لم تعد الأزمة الديمغرافية في روسيا مجرد تحدٍّ اجتماعي أو اقتصادي، بل باتت تصنف رسميا ضمن القضايا المرتبطة بالأمن القومي، في ظل استمرار انخفاض معدلات المواليد وتراجع عدد السكان، رغم برامج الدعم الحكومية الواسعة الرامية إلى تشجيع الإنجاب.
وحذّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صراحة من تداعيات انخفاض معدل المواليد، معتبرا أن الحفاظ على عدد السكان وزيادته يمثلان هدفا إستراتيجيا للدولة، وأن التركيبة السكانية يجب أن تظل في صلب السياسات الروسية، سواء خلال فترات الاستقرار أو في مواجهة الأزمات.
ويرى موقع "نيوز رو" أن التحدي الذي يواجه روسيا لا يكمن فقط في العقوبات الغربية أو الضغوط الاقتصادية، وإنما في أزمة أكثر عمقا وأبعد أثرا تتمثل في التراجع الديمغرافي الذي بات يهدد قدرة البلاد على تحقيق نمو اقتصادي مستدام والحفاظ على قوتها البشرية والإقليمية.
ودعا الموقع إلى التخلي عن المصطلحات المخففة، مثل "التحديات الديمغرافية" و"الركود السكاني"، والتعامل مع الوضع باعتباره أزمة ذات أبعاد إستراتيجية، لأن استمرار الانكماش السكاني لا ينعكس على الاقتصاد وسوق العمل فحسب، بل يشمل مستقبل الدولة وقدرتها على إدارة أراضيها والحفاظ على مواردها البشرية.
ويستند هذا الطرح إلى رؤية مفادها أن أي قوة اقتصادية أو جيوسياسية تحتاج إلى قاعدة سكانية قادرة على دعم التنمية والإنتاج والدفاع عن البلاد، ومن ثم فإن استمرار انخفاض عدد السكان يفرض تحديات متزايدة على المدى الطويل.
وبحسب تحليل نشرته مجلة "فوربس"، فإن جذور الأزمة الروسية تعود إلى عوامل تاريخية وديمغرافية متراكمة.
أولى هذه العوامل ترتبط بتداعيات الحرب العالمية الثانية، التي خلّفت خسائر بشرية هائلة وانخفاضا في معدلات المواليد خلال أربعينيات القرن الماضي، مما انعكس مع مرور الزمن على الهرم السكاني، إذ أصبحت الأجيال الأصغر عددا أقل من أن تعوض النقص السكاني عندما وصلت إلى سن الزواج والإنجاب.
وتتكرر هذه التأثيرات -وفق التحليل- على شكل موجات كل 25 إلى 30 عاما، عندما يصل جيل صغير العدد إلى مرحلة تكوين الأسر وإنجاب الأطفال.
أدت الأزمة الاقتصادية في التسعينيات، وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، وتراجع مستويات المعيشة إلى انخفاض حاد في معدلات الإنجاب في روسيا
أما العامل الثاني، فيرتبط بالتسعينيات، حين أدت الأزمة الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي وتراجع مستويات المعيشة إلى انخفاض حاد في معدلات الإنجاب، مما أفرز بدوره جيلا أصغر عددا ينعكس أثره على التركيبة السكانية الحالية.
وتعكس توقعات هيئة الإحصاء الروسية حجم التحدي، فقد طرحت 3 سيناريوهات للتطور الديمغرافي حتى عام 2045، استنادا إلى نتائج التعداد السكاني وفرضيات تتعلق بالخصوبة والوفيات والهجرة.
ووفق السيناريو الأساسي، يتراجع عدد سكان روسيا إلى نحو 138.8 مليون نسمة بحلول الأول من يناير/كانون الثاني 2046، أما السيناريو المتشائم، فيتوقع انخفاض العدد إلى نحو 130.6 مليون نسمة، في حين يذهب السيناريو المتفائل إلى إمكانية ارتفاع عدد السكان إلى 150.9 مليون نسمة خلال الفترة نفسها.
وتشير هذه السيناريوهات إلى أن الهجرة ستظل عنصرا أساسيا في محاولة تعويض النقص الطبيعي في السكان، ولا سيما من خلال استقطاب العمالة من الدول النامية.
ولا تقتصر أسباب الأزمة على العوامل التاريخية، فبحسب موقع "إكسبرت"، أسهمت الوفيات المرتفعة خلال جائحة كورونا، إلى جانب الحرب في أوكرانيا، في تعميق الضغوط الديمغرافية.
وتضاف إلى ذلك مؤشرات أخرى، بينها ارتفاع معدلات الطلاق، وتزايد العزلة الاجتماعية بين الشباب، وتراجع الرغبة في تكوين أسر وإنجاب الأطفال.
ولا يظهر أثر الانكماش السكاني في أرقام المواليد وحدها، إذ بدأ ينعكس بصورة مباشرة على سوق العمل الروسي، فالنقص المتزايد في أعداد العمالة بات يمثل مشكلة للمصانع والشركات، في وقت تتقلص فيه الفئات العمرية القادرة على دخول سوق العمل، ويتوقع أن يصبح هذا النقص أكثر حدة خلال السنوات المقبلة.
ويرتبط قرار الإنجاب، بحسب التحليلات الروسية، بعوامل اقتصادية مباشرة، من بينها ارتفاع أسعار العقارات والفوائد المصرفية وعبء الديون، إلى جانب المخاوف من تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
وبذلك، تتحول الأزمة إلى حلقة مفرغة، انخفاض المواليد يؤدي إلى تقلص قوة العمل، وتراجع قوة العمل يضغط على الاقتصاد، في حين تدفع الأوضاع الاقتصادية الأسر بدورها إلى مزيد من العزوف عن الإنجاب.
وفي مواجهة النقص السكاني، تطرح الهجرة كأحد الحلول الرئيسية لتعويض النقص في القوة العاملة والسكان، لكن هذا الخيار يواجه بدوره تحديات سياسية واجتماعية.
وينتقد موقع "إكسبرت" الاعتماد المتزايد على الهجرة، مشيرا إلى تنامي التشدد المجتمعي والتشريعي تجاه المهاجرين، في ظل الجدل المتصاعد حول الاندماج والأمن والجريمة.
وتتجلى الأزمة بأوضح صورها خارج المدن الكبرى، حيث تعاني مناطق واسعة في وسط روسيا وسيبيريا والشرق الأقصى من الشيخوخة السكانية والهجرة الداخلية نحو المدن.
وتشير تقارير إلى إغلاق مدارس ومستشفيات ريفية واختفاء قرى بأكملها، في مؤشر على أن بعض المناطق تواجه خطر فقدان كتلتها السكانية بصورة أسرع من قدرة الدولة على إعادة بناء بنيتها التحتية أو توفير الخدمات الأساسية.
وهنا يتجاوز الأمر مسألة انخفاض عدد السكان إلى ما يمكن وصفه بـ"الانقراض المحلي" لبعض التجمعات، مع تقلص أعداد الشباب وارتفاع نسبة كبار السن.
وتبدو الأزمة الديمغرافية الروسية في نهاية المطاف، أكبر من مجرد مشكلة في سجلات المواليد أو أرقام السكان، فهي قضية تمس الاقتصاد وسوق العمل والخدمات العامة والتوزيع الجغرافي للسكان، وصولا إلى قدرة الدولة على الحفاظ على نفوذها وقوتها البشرية.
وفي بلد يمتد على مساحة جغرافية هائلة ويعتمد على قاعدة سكانية كبيرة للحفاظ على اقتصاده وقوته، قد تصبح المعركة على عدد السكان أكثر تأثيرا على مستقبل روسيا حتى مقارنة بكثير من الضغوط الخارجية، بما فيها العقوبات الاقتصادية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة