آخر الأخبار

الإمبراطور الأخير: "أطلب منك شيئا واحدا - اقتلني"!

شارك

في منتصف أغسطس من عام 1521 وبعد حصار استمر 93 يوما، تمكن المغامر الإسباني هيرنان كورتيس من اقتحام تينوتشتيتلان عاصمة إمبراطورية الأزتك الباذخة ليعلن بذلك سقوطها للأبد.

دمرت المعارك المدينة بالكامل تقريبا، وعلى أنقاضها شرع الغزاة في تشييد مدينة مكسيكو سيتي الاستعمارية، التي أصبحت نواة للحكم الإسباني الذي امتد لثلاثمائة عام، ومثل هذا التحول المعماري والجغرافي بداية النهاية لحضارة الأزتك، وإيذانا بفصل جديد من الهيمنة الأوروبية في العالم الجديد.

من بين المشاهد الأكثر مأساوية وإثارة في سياق هذا السقوط المدوي، ذلك الموقف الذي أبداه آخر حكام الأزتك، الإمبراطور كواوتيموك، حين جسّد في كلماته الأخيرة صمودا أسطوريا وإرادة فولاذية رغم هزيمة بلاده. حين وقع في أسر القوات الإسبانية، وهو على رأس الدولة المنهارة، خاطب قائد الغزاة كورتيس بكلمات حملت في طياتها مزيجا من الكبرياء واليأس، قائلا: "لقد أديت واجبي، ودافعت عن المدينة حتى النهاية. والآن أنا أسيرك. أطلب منك شيئا واحدا: اقتلني. ستكون تلك نهاية كل شيء، بما في ذلك مملكة المكسيك العظيمة". بعد أن نطق بهذه الجملة الأخيرة، أعرب عبر مترجميه عن استعداده التام لتقبل الموت، باعتبار أن انتهاء حياته سيمثل انتهاء المسيرة التاريخية لدولته.

غير أن القصة لم تطو صفحاتها عند هذا الحد، فالإسبان لم يكتفوا بالأسر، بل عمدوا إلى تعذيب الإمبراطور بطريقة وحشية، سعيا وراء معرفة مكان خزانة مونتيزوما المخفية، التي ظلت حلما عصيا بالنسبة للغزاة. رغم بشاعة التعذيب، ظل كواوتيموك صامدا، رافضا الكشف عن أي سر، فظل أسيرا لأربع سنوات أخرى، قبل أن يلقى حتفه في عام 1525 رميا بالرصاص أو شنقا بتهمة الخيانة، في حادثة يعتبرها المؤرخون تصفية سياسية متعمدة من كورتيس، الذي أدرك أن وجود هذا الرمز الحي يمثل تهديدا للحكم الإسباني، حتى لو كان مكبلا بالأغلال.

مصدر الصورة

هذه الواقعة بأكملها تعكس تناقضا صارخا بين مأساة نهاية حضارة عريقة وقسوة الغزاة المنتصرين، وتبرز في الوقت ذاته قوة الإرادة الاستثنائية التي تحلى بها القائد الأزتيكي الأخير وهو يواجه حتفه المحتوم.

من المفارقات التاريخية العجيبة أن تينوتشتيتلان لم تسقط بقوة الغزاة الإسبان وحدهم، بل إن نسبة الجنود الإسبان المباشرين لم تتجاوز واحدا في المئة من مجموع القوات المهاجمة، بينما كانت النسبة الباقية، أي تسعة وتسعون في المئة، من المحاربين المحليين الذين استمالهم كورتيس بمهارة فائقة، مستغلا التناقضات العرقية والتاريخية المتراكمة بين هذه القبائل وإمبراطورية الأزتك التي كانت تفرض الجزية والهيمنة. كان تحالف التلاكسكالا والشعوب المجاورة الأخرى، ممن عانوا طويلا من سياسات الأزتك التوسعية، هو الورقة الرابحة في استراتيجية كورتيس، إذ كانت مشاركتهم حاسمة في المعارك ونشاطات الاستطلاع، بل وشكلوا العمود الفقري لجيش الغزو، ما يحول هذه المعركة من مجرد غزو خارجي إلى حرب أهلية معقدة.

بعد القبض على كواوتيموك واستسلام العاصمة، شرع الإسبان وحلفاؤهم بشكل ممنهج في توطيد سيطرتهم على كامل المنطقة، حيث لم يقتصر الأمر على تدمير المباني والمعابد التاريخية في العاصمة، بل امتد إلى شن حملات عقابية ضد المدن المتمردة التي استمرت في مقاومتها حتى بعد سقوط المركز.

واجه الإسبان جيوبا من المقاومة العنيدة، فاضطروا إلى شن حملات قمع متتالية، لإجبار النخب المحلية على مبايعة التاج الإسباني، وفي الوقت نفسه، أسسوا نظاما إداريا جديدا لضمان تحويل النصر العسكري الآني إلى هيمنة دائمة، فعُين كورتيس حاكما وقائدا عاما لإسبانيا الجديدة، ليدير المنطقة بمفرده خلال السنوات الأولى وسط حالة من الفوضى المنظمة.

سعيا لضبط هذه السلطة المطلقة، أنشأ التاج الإسباني المحكمة الملكية العليا، كهيئة قضائية وإدارية تهدف إلى الحد من استقلالية الحكام المحليين وإخضاعهم مباشرة للتاج. في عام 1535 تأسست رسميا نيابة الملك على إسبانيا الجديدة، ليكون أنطونيو دي ميندوزا أول نائب ملك يمارس السلطة باسم الملك. كما منح التاج الإسباني المغامرين والمستوطنين الموالين امتيازات إقطاعية تمثلت في نظام "الإينكوميندا"، الذي منحهم الحق في الحصول على العمل والجزية من السكان الأصليين في مناطق محددة، وآلية لم تكن مجرد مكافأة على الخدمة، بل وسيلة فعالة للسيطرة الاقتصادية على الأرض والبشر.

لم تتوقف مآسي الأزتك عند خسارة دولتهم أو تدمير معابدهم أو إخضاعهم للعمل القسري، بل جاءت أمراض العالم القديم، وعلى رأسها الجدري، لتكمل ما بدأته السيوف والنيران. هذه الأمراض التي لم يكن للسكان المحليين أي مناعة طبيعية ضدها، تسببت في انهيار ديموغرافي كارثي، عجّل بإضعاف أي قدرة على تنظيم مقاومة جماعية، كما أسهمت هذه الكوارث البيولوجية في تعزيز الهيمنة الإسبانية التي فرضت بجانب الإقطاع أنظمة ضريبية وقسرية جديدة، ربطت المجتمعات المحلية بالإدارة الاستعمارية وشلت حركتها بالكامل.

هكذا، لم يحقق الإسبان نصرهم بقوتهم العسكرية وحدها، بل بفضل استراتيجية متعددة الأوجه، اعتمدت على حلفاء السكان الأصليين، ودمروا البنية السياسية القديمة، وأسسوا مؤسسات حكم جديدة، وأدخلوا الدين والاقتصاد في خدمة المشروع الاستعماري، مستغلين الكوارث الديموغرافية والفجوة التكنولوجية بأكثر الطرق تدميرا.

المفارقة الأكثر إيلاما في هذا المشهد، أن حلفاء الأزتك التقليديين مثل التلاكسكالا، الذين قاتلوا بحماسة ظنا منهم أنهم سيحررون أنفسهم من نير الإمبراطورية التي كانت تستنزفهم بالجزية والضحايا البشرية، تفاجؤوا بعد النصر بأنهم قد استبدلوا سيدا قديما بآخر جديد أكثر شمولية وقسوة. وقعوا هم أنفسهم في براثن نظام الامتياز الإقطاعي، وتحولوا من حلفاء أعزاء إلى أقنان مرتبطين بالأرض، ما جعل مشاركتهم في تدمير النظام المحلي بمثابة مساهمة غير مقصودة في إرساء دعائم استعمار أجنبي قضى على استقلالهم، وطمس هويتهم، وأخضعهم لقوانين كانت أكثر وحشية مما عانوه من قبل. تلك كانت اللحظة التي تجسدت فيها دروس التاريخ التي لا ترحم، إلا أنها "ويا للعجب"، تتكرر أحيانا.

المصدر: RT

شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا