في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مع اجتماع القادة في منتدى "جيجو" للسلام والازدهار الذي تستضيفه كوريا الجنوبية لمناقشة مستقبل السلام في المنطقة، تشهد شبه الجزيرة الكورية لحظة سياسية وأمنية حرجة.
وبينما يطرح على الطاولة خطاب دبلوماسي يدعو إلى الاستقرار، تشير التطورات الميدانية والتحولات الإستراتيجية إلى واقع أكثر تعقيدا، يتداخل فيه ملف الكوريتين مع تنافس القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين، إذ تعتمد كوريا الجنوبية على تحالفها الأمني مع الولايات المتحدة، بالتوازي مع ارتباط اقتصادي عميق بالصين، مما يجعل أي تغيير في موازين القوى بين واشنطن وبكين عاملا مباشرا في حساباتها الأمنية.
أما كوريا الشمالية فقد عززت موقعها عبر تكريس وضعها كدولة نووية في دستورها، وإعادة توصيف الجنوب باعتباره "دولة معادية"، مستندة إلى توسع ترسانتها العسكرية وشراكاتها مع الصين وروسيا.
بدأ تعقد المشهد من الداخل الكوري الجنوبي نفسه، ففي مقال بصحيفة آسيا تايمز المتخصصة في الشؤون الآسيوية، جرى تسليط الضوء على تحول لافت في السياسة الكورية الجنوبية، حيث باتت بعض أشد الانتقادات الموجهة لسياسات سيول تصدر من واشنطن أكثر مما تصدر من المعارضة المحافظة في الداخل.
ويشير المقال إلى أن سياسيين أمريكيين تبنوا خطابا نقديا تجاه إدارة الرئيس لي جاي ميونغ، خصوصا في ما يتعلق بطبيعة العلاقة التحالفية مع الولايات المتحدة وتأثير الصين في هذه المعادلة، في وقت تعيش فيه المعارضة المحافظة حالة ارتباك بعد الهزائم الانتخابية.
وبحسب ما نقله المقال عن تقارير غربية، فإن التوجهات الحالية في كوريا الجنوبية قد تضعف التوازنات الديمقراطية وتؤثر في أسس التحالف مع واشنطن.
ورغم أن هذا الطرح قوبل برفض رسمي من سيول، فإنه ظل يعكس قلقا أمريكيا متزايدا من أن تؤدي الترتيبات الجديدة إلى تغيير قواعد اللعبة مع حليف رئيسي في مواجهة الصين.
في هذا السياق، تبدو النقاشات الدائرة في الكونغرس والإدارة الأمريكية حول مستقبل التحالف مع سيول جزءا من قراءة أوسع لموقع كوريا الجنوبية في صراع النفوذ بين واشنطن وبكين، وليس مجرد خلاف عابر حول تفاصيل داخلية.
كوه يو-هوان:
كوريا الشمالية أعادت تعريف الجنوب في دستورها باعتبارها "دولة معادية" وتخلت عن هدف إعادة التوحيد، وهو ما نسف عمليا أي أرضية سياسية يمكن البناء عليها لإطلاق حوار جديد
يعد سعي سيول لاستعادة السيطرة العملياتية في زمن الحرب من الولايات المتحدة أحد أكثر الملفات حساسية داخل التحالف، فالحكومة تقدم هذه الخطوة بوصفها استكمالا للسيادة الوطنية، في حين يحذر منتقدون -وفق الصحيفة- من أن الجيش الكوري الجنوبي لا يزال معتمدا بشكل كبير على القدرات الاستخبارية واللوجستية والإستراتيجية الأمريكية، مما يجعل الفصل الكامل في القيادة العسكرية مسألة معقدة عمليا.
وقد تفاعل الكونغرس الأمريكي مع هذا الملف عبر تقييد تمويل أي عملية نقل للقيادة ما لم تثبت الإدارة أن الخطوة تخدم المصالح الأمريكية، في إشارة واضحة إلى مستوى الشك داخل المؤسسات الأمريكية حيال توقيت وحدود هذا التحول.
ميدانيا، أدت خطوات سيول لتخفيف القيود العسكرية قرب الحدود مع الشمال، بما في ذلك تحريك خط السيطرة المدنية وإزالة بعض العوائق، إلى إثارة جدل داخلي، إذ تصفها الحكومة بإجراءات لتحسين الأوضاع المعيشية والتنمية المحلية، في حين يرى منتقدون أنها تشكل تقويضا تدريجيا للردع في غياب أي تنازلات متبادلة أو إجراءات ثقة من جانب بيونغ يانغ .
إلى جانب ذلك، برز ملف حرية التعبير كعامل داخلي له امتداد خارجي، بعد أن أثارت التعديلات المقترحة على قانون شبكة المعلومات والاتصالات قلقا أمريكيا رسميا، حيث حذرت وزارة الخارجية الأمريكية -كما نقلت آسيا تايمز- من أن الصياغة الواسعة قد تستخدم لتقييد حرية التعبير وتعقد التعاون التكنولوجي بين البلدين.
تتزايد أهمية الصين في المعادلة الإستراتيجية لسيول، فإدارة الرئيس لي تسعى إلى ما تسميه "استعادة شاملة" للعلاقات مع بكين، في وقت يتنامى فيه القلق في واشنطن من أثر النفوذ الصيني على خيارات الحلفاء في شرق آسيا، وعلى رأسهم كوريا الجنوبية.
وتذكر صحيفة آسيا تايمز أن هذه المخاوف دفعت مجلس الشيوخ الأمريكي -للمرة الأولى- إلى مطالبة البنتاغون بإعداد تقييم رسمي لنطاق أنشطة النفوذ التي يمارسها الحزب الشيوعي الصيني داخل كوريا الجنوبية، ومدى تأثيرها على المصالح العسكرية والتجارية الأمريكية.
هذا التوازن بين الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة والارتباط الاقتصادي العميق بالصين لم يعد مجرد تحدٍّ دبلوماسي، بل تحول إلى معضلة إستراتيجية تمسّ أسس سياسة سيول الخارجية، إذ باتت كل خطوة تُقرأ في ضوء سؤال مصيري، هو: إلى أي مدى يمكن لكوريا الجنوبية أن تحافظ على هامش مناورة مستقل في ظل احتدام التنافس الأمريكي الصيني على مستوى المنطقة بأكملها؟
على الجبهة الشمالية، تؤكد صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن جهود الرئيس الجنوبي لي جاي ميونغ لتحسين العلاقات مع بيونغ يانغ وصلت إلى طريق مسدود بعد عام من توليه السلطة.
وينقل التقرير عن الأستاذ الفخري بجامعة دونغوك، كوه يو-هوان، أن كوريا الشمالية أعادت تعريف الجنوب في دستورها باعتباره "دولة معادية" وتخلت عن هدف إعادة التوحيد، وهو ما نسف عمليا أي أرضية سياسية يمكن البناء عليها لإطلاق حوار جديد.
إضافة إلى ذلك، رسخت بيونغ يانغ في دستورها وضعها كدولة نووية، مما يجعل مسار نزع السلاح النووي أكثر تعقيدا من الناحية السياسية والقانونية، وذلك في وقت تقلص فيه هامش الحركة الدبلوماسية أمام سيول لانشغال واشنطن بملفات أخرى في الشرق الأوسط وغيرها، وانكفاء بكين على معالجة توترات إقليمية متصاعدة.
كما زاد الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون -وفق الصحيفة- من تعقيد الوضع بإعلان خطط لتسليح البحرية بأسلحة نووية وبناء سفن حربية أكبر، مع التزام معلن بتوسيع الترسانة النووية بشكل مستمر.
وردا على ذلك، عززت كوريا الجنوبية تعاونها مع الولايات المتحدة في مجال الردع النووي، ووسعت التعاون الأمني الثلاثي مع اليابان، بالتوازي مع تطوير قدراتها الدفاعية الذاتية، مما أفرز -حسب محللين نقلت عنهم ساوث تشاينا مورنينغ بوست- حلقة تصعيد متبادل "ذاتية التغذية" من الصعب كسرها في الأمد القريب.
الخيار الواقعي المتبقي للسلام في شبه الجزيرة الكورية يتمثل في إطار سلام تشارك فيه الولايات المتحدة والصين، بهدف استبدال اتفاق الهدنة لعام 1953 بمعاهدة سلام جديدة
في تحليل آخر لصحيفة آسيا تايمز حول مستقبل السلام على شبه الجزيرة الكورية، طرحت فرضية أن الإطار التقليدي القائم على فكرة إعادة التوحيد يتراجع لصالح واقع دولتين متعاديتين، خاصة بعد إعلان بيونغ يانغ صراحة رفضها لمفهوم التعايش السلمي واعتبارها الجنوب عدوا دائما.
وربط التحليل هذا التحول بارتفاع ثقة القيادة في الشمال نتيجة توسيع القدرات النووية والصاروخية وتعميق التعاون مع روسيا، وهو ما يقلل من حوافزها للانفتاح على سيول أو واشنطن.
في هذا السياق، نقلت ساوث تشاينا مورنينغ بوست عن خبراء أن الخيار الواقعي المتبقي يتمثل في إطار سلام أوسع تشارك فيه الولايات المتحدة والصين إلى جانب الكوريتين، بهدف استبدال اتفاق الهدنة لعام 1953 بمعاهدة سلام جديدة.
ويشير الأكاديمي كوه يو-هوان إلى أن نزع السلاح النووي يمكن تناوله ضمن هذا الإطار الأوسع، ليس بوصفه شرطا مسبقا، بل كجزء من عملية تدريجية لإعادة تشكيل البيئة الأمنية على مدى زمني أطول.
مع ذلك، يبقى إنجاز مثل هذا المسار مرهونا بقدرة القوى الكبرى على إدارة تنافسها، لأن التنافس الأمريكي الصيني، إلى جانب انخراط روسيا المتزايد في حسابات بيونغ يانغ، يعيد تشكيل شبه الجزيرة الكورية كساحة صراع جيوسياسي مفتوح.
ويبدو أن السلام في شبه الجزيرة الكورية لم يعد يقاس بطبيعة العلاقة بين الشمال والجنوب فقط، بل بمدى نجاح واشنطن وبكين في إدارة تنافسهما وتجنّب أية مواجهة مباشرة في واحدة من أكثر بؤر التوتر حساسية في العالم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة