آخر الأخبار

قناة السويس.. لماذا تظل شريانًا لا غنى عنه للاقتصاد العالمي؟

شارك
صورة من: SUEZ CANAL AUTHORITY/AFP

في وقت تتجه فيه الأنظار إلى مضيق هرمز باعتباره أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، تواصل قناة السويس احتفاظها بمكانتها كأحد أبرز الشرايين الحيوية للتجارة الدولية. "كما أن قناة السويس في مصر لا تقل أهمية عن ذلك (مضيق هرمز) بالنسبة للاقتصاد العالمي"، بحسب ما كتب من القاهرة يورغن شترِييَاك، مراسل القناة الألمانية الأولى العامة (ARD).

حادثة "إيفر غيفن".. اختبار لأهمية القناة

وقال شترِييَاك في تقرير نشره موقع "تاغسشاو" (Tagesschau) التابع للقناة، اليوم الاثنين (السادس من يوليو/ تموز 2026)، إن أهمية قناة السويس بالنسبة للاقتصاد العالمي لا تقتصر على الأزمات والحروب التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل تتجلى أيضاً في حوادث مثل تلك التي تعرضت لها سفينة الحاويات "إيفر غيفن" (Ever Given)؛ في عام 2021، عندما جنحت سفينة الشحن العملاقة هذه وانحشرت بين ضفتي القناة أثناء عاصفة، واستغرقت عملية تحريرها من الممر الملاحي أسبوعاً كاملاً.

وعقب نجاح عملية تعويم السفينة ، عبّر رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع عن فخره بما تحقق، قائلاً: "هذه هي المرة الأولى على مستوى العالم التي يتم فيها إنقاذ سفينة حاويات من مثل هذا المأزق دون تفريغ حمولتها مسبقًا".

ورغم نجاح العملية، فإن توقف الملاحة لعدة أيام أدى إلى تكدس نحو 400 سفينة، فيما انعكست الأزمة على الأسواق العالمية التي عانت من تأخر وصول البضائع والشحنات.

صورة من: Suez Canal Authority/REUTERS

شريان يعبره 15% من التجارة العالمية

تكمن أهمية قناة السويس في حجم التجارة التي تمر عبرها سنويًا. فالقناة تستوعب ما يصل إلى 15% من التجارة العالمية ونحو 30% من حركة الحاويات في العالم، فيما تتجاوز قيمة البضائع المنقولة عبرها تريليون دولار سنويًا.

غير أن هذا الدور الحيوي يجعلها شديدة التأثر بالأزمات الدولية، سواء كانت أزمات صحية مثل جائحة كورونا، أو صراعات جيوسياسية مثل الحرب في أوكرانيا، أو التوترات الأمنية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي ومضيق هرمز.

من مشروع فرنسي إلى ممر استراتيجي عالمي

كان الدبلوماسي الفرنسي فرديناند دي ليسبس هو القوة الدافعة وراء إنشاء قناة السويس التي استغرق حفرها عشر سنوات، فقد خلالها 100 ألف عامل مصري على الأقل أرواحهم بسبب أوضاع العمل الشاق، بحسب ما يقول المؤرخون المصريون. وافتتحت القناة في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 1869 خلال احتفال أسطوري نظّمه الخديوي إسماعيل، وحضره عدد من ملوك وأمراء أوروبا، وكلف الحفل الخزانة المصرية آنذاك مبالغ طائلة.

واعتباراً من عام 1875، أصبحت ملكية الممر المائي الحيوي تعود لكبار المساهمين من فرنسا وبريطانيا العظمى؛ ومع ذلك، كانت البضائع البريطانية تشكل ما يصل إلى ثلاثة أرباع حمولات الشحن التي تمر عبر القناة في ذلك الوقت. وقد احتلت بريطانيا مصر عام 1882 لحماية هذه المصالح، إلى جانب مصالح أخرى.

في عام 1956، تعرضت المصالح البريطانية للتهديد عندما أعلن الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس. وجاء الإعلان خلال كلمة ألقاها عبد الناصر في ميدان المنشية بمدينة الإسكندرية يوم 26 يوليو/ تموز 1956، وقال جملته الشهيرة: "باسم الأمة، رئيس الجمهورية.. تقرر أن تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية، شركة مساهمة مصرية".

قرار التأميم وحرب عام 1956

شكّل قرار الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس نقطة تحول مفصلية في تاريخ القناة والمنطقة بأسرها. فقد أثار القرار أزمة دولية حادة، خصوصًا في بريطانيا التي رأت في الخطوة تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

وفي خضم الأزمة، شبّه رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن عبد الناصر بالزعيم الإيطالي الفاشي بينيتو موسوليني، مؤكداً أهمية القناة لبلاده بقوله: "بقاؤنا كأمة يعتمد على النفط. عدم توفر النفط يعني توقف صناعتنا وتعرض الناس للجوع".

ويقول يورغن شترِييَاك إن معظم الخبراء القانونيين والرئيس الأمريكي أيزنهاور كانوا يرون أن قرار التأميم لم يكن مخالفا للقانون الدولي. لكن القوتين الاستعماريتين، بريطانيا وفرنسا، أرادتا ردًا عسكريًّا، فقامتا بالتعاون مع إسرائيل باختلاق ذريعة لشن الحرب. وبدأت الحرب في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول 1956، وانتهت بعد أسابيع قليلة فقط تحت ضغط واشنطن وموسكو.

إغلاق القناة وتداعياته

شهدت القناة اختبارًا آخر بعد حرب يونيو/حزيران 1967، عندما أُغلقت لمدة ثماني سنوات. ولم تقتصر تداعيات الإغلاق على حركة التجارة الدولية، بل امتدت إلى الاقتصاد المصري نفسه، الذي فقد أحد أهم موارده الاقتصادية خلال تلك الفترة.

وقد دفعت الأهمية المتزايدة للقناة السلطات المصرية إلى تنفيذ مشروع "قناة السويس الجديدة" عام 2015، عبر إنشاء مجرى ملاحي إضافي في أكثر من ثلث طول القناة بهدف زيادة الطاقة الاستيعابية وتقليل زمن العبور.

مورد استراتيجي للاقتصاد المصري

تمثل قناة السويس اليوم ثالث أكبر مصدر للعملات الأجنبية في مصر ، ما يجعل أي تراجع في حركة الملاحة ينعكس مباشرة على الإيرادات العامة للدولة.

وفي هذا السياق، أشار يورغن شتريياك إلى أن التوترات المرتبطة بحرب غزة أثرت سلبًا على دخل القناة، إذ تراجعت الإيرادات بنسبة 45% خلال عام واحد بدأ في يوليو/تموز 2024.

ومع ذلك، يبدي رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع تفاؤله بالمستقبل، قائلاً: "آمل أن يكون عام 2026 أفضل من العامين السابقين، حتى لو لم نصل إلى مستوى عام 2023 على الفور – فالأوضاع ستتحسن"، حسبما نقل عنه موقع "تاغسشاو" (Tagesschau) التابع القناة الألمانية الأولى العامة (ARD).

لماذا لا تزال القناة بلا بديل؟

تكشف الأزمات المتعاقبة، من حرب السويس إلى حادثة "إيفر غيفن" وصولًا إلى التوترات الأمنية في البحر الأحمر، أن العالم لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على قناة السويس بوصفها أقصر وأسرع طريق بحري يربط بين آسيا وأوروبا.

ورغم الحديث المتكرر عن ممرات بديلة، فإن أياً منها لم ينجح حتى الآن في تقديم مزايا تضاهي الموقع الجغرافي الفريد للقناة أو قدرتها على خدمة حركة التجارة العالمية، وهو ما يفسر استمرار مكانتها كأحد أهم الأصول الاستراتيجية للاقتصاد العالمي ومصر على حد سواء.

تحرير: خالد سلامة

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا