آخر الأخبار

بين اليسار واليمين المتطرف.. ما مصير القضية الفلسطينية في كولومبيا؟

شارك

كولومبيا- على شرفة المنزل العائلي في مدينة بارانكيا، الواقعة في شمال كولومبيا، كانت عمة جورج سيمان (52 عامًا) جوليا تحدثه عن فلسطين، عن التاريخ والجغرافيا، وعن حياة تركتها العائلة خلفها عندما غادر الأجداد بيت لحم عام 1952 بعد النكبة.

مصدر الصورة جورج سيمان برفقة والدته ووالده، وتحمله جدته الفلسطينية وهو طفل، في مدينة بارانكيا عام 1975. الصورة بإذن من جورج سيمان (الجزيرة)

وكان عدد من العرب ممن وصلوا إلى كولومبيا، قد استقروا في بارانكيا، في أواخر القرن التاسع عشر، قادمين أساسا من فلسطين ولبنان وسوريا.

وتستعد البلاد للتصويت يوم الأحد المقبل للاختيار بين مشروعين (يستعد اليميني أبيلاردو ⁠⁠⁠⁠دي لا إسبرييا لخوض جولة ثانية في الانتخابات الرئاسية للبلاد أمام اليساري إيفان سيبيدا، بعد أن سجل المرشحان ⁠⁠⁠⁠نتائج متقاربة ⁠⁠⁠⁠للغاية) سيحددان وجهتها خلال السنوات الأربع المقبلة.

وتتابع شبكات التضامن مع فلسطين هذه الانتخابات بقلق وترقب. ولا يعود ذلك إلى أن فلسطين تحتل موقعا مركزيا في الحملة الانتخابية، بل إلى أن النتيجة قد تحسم ما إذا كانت كولومبيا ستواصل النهج الذي أرساه الرئيس غوستافو بيترو أو ستعود إلى تحالفاتها التقليدية السابقة.

مصدر الصورة ناشطة تعلّق العلم الفلسطيني على السياج الخارجي لوزارة الدفاع الكولومبية في بوغوتا، خلال مظاهرة دعما لفلسطين (بي دي إس)

فلسطين على الألسنة

بعد أكثر من سبعين عاما على هجرة عائلته، ما زالت فلسطين تحتل مكانا مركزيا في حياة جورج، الذي نشأ وهو يستمع إلى حكايات أرض أجداده، وكذلك في حياة عائلته، فقد ألّف والده كتابين عن فلسطين موجّهين إلى القارئ الكولومبي للتعريف بتاريخها، فيما يكرّس جورج، الذي يعمل اليوم في مجال إدارة الأعمال، جزءا كبيرا من وقته لأنشطة تسعى إلى التعريف بالقضية الفلسطينية وبناء أشكال من التضامن معها.

إعلان

ونفذت كولومبيا، خلال ولاية الرئيس التقدمي غوستافو بيترو الذي سيغادر السلطة في أغسطس/آب المقبل، أحد أكبر منعطفاتها الدبلوماسية في تاريخها الحديث. فقد قطع بيترو العلاقات مع إسرائيل، وندد بالحرب التي شنتها على سكان قطاع غزة من رجال ونساء وأطفال، وحوّل القضية الفلسطينية إلى إحدى أولويات سياسته الخارجية.

ويعتبر جورج سيمان أن هذا التحول في سياسة كولومبيا الخارجية اكتسب قيمة رمزية تتجاوز البعد الدبلوماسي.

يقول للجزيرة نت: "سأظل ممتنا لبيترو لأنه جعل فلسطين على الألسنة في كولومبيا". ويضيف: "الجالية العربية لم تفعل ذلك، بينما قام هو بذلك، رغم أنه لا يملك قطرة دم عربية واحدة".

مصدر الصورة ناشطون متضامنون مع فلسطين يعلّقون ملصقات دعما لفلسطين وللشعوب الأصلية في كولومبيا (بي دي إس)

وينتقد سيمان بشدة النخب الكولومبية المنحدرة من المهاجرين العرب، التي يتهمها بالابتعاد عن القضية الفلسطينية. ويؤكد أن "هناك من يتذكر أصوله العربية عندما يأكل الكبة أو يشارك في الرقصات العربية، لكنه يلتزم الصمت عندما يتعلق الأمر بفلسطين".

وبالنسبة إليه، فإن الجزء الأكبر من التضامن مع فلسطين في كولومبيا لا يأتي بالضرورة من أشخاص يملكون جذورا عائلية في الشرق الأوسط. يقول: "أرى الدعم لفلسطين خصوصا عند أناس متواضعين لا يملكون قطرة دم عربية واحدة، لكن لديهم حسا إنسانيا".

مصدر الصورة غرافيتي متضامن مع فلسطين في أحد شوارع بوغوتا (الجزيرة)

العلاقة بين كولومبيا وإسرائيل قبل بيترو

ويعتبر باحثون ومراقبون أن التحول الدبلوماسي الذي يتحدث عنه جورج في عهد بيترو قد يرقى فعلا إلى انقلاب في السياسة الخارجية الكولومبية.

ويذكر أستاذ العلاقات الدولية في جامعة إكسترنادو بكولومبيا، بيو غارسيا بارا، في حوار مع الجزيرة نت، أن علاقات كولومبيا بإسرائيل "ترتبط ارتباطا مباشرا بحالة الاعتماد العامة التي تربط كولومبيا بالولايات المتحدة".

ويذكّر بأن الحكومات اليمينية الكولومبية المتعاقبة اصطفّت لعقود إلى جانب إسرائيل. ولم يقتصر الحضور الإسرائيلي في كولومبيا على العلاقات الدبلوماسية، بل امتد إلى سنوات الصراع الداخلي أيضا. فقد زوّدت إسرائيل الدولة الكولومبية بالسلاح والتدريب العسكري خلال حربها ضد الجماعات اليسارية، كما ارتبط اسمها بتدريب مجموعات شبه عسكرية لعبت دورا بارزا في أعمال العنف التي استهدفت الأوساط اليسارية في البلاد.

مصدر الصورة أنصار المرشح اليساري إيفان سيبيدا أمام المقر الرئيسي لحملته الانتخابية في بوغوتا (الجزيرة)

مساران مختلفان

يرى المتخصص في السياسة الخارجية الكولومبية هيكتور غاليانو دافيد، في حديث للجزيرة نت، أن بيترو "بدأ يطرح علاقة تقوم على قدر أكبر من الاستقلالية والابتعاد عن التبعية للولايات المتحدة". وبرز هذا الانعطاف بشكل خاص في موقف كولومبيا من فلسطين، ولا سيما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب الإسرائيلية على غزة.

وبحسب الباحث، تحول الدفاع عن حقوق الإنسان إلى أحد محاور السياسة الخارجية الكولومبية خلال السنوات الأخيرة، ومن المرجح أن يستمر هذا التوجه إذا فاز المرشح إيفان سيبيدا، المنتمي إلى التيار السياسي نفسه الذي ينتمي إليه بيترو.

إعلان

ويرى المحلل أن هذا المسار قد يتغير جذريا إذا فاز أبيلاردو دي لا إسبرييا، ممثل اليمين المتطرّف. ويضيف بخصوص دي لا إسبرييا: "ثمة مصلحة لدى إسرائيل والكنائس الإنجيلية وقطاعات من اليمين المتطرف الأمريكي في أن تستعيد كولومبيا موقعها كحليف إستراتيجي".

وبحسب قراءته، فإن الفارق بين المشروعين السياسيين عميق ويتجاوز بكثير مسألة العلاقات الثنائية مع إسرائيل. ويضيف: "إنها اختلافات هائلة. أمضيت سنوات طويلة في دراسة السياسة الكولومبية، وهذه هي المرة الأولى التي أرى فيها تباينات بهذا العمق بين مشروعين للسياسة الخارجية".

أنصار المرشح اليميني المتشدد أبيلاردو دي لا إسبرييا في أحد شوارع بوغوتا (الجزيرة)

مخاوف من التراجع

وتقول ديانا، وهي ناشطة في حركة المقاطعة "بي دي إس كولومبيا"، للجزيرة نت إن الوصول المحتمل للمرشح اليميني المتطرف أبيلاردو دي لا إسبرييا إلى السلطة "سيعني، بشكل فوري، خسارة واحدة من أكثر الأصوات حضورا وقوة على الساحة الدولية في الدعوة إلى فرض عقوبات، وفي اتخاذ مواقف عملية ضد الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني".

وتضيف أن من المرجح أيضا أن تُستأنف صادرات الفحم إلى إسرائيل، مشيرة إلى أن كولومبيا كانت، قبل فرض الحظر على قطاع الطاقة، أكبر مورد لإسرائيل بالفحم الحجري، معتبرة أن هذا الحظر يعد أحد أبرز الإنجازات التي تحققت خلال السنوات الأخيرة.

لكن أكثر ما يثير قلق الناشطين المتضامنين مع فلسطين هو مستقبل العلاقات العسكرية بين بوغوتا وتل أبيب. وتقول ديانا إن الحظر العسكري لم يُطبق بالدرجة نفسها من الحزم التي طُبق بها حظر صادرات الطاقة، إلا أن الحركة كانت تأمل في الدفع نحو قطيعة أعمق مع إسرائيل في حال وصول المرشح اليساري إيفان سيبيدا إلى السلطة.

وتضيف أن دي لا إسبرييا يتبنى، في المقابل، مواقف مغايرة تماما. فقد تعهد بإعادة التحالف العسكري مع إسرائيل.

وترى أن هذه المواقف تثير مخاوف جدية في بلد لا تزال ذاكرته مثقلة بالعنف السياسي والصراعات الداخلية. وتُذكّر بأن كولومبيا عرفت فصولا طويلة من القمع والعنف، معتبرة أن بعض الخطابات السياسية الحالية تعيد إلى الأذهان مفردات "العدو الداخلي" التي طبعت مراحل دامية من تاريخ البلاد.

ومن هذا المنطلق، تربط الناشطة بين ما يجري في فلسطين وتجارب عاشها الكولومبيون أنفسهم. وتقول إن قطاعات واسعة من السكان قد لا تكون مطلعة على تفاصيل القضية الفلسطينية، لكنها ليست غريبة عن التهجيرالقسري والمجازر والعنف المسلح وهيمنة النخب على الموارد.

ما وراء صناديق الاقتراع

وبينما يناقش الخبراء والناشطون ما إذا كانت كولومبيا ستواصل النهج الذي رسمه بيترو أو ستعود إلى تحالفاتها التقليدية، ينظر جورج سيمان إلى ما هو أبعد من يوم الاقتراع.

ويقول: "في أمريكا اللاتينية علينا أن نقاوم وأن نُثقّف. علينا أن نشرح للأجيال الجديدة ما فعله الاستعمار في فلسطين وفي منطقتنا أيضا".

ويرى، في نهاية المطاف، أنه وإن لم يقلل من أهمية السياسيين والدبلوماسية، فإن المعركة الحقيقية لن تُحسم إلا في المدارس والجامعات، وفي الطريقة التي يروي بها الكولومبيون تاريخهم وعلاقاتهم بالعالم.

ويختم قائلا: "الفلسطيني قد يبدو بعيدا عن هموم الكولومبيين اليومية، لكن الوقت يكشف الترابط بين هذه القضايا".

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا اسرائيل إيران لبنان

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا