في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في أقل من أسبوع، حققت إسرائيل اختراقين لافتين في أمريكا اللاتينية، وتحديدا في كولومبيا وفنزويلا. فقد اعترفت بوغوتا بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، لتصبح ثاني دولة بعد الولايات المتحدة تتخذ هذا الموقف.
أما كاراكاس، التي قطعت علاقاتها مع إسرائيل احتجاجا على حربها على غزة، ففتحت معها قناة قنصلية.
فهل نحن أمام تحول حقيقي في قارة طالما عُدت من قلاع التعاطف مع الفلسطينيين، أم أمام موجة حكومات جديدة تعيد تموضعها قرب تل أبيب وواشنطن؟
تتزامن هذه التحولات مع اهتمام إسرائيلي متزايد بأمريكا اللاتينية، في ظل صعود حكومات أكثر تقاربا مع تل أبيب، فقد أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر عام 2026 "عام أمريكا اللاتينية" في وزارته، في إطار مساع لتوسيع العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول القارة.
وقال ساعر مطلع أغسطس/آب الجاري إنه "من خلال العمل الدبلوماسي الدؤوب والمنهجي، نجحنا في تعزيز وتجديد العلاقات مع العديد من دول أمريكا اللاتينية. ونحن نواصل عملية تقريب أمريكا اللاتينية من إسرائيل".
وضمن هذا التوجه، أطلقت إسرائيل والأرجنتين في القدس المحتلة يوم 19 أبريل/نيسان 2026 " اتفاقيات إسحاق"، بمبادرة من الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي على غرار اتفاقيات أبراهام، بهدف توسيع التعاون الدبلوماسي والاقتصادي والأمني، وتعزيز التنسيق بين الدول المشاركة في المحافل الدولية.
أوضح تجليات هذا التحول جاءت من بوغوتا، ففي مايو/أيار 2024، قطع الرئيس غوستافو بيترو العلاقات مع إسرائيل بسبب الحرب على غزة، وأمر بفتح سفارة في رام الله، وأوقف صادرات الفحم، وانضم إلى دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية.
ثم تغيّرت الحكومة هذا العام، فتغير المسار على نحو شبه كامل، فوفق بيان للخارجية الإسرائيلية، اتفق ساعر في واشنطن، قبل أسبوعين من تنصيب الرئيس الكولومبي الجديد، مع وزير الخارجية المعيّن حينها عمر بولا إسكوبار على استعادة العلاقات الدبلوماسية، وتعيين السفراء فورا، وإلغاء التأشيرات، واستئناف صادرات الفحم، ونقل السفارة الكولومبية إلى القدس المحتلة، وانسحاب بوغوتا من دعوى جنوب أفريقيا ومن " مجموعة لاهاي".
وجاء الاعتراف بالجولان تتويجا لذلك. فقد قالت الخارجية الكولومبية إن حكومتها "تعترف بالسيادة الإسرائيلية على هذه الأراضي وبحقها في حماية نفسها من التهديدات الخارجية"، عازية القرار إلى "الأهمية الإستراتيجية للهضبة بالنسبة لأمن إسرائيل".
هذا القرار يصطدم بالإجماع الدولي، إذ تحتل إسرائيل معظم الجولان منذ 1967 وأعلنت ضمه عام 1981، في خطوة عدّها مجلس الأمن في قراره 497 "باطلة ولاغية".
وإذا كانت بوغوتا تمثل التحول الأكثر اكتمالا، فإن كاراكاس تمثل المفاجأة الكبرى، وإن كانت الخطوة أصغر مما قد توحي به عناوينها.
فبيان الخارجية الإسرائيلية تحدث عن اتفاق على "إنشاء آلية تنسيق تتيح تقديم الخدمات القنصلية لمواطني الجانبين"، لا عن استعادة العلاقات الدبلوماسية المقطوعة منذ 2009.
وقد فتحت بعثة إغاثة إسرائيلية أُرسلت بعد زلزال يونيو/حزيران الباب العملي أمام هذا التواصل.
وتكتسب الخطوة أهميتها من كون فنزويلا كانت من أقرب حلفاء إيران وأبرز خصوم إسرائيل في القارة، مما يجعل فتح قناة رسمية مع تل أبيب مؤشرا لافتا على تغير تموضعها، بالتزامن مع تقارب حكومتها مع واشنطن.
ولا تقف الموجة عند العاصمتين، فبوليفيا استعادت علاقاتها في ديسمبر/كانون الأول 2025 بعد وصول رودريغو باز، وفي تشيلي بدأت حكومة خوسيه أنطونيو كاست إعادة ضبط العلاقة عقب سنوات توتر.
أما الإكوادور فاستقبلت في الخامس من أغسطس/آب الجاري أول وزير خارجية إسرائيلي منذ 44 عاما، ووقّعت مذكرتي تفاهم في ما تسميه إسرائيل "مكافحة الإرهاب" وفي الاقتصاد، مع اتفاق على بدء مفاوضات تجارة حرة.
ولا تبدأ إسرائيل من الصفر في القارة البعيدة؛ فباراغواي، التي تتخذ من القدس المحتلة مقرا لسفارتها منذ 2024، تمثل حليفا تقليديا يستند إليه التوسع الجديد.
ما تبحث عنه إسرائيل هنا ليس علاقات دبلوماسية عادية فحسب، فهي تسعى أولا إلى تخفيف عزلتها التي تعمقت مع الحرب على غزة، ثم إلى كسب مواقف أكثر دعما لها في الملفات السياسية والقانونية الحساسة، سواء في القدس والجولان أو في المحافل الدولية والقضايا المرفوعة ضدها.
ويرى المحلل شيس هاريسون من "مؤسسة الأمريكتين ومجلس الأمريكتين" أن أبرز أهداف التحرك الإسرائيلي دفع مزيد من الدول لنقل سفاراتها إلى القدس، بعد غواتيمالا وهندوراس وباراغواي.
وتريد ثالثا توسيع حضورها الاقتصادي، فحجم التبادل التجاري مع المنطقة بلغ نحو 6 مليارات دولار عام 2022، ومبيعات السلاح 381 مليون دولار في العام نفسه، مقابل 342 مليونا في العام السابق.
في المقابل، تسوّق إسرائيل نفسها لهذه الحكومات بوصفها شريكا في الأمن والتكنولوجيا والزراعة والمياه.
لكنّ هذه المصالح لا تفسر المشهد كله، إذ تظهر واشنطن باستمرار في خلفية التحول الجديد.
ويقول الباحث في العلاقات الدولية بالجامعة العبرية دانيال فاغنر إن حكومات القارة عادة ما تضبط مواقفها من إسرائيل تبعا لعلاقتها بواشنطن، فالعنصر الإسرائيلي في حساباتها "مهم لكنه دائما ثانوي بالنسبة إلى الموقف من الولايات المتحدة".
ويربط فاغنر ما يجري بدورة أيديولوجية طويلة في سياسات القارة أكثر من ربطه بتحول دائم، محذرا من أن هذه المكاسب الدبلوماسية قابلة للانعكاس سريعا إذا تبدلت الحكومات مجددا.
بعبارة أخرى، قد يمر الطريق إلى تل أبيب في عدد من هذه العواصم عبر واشنطن. فالرئيس الكولومبي الجديد أبيلاردو دي لاسبيريا نفسه حليف لترمب، فيما جاء التحول الفنزويلي بالتوازي مع تقارب كاراكاس وواشنطن.
لكنّ للاختراق حدودا، فما زالت 19 دولة في أمريكا اللاتينية تعترف بدولة فلسطين، ولا يخرج عن ذلك سوى المكسيك وبنما. كما تعيش في القارة جاليات فلسطينية كبيرة تُقدّر بنحو 800 ألف شخص، وتضم تشيلي أكبر تجمع فلسطيني خارج الشرق الأوسط.
وفي تشيلي نفسها، رفضت الجالية الفلسطينية خطة تعيين سفير جديد لدى إسرائيل، واعتبرتها "قرارا مستفزا سياسيا، وغير منسجم قانونيا، ومرفوضا أخلاقيا". أما البرازيل، أكبر ثقل في القارة، فما زالت في الضفة المقابلة، وقد انضمت رسميا إلى دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.
لذلك حتى الآن، يبدو "الربيع" الإسرائيلي أوضح في قصور الحكم منه في الشوارع، فقد ربحت تل أبيب حكومات واتفاقات ومواقف دبلوماسية كانت بعيدة المنال، لكنها لم تربح شعوب القارة بعد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة