يستمد غلاة المحافظين ذوو النفوذ في إيران همتهم من المواجهة مع الولايات المتحدة و إسرائيل التي استمرت ثلاثة أشهر والتي يشعرون أن إيران انتصرت فيها. ويريد هؤلاء من قيادة البلاد اتخاذ موقف صارم في المحادثات المقبلة مع الولايات المتحدة وإعطاء الأولوية لإعادة التسلح، واثقين من قدرتهم على وقف أي معارضة داخلية بالقوة.
لكن المواطنين العاديين يتطلعون بشدة إلى أي مكاسب من وراء السلام أو دعم مالي يمكن استغلاله في رفع مستويات المعيشة وفتح آفاق للمستقبل بعد حرب مدمرة أعقبت سنوات من العقوبات المؤلمة. ولكلا المعسكرين توقعات كبيرة ومطالب متضاربة وقليل من الصبر. وفي الخلفية يخيم شبح تجدد الاحتجاجات الجماهيرية على غرار الاضطرابات التي قمعتها السلطات في يناير/ كانون الثاني، وقتل فيها آلاف المتظاهرين.
يأتي ذالك في وقت قال فيه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اليوم الثلاثاء (16 يونيو/ حزيران 2026) إن طهران وواشنطن ستبدآن جولة جديدة من المفاوضات يوم الجمعة المقبل في سويسرا للتوصل إلى اتفاق نهائي، وذلك بعد السريان الرسمي للاتفاق المؤقت.
وحذر عراقجي أيضا من أن أي هجوم إسرائيلي على لبنان، أو استمرار الوجود الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية من الآن فصاعدا، سيُعد انتهاكا للاتفاق المؤقت مع الولايات المتحدة. وقال "من وجهة نظرنا، فإن طرفي هذه المذكرة هما الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحزب الله من جهة أخرى".
قال حميد رضا عزيزي، الباحث الزائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين، "في اللحظة التي تنتهي فيها الحرب، ونظرا لهشاشة هذا الاتفاق المؤقت، ستبدأ المؤسسة الدينية في إيران في مواجهة مشكلات حقيقية". وتحدث أربعة مسؤولين حاليين ومسؤول سابق من إيران عن الضغوط التي تواجهها الجمهورية الإسلامية الآن مع تحول اهتمام الناس من الحرب إلى تفقد حجم الدمار الاقتصادي. وقال ثلاثة من هؤلاء المسؤولين إن هناك توقعات شعبية بأن أي إغاثة مالية تحصل عليها الحكومة نتيجة تعليق عقوبات أو استعادة أصول ستُستخدم لتعزيز الاقتصاد ورفع مستوى المعيشة.
ووصف أحدهم، وهو مسؤول كبير، الإيرانيين بأنهم "متعَبون من الحرب والصعاب الاقتصادية". وقال إن الأموال ستوجه على الأرجح نحو إعادة الإعمار وضخ السيولة في البنوك وتقديم دعم اقتصادي على نطاق أوسع. وأقر المسؤولون الأربعة جميعا، صراحة أو ضمنا، بمخاطر تجدد الاحتجاجات إذا فشلت السلطات في تحسين مستويات المعيشة. ووصف أحدهم الاتفاق لإنهاء الحرب بأنه "سلاح ذو حدين" نظرا لارتفاع مستوى التوقعات الشعبية. وقال المسؤول السابق، وهو إصلاحي، إن هناك استيعابا لهذه المخاطر في أعلى مستويات القيادة الإيرانية، وإن هذا الفهم كان أحد الأسباب التي دفعت طهران إلى قبول الاتفاق لفتح مضيق هرمز.
ومن المتوقع أن تتضمن مذكرة إنهاء الحرب، التي من المقرر أن توقعها طهران وواشنطن يوم الجمعة، بعض الإغاثة المالية لإيران، على أن يتبع ذلك المزيد إذا نجح الطرفان في إبرام اتفاق أوسع نطاقا في وقت لاحق من هذا الصيف. ويعاني الاقتصاد الإيراني من تضخم مرتفع للغاية وانخفاض حاد في قيمة العملة وتفشي البطالة، ثم أضافت الحرب أضرارا جسيمة للصناعة والبنية التحتية سيكون إصلاحها مكلفا جدا.
وقال سعيد ليلاز، وهو محلل سياسي واقتصادي إيراني، "من منظور محلي، أمام إيران الآن فرصة محدودة للسيطرة على الأوضاع الداخلية. لطالما ركزت الولايات المتحدة على التطورات الداخلية في إيران وما زالت تفعل ذلك". وسيتطلب تخفيف العقوبات على المدى الطويل، الذي سيسمح للشركات الإيرانية بدخول الأسواق العالمية مجددا والحصول على التمويل، اتفاقا أوسع نطاقا مع الولايات المتحدة بشأن برنامج طهران النووي، وهو أمر لا يزال يُنظر إليه على أنه احتمال بعيد.
نجحت السلطات الإيرانية طوال فترة الحرب في إخماد المعارضة من خلال تحذيرات صارمة وعقوبات قاسية ونشر مؤيدين في الشوارع في سلسلة مظاهرات شبه متواصلة وفعاليات أخرى داعمة للنظام. وبعد سنوات من حث المؤسسة الحاكمة على اتخاذ موقف أكثر تشددا تجاه الغرب، وإظهار القوة الإيرانية من خلال إجراءات مثل إغلاق مضيق هرمز، يشعر غلاة المحافظين بأنهم كانوا على حق ويتوقعون مكافأة على جهودهم.
ويضم معسكر غلاة المحافظين مجموعة من الفصائل، منها الحرس الثوري. ولكن في حين أن الحرس الثوري مستعد الآن لقبول اتفاق يساعد الجمهورية الإسلامية على استمرار الوقوف على أقدامها، فإن ما يسمى جبهة بايداري ليست كذلك. وتضم الجبهة أعضاء بارزين في البرلمان وسياسيين مخضرمين وشخصيات مؤثرة في وسائل الإعلام، ولها قاعدة شعبية واسعة بين الجماهير التي خرجت إلى الشوارع منذ بداية الحرب.
ورغم أنهم لا يتمتعون بالنفوذ الكافي لتغيير سياسة الدولة، فإنهم قادرون على إثارة قلاقل للمؤسسة الحاكمة. ويشعر الكثيرون منهم بالاستياء لأن إيران تقبل الآن التفاوض مع الولايات المتحدة بدلا من التريث للحصول على شروط أفضل، وخصوصا بعد مقتل الزعيم الأعلى السابق آية الله علي خامنئي في أول أيام الحرب. وقال حسين، وهو عضو في قوة الباسيج التطوعية التي يديرها الحرس الثوري، والذي طلب عدم نشر اسم عائلته، " إنهم يعقدون اتفاقا مع العدو الذي قتل زعيمنا، رغم انتصارنا في الحرب. فماذا عن ثأرنا لدماء الإمام خامنئي؟ أي حكومة إسلامية هذه؟ والآن يريدون، في يوم الجمعة، مصافحة قتلة الإمام".
تحرير: عماد غانم
المصدر:
DW