الأشهر الـ7 الأولى من عام 2025، إلى 4113 اعتداءً خلال الفترة نفسها من هذا العام.

مصدر الصورة مركبات جيش الاحتلال في جنين عقب غارة جوية أول أمس (الأوروبية)

ماذا جرى؟

محافظة نابلس وبالتحديد قريتي قصرة وجالود كانتا مسرحا لنمط متجدد من اعتداءات المستوطنين الذين أصبحوا يتصرفون دون رادع، وفي ظل حماية من الجيش الذي أعلن المنطقة "عسكرية مغلقة".

حصار

لم يعد المستوطنون يكتفون بهجمات بين الحين والآخر، فهذه المرة يحاصر العشرات منهم 3 منازل في منطقة رأس العين بقرية قصرة منذ 3 أسابيع، ويقومون بما وصفته صحيفة "يسرائيل هيوم" بأنها أعمال شغب تنذر بإشعال فتيل التوتر.

إعلان

ويقوم المستوطنون بمنع أهالي القرية من الوصول إلى المنازل، فيما يتمسك أصحابها بالبقاء فيها خشية سيطرة المستوطنين عليها، خصوصا مع تواطؤ جيش الاحتلال.

غاز وحجارة

أمس السبت، هاجم عشرات المستوطنين منزلا فلسطينيا في منطقة رأس العين بقرية قصرة، وأطلقوا قنابل الغاز المسيل للدموع تجاهه ورشقوه بالحجارة، ما أدى إلى إصابة 7 فلسطينيين بحالات اختناق ورضوض.

كما انتقل عدد من المستوطنين الملثمين من قصرة إلى قرية جالود المجاورة وهاجموا سكانها، ليرتفع عدد المصابين في القريتين إلى 9 فلسطينيين فضلا عن اثنين من الصحفيين الأجانب.

والمثير أن جيش الاحتلال قام فور وصوله إلى المنطقة بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع تجاه الفلسطينيين، ثم اعتقل وقيد عددا منهم، دون أن يعتقل أيا من المستوطنين.

إحراق وتهجير

الإحراق المتعمد للممتلكات الفلسطينية بات من الصور المنهجة لاعتداءات الاحتلال، حيث تؤكد هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، أول أمس، أنها وثقت 900 حريق استهدفت منازل ومنشآت ومركبات فلسطينية منذ مطلع 2023، وأن المستوطنين مسؤولون عن 89% من هذه الحرائق.

وحسب الهيئة ذاتها، فقد شهدت نفس الفترة تهجير 121 تجمعا فلسطينيا كليا أو جزئيا، بينها 46 تجمعا أُفرغت بالكامل، ما أدى إلى تهجير أكثر من 6200 فلسطيني، بينهم أكثر من 3 آلاف طفل، في ظل "بيئة تمكين حكومية" توفر الحماية للمستوطنين وتسهم في إفلاتهم من العقاب.

ووصف تقرير هيئة مقاومة الجدار تصاعد عمليات الحرق والتخريب بأنه جزء من سياسة "البيئة القهرية الطاردة" التي تهدف إلى اختلاق ظروف معيشية قاسية تدفع الفلسطينيين إلى مغادرة مناطقهم، عبر تقييد وصولهم إلى أراضيهم ومصادر المياه.

احتجاز سيارة إسعاف

حتى المنشآت الطبية لا تسلم من اعتداءات المستوطنين، وكذلك سيارات الإسعاف التي استوقف مستوطنون إحداها يوم الجمعة بينما كانت متجهة إلى قرية المغير شمال شرقي رام الله وسط الضفة، لنقل المصابين جراء الهجوم الذي شنه المستوطنون.

وكان مستوطنون منعوا فلسطينيين من المغير وقرية أبو فلاح المجاورة من العودة إلى منازلهم، بينما انتشر جيش الاحتلال في المنطقة واشتبك مع شبان فلسطينيين حاولوا التصدي للمواطنين.

ولم يكن جيش الاحتلال أفضل من المستوطنين فيما يخص استهداف الإسعاف، حيث قام الجمعة باحتجاز مسعفين تابعين لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني كانوا في طريقهم لنقل جثامين شهداء استهدفتهم غارة للاحتلال على منزل بمدينة جنين.

مصدر الصورة جيش الاحتلال احتجز جثامين 3 فلسطينيين قتلهم بقصف جوي في جنين ومنع طواقم الإسعاف من نقلهم (الأناضول)

سرقة أغنام وقطع أشجار

وكأن اعتداءات المستوطنين أصبحت بلا حدود من قوانين أو أعراف، فالبشر ليسوا وحدهم الهدف، وإنما ممتلكاتهم من الماشية أيضا وهو ما حدث في قرية المغير عندما اقتحم المستوطنون منزلا وسرقوا أغناما من داخله.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى، حيث فعلها المستوطنون من قبل في القرية نفسها عندما سرقوا نحو 150 رأسا من الأغنام في أبريل/نيسان الماضي، وفقا لشبكة قدس برس.

وليست الحيوانات فقط، فالنبات أيضا لا يسلم من اليهود، كما حدث يوم الجمعة في خربة فراسين جنوب غربي جنين عندما قطعوا نحو 450 شجرة جوافة، كما دمروا أجزاء من شبكة الري والسياج المحيط بالأرض الزراعية.

إعلان

وتنقل وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا) عن صاحب الأرض علي عمارنة، أن نفس الأرض كانت مزروعة من قبل بأشجار الزيتون قبل أن يعتدي عليها المستوطنون ويقوموا باقتلاعها.

كما أقدم مستوطنون على تخريب مزرعة فلسطينية بمحافظة جنين وحاولوا تدمير السياج المحيط بالأرض، وقاموا كذلك بقطع أشجار تين في سهل عرابة جنوبي المحافظة.

منع الصلاة

هل بقي شيء آخر لم يقدم عليه المستوطنون مما يستنكره البشر وترفضه سائر الأعراف؟
نعم، فقد منعوا فلسطينيين في خربة طانا التابعة لبلدة بيت فوريك في محافظة نابلس من التوجه إلى مسجدي الولي والحاج حسين لأداء صلاة الجمعة قبل يومين

وأوضح المجلس البلدي لبيت فوريك أن مجموعة من المستوطنين يرتدون لباس جيش الاحتلال اقتحموا المنطقة الشرقية من البلدة ومنعوا المواطنين الفلسطينيين من التوجه لأداء الصلاة.

مصدر الصورة حتى الأغنام والنباتات باتت هدفا لاعتداءات المستوطنين (رويترز)

أوصاف إسرائيلية

المثير أن التصعيد الإسرائيلي في الضفة، والذي يأتي في خضم صراع داخلي مع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، نال انتقادا كبيرا من جانب معارضي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي اعتبروا أنه يطلق يد المستوطنين في الضفة من أجل كسب مزيد من أصوات اليمين المتطرف.

وتقدر أعداد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة بأكثر من 750 ألفا .

وخرجت على لسان بعض الساسة الإسرائيليين أوصاف ربما لم تصدر عن ألسنة فلسطينية وعربية، وفيما يلي أبرز نماذجها الأيام الماضية:


* الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، انتقد أمس هجوم المستوطنين على قرية قصرة شمال الضفة، ووصفه بأنه "تجاوز للخط الأحمر، ووصمة على وجه إسرائيل".
* وصف زعيم المعارضة يائير لبيد منفذي الهجمات بأنهم "وصمة أخلاقية على دولة إسرائيل" كما قال في بيان إن فشل الحكومة في التعامل معهم يمثل "عارا وطنيا يلحق ضررا هائلا بمكانة إسرائيل في العالم".
* بل إن لبيد استخدم وصف الإرهاب تجاه ما جرى عندما قال في بيانه إنه "حان الوقت لوضع حد للإرهاب اليهودي في الضفة الغربية".
* رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير حذر نتنياهو من احتمال خروج الأوضاع في الضفة الغربية المحتلة عن السيطرة بسبب عنف المستوطنين، وفق إعلام إسرائيلي.
* القناة 15 نقلت اليوم عن مسؤول كبير في الجيش الإسرائيلي، لم تسمه، قوله "نحن على وشك فقدان السيطرة، فالجميع يفعلون ما يحلو لهم" في إشارة إلى المستوطنين.
* أما نتنياهو فبدا أنه يحاول احتواء الموقف عندما تحدث في بيان أصدره أمس وتحدث فيه عما وصفه بـ"أعمال العنف الإجرامية التي نفذتها حفنة من المشاغبين".

وتقول وكالة الأناضول للأنباء إن نتنياهو لم يتطرق إلى إصابة الفلسطينيين أو دور الجيش في حماية المستوطنين، بل ركز على أن الاعتداءات "تعرقل عمل الجيش، وتضر بمكانة إسرائيل في العالم".

وتضيف الوكالة أن إدانة نتنياهو للاعتداءات تأتي رغم ما كشفته "يديعوت أحرونوت"، الجمعة، عن أنه، خلال اجتماع أمني عقد الاثنين الماضي، لم يرغب في سماع تفاصيل متعلقة بهجمات المستوطنين.

مصدر الصورة مستوطنون يشعلون النار في أراض زراعية ببلدة بيت فوريك الفلسطينية الشهر الماضي (أسوشيتد برس)

سياسة ممنهجة

لكن بعيدا عن التصريحات تبقى إسرائيل ماضية في سياساتها القمعية تجاه الضفة الغربية.

ويواصل الاحتلال الإسرائيلي إصراره على رفض عودة 33 ألف فلسطيني إلى منازلهم في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس للاجئين شمالي الضفة الغربية المحتلة.

فقبل أيام، أبلغت الحكومة الإسرائيلية المحكمة العليا أن الجيش يرفض عودة المواطنين الفلسطينيين إلى منازلهم في هذه المخيمات، وذلك ردا على التماس قدمته جمعية إسرائيلية قالت إن الفلسطينيين تم إجلاؤهم من منازلهم بشكل مفاجئ وعنيف ومهين.

إعلان

وقال جيش الاحتلال في رده على ذلك إنه يستعد أيضًا للحفاظ على ما وصفها بـ"سيطرة عملياتية طويلة الأمد" في المنطقة، بعد مرور عام ونصف العام على بدء العملية العسكرية في يناير/كانون الثاني 2025.

وحسب صحيفة هآرتس الإسرائيلية، فإن الجيش يخطط للسيطرة على الطرق التي تربط مخيمات اللاجئين، كما أنه بدأ العمل في يونيو/حزيران الماضي على إنشاء موقع عسكري جديد قرب جنين، في منطقة يفترض أنها تخضع للسيطرة المدنية والأمنية الكاملة للسلطة الفلسطينية منذ اتفاقية أوسلو".

وبموجب اتفاقية أوسلو-2 لعام 1995، التي كان يُفترض أن تكون ترتيبًا مؤقتًا، قُسمت الضفة الغربية إلى 3 مناطق: "أ" و"ب" و"ج" حيث تخضع "أ" لسيطرة فلسطينية كاملة، وتخضع "ب" لسيطرة مدنية فلسطينية وأمنية إسرائيلية، أما "ج" فتقع تحت السيطرة الكاملة للاحتلال الإسرائيلي، وتشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية.

وبحسب بيانات الأمم المتحدة المقدمة ضمن الالتماس، لا يزال أكثر من 33 ألف فلسطيني نازحين من ديارهم.

وتحتل إسرائيل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، منذ عام 1967، ويقيم نحو 750 ألف مستوطن داخل 156 مستوطنة و360 بؤرة استيطانية، ويرتكبون اعتداءات بهدف تهجير الفلسطينيين قسرًا.

ومنذ سنوات، تشهد الضفة الغربية المحتلة اعتداءات مكثفة للجيش الإسرائيلي والمستوطنين ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم، وتصاعد الأمر منذ أسابيع مع اقتراب الانتخابات العامة الإسرائيلية في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا