في 26 أبريل/نيسان 2026، باشرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق الإجراءات الجنائية الأولية التي رفعتها السلطات الانتقالية السورية ضد شخصية بارزة في الجهاز الأمني السابق. ويواجه المتهم، العميد عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، تهما تتصل بالقمع العنيف للاحتجاجات المدنية في أوائل عام 2011. وتشمل هذه التهم القتل، والتعذيب، والحرمان من الحرية، والتحريض على ارتكاب جرائم دولية، استنادا إلى قانون العقوبات العام، وقانون مناهضة التعذيب رقم (16) لعام 2022، وصكوك أخرى.
وفي الجلسة الثانية، المنعقدة في 10 مايو/أيار 2026، استندت النيابة العامة صراحة إلى اتفاقية مناهضة التعذيب، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ونظام روما الأساسي، واتفاقيات جنيف الأربع. وصنفت المحكمة أفعالا معينة منسوبة إلى نجيب بوصفها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، مستندة إلى القانون الدولي بوصفه إطارا مكملا وتفسيريا إلى جانب التشريع الوطني.
ويحاكم ثمانية متهمين غيابيا، من بينهم الرئيس السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر. وقد تقدم حوالي خمسين مدعيا بدعاوى ضد نجيب. وتحمل هذه الوقائع وزنا قانونيا كبيرا، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن مشكلة هيكلية قد تتيح لمرتكبي أخطر الجرائم الدولية الإفلات من المساءلة الكاملة لأسباب إجرائية وفقهية، ما لم تعالج.
تكمن الصعوبة المركزية في أن القانون الجنائي السوري لا يتضمن تعريفات للجرائم ضد الإنسانية، أو جرائم الحرب، أو الاختفاء القسري، أو مسؤولية القائد. كما أن قانون مناهضة التعذيب لعام 2022 يعرف التعذيب بعبارات لا ترقى إلى مضمون المادة (1) من اتفاقية مناهضة التعذيب. ولم يصدر أي تشريع جنائي انتقالي متخصص. وبناء على ذلك، يتعين على المحكمة استنباط القانون الواجب التطبيق من خلال التفسير، وتعتمد حجية أي حكم يصدر في هذا السياق على سلامة الخيارات التفسيرية المتخذة، وعلى قوة الاستدلال الذي يدعمها.
ويستند الأساس الدستوري لهذا التفسير إلى المادة (12) من الإعلان الدستوري الانتقالي الصادر في مارس/آذار 2025، التي تنص على تعهد سوريا بالالتزام بالصكوك الدولية التي صادقت عليها في مجال حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. وتعد سوريا ملزمة بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية منذ عام 1969، وباتفاقية مناهضة التعذيب منذ 2004، وباتفاقيات جنيف الأربع منذ 1953، وبالبروتوكول الإضافي الأول منذ عام 1983.
ولم يحسم قضائيا بعد ما إذا كانت المادة (12) تشكل آلية ذاتية التنفيذ تتيح للمحكمة تطبيق تعريفات الجرائم المستندة إلى المعاهدات مباشرة من دون تشريعات إنفاذية. وقد تسفر إجراءات محاكمة نجيب عن أول تفسير قضائي رسمي وذي حجية لهذا السؤال. أما إذا تعاملت المحكمة معه كأمر مفروغ منه من دون استدلال صريح، فسيغدو الحكم عرضة للطعن.
في ظل هذه الظروف المحيطة بالمحاكمات، ستواجه كل قضية خطر إفلات مرتكبي أشد الجرائم خطورة من المساءلة القانونية الكاملة لأسباب لا صلة لها بالأدلة القائمة ضدهم، بل بالأدوات التي عجز القانون عن توفيرها
ويتصل الضعف الثاني بالأثر الرجعي. إذ تستثني المادة (49) من الإعلان الدستوري الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، والإبادة الجماعية المنسوبة إلى "النظام السابق" من الحماية ضد الأثر الرجعي، مع الإبقاء على هذه الحماية للمتهمين الآخرين. ويثير هذا التطبيق الانتقائي إشكالات بموجب المادتين (15) و(26) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
فالمادة (15) تحظر التطبيق الرجعي للقانون الجنائي، مع استثناء السلوك الذي كان يشكل جرما وقت ارتكابه بموجب المبادئ العامة للقانون المعترف بها لدى جماعة الأمم، بينما تقتضي المادة (26) المساواة أمام القانون. وإذا عوملت المادة (49) بوصفها الأساس الوحيد أو الرئيس لتجاوز الاعتراض المتعلق بالأثر الرجعي، فإن إطار الجرائم الدولية سيغدو متاحا ضد فئة واحدة من المتهمين وغير متاح ضد آخرين، بما ينشئ مشكلة تمييز تقوض التماسك القانوني للإجراءات برمتها.
والمسار الفقهي الأكثر أمانا هو تأسيس التحليل على القانون الدولي العرفي، الذي جرم السلوك المعني قبل وقوعه، وينطبق على جميع الأشخاص بصرف النظر عن الانتماء السياسي أو المؤسسي. وعندئذ يمكن للمادة (49) أن تؤدي وظيفة محلية مكملة، تؤكد ما استقر عليه القانون العرفي أصلا، بدلا من أن تتحمل وحدها العبء الكامل للتكييف القانوني. فالحكم المبني على هذا الأساس يكون أقدر على الصمود أمام الطعن بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية من حكم يعتمد كليا على استثناء دستوري انتقائي.
ويتضمن قرار الاتهام نفسه أخطاء فقهية تقتضي التصحيح قبل صدور الحكم. فقد استندت النيابة العامة إلى القواعد الآمرة والمادة (53) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات كأساس لتصنيف السلوك المنسوب بوصفه جرائم ضد الإنسانية. غير أن المادة (53) تتعلق ببطلان المعاهدات، إذ تنص على أن المعاهدة تكون باطلة إذا تعارضت مع قاعدة آمرة. وهي لا تعرف أركان أي جريمة، ولا تحدد القصد الجنائي، ولا تؤسس لشكل من أشكال المسؤولية الجنائية الفردية.
ومن ثم فإن نقلها من مجال بطلان المعاهدات إلى مجال الإسناد الجنائي الفردي يعد توسعا غير منضبط في وظيفتها القانونية. صحيح أن حظر الجرائم ضد الإنسانية يتمتع بصفة القاعدة الآمرة، إلا أن هذه الصفة تؤسس لعدم جواز الانتقاص من القاعدة، لا لدرجة التحديد المطلوبة بموجب مبدأ الشرعية.
والنهج الأكثر تماسكا هو بناء التكييف على تعريفات القانون الدولي العرفي كما دُونت في المادة (7) من نظام روما الأساسي، وأكدتها المادة (2) من مشاريع المواد الصادرة عن لجنة القانون الدولي عام 2019 بشأن منع الجرائم ضد الإنسانية والمعاقبة عليها، ثم تطبيقها محليا من خلال المادة (12).
وتنشأ مشكلة مماثلة من استناد النيابة العامة إلى اتفاقية عام 1968 بشأن عدم سقوط جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بالتقادم؛ فسوريا ليست طرفا في تلك الاتفاقية، ولم يوضح قرار الاتهام ما إذا كان الاستشهاد بها بوصفها التزاما تعاهديا أم دليلا على القانون العرفي. فإن كان الأول، فهي لا تلزم دولة غير طرف؛ وإن كان الثاني، فهو يتطلب دعما مستقلا. وقد حظي مبدأ عدم سقوط الجرائم الدولية الأساسية بالتقادم باعتراف عرفي واسع، غير أن على النيابة العامة بيان هذا الأساس صراحة.
وتشكل أنماط المسؤولية الجنائية الفردية المتاحة للمحكمة طبقة أخرى من الصعوبة. فقانون العقوبات السوري يتناول المساهمة الجنائية من خلال الاشتراك، ويميز بين الفاعل والشريك، لكنه لا يتضمن نصا بشأن مسؤولية القائد بالمعنى المقابل للمادة (28) من نظام روما الأساسي.
وبالنسبة إلى نجيب، يدعم سجلُ الأدلة نظريتي الارتكاب بواسطة الغير، وإصدار الأوامر المباشرة بوصفهما أقوى نمطين للمسؤولية؛ إذ يحمّل قرار الاتهام نجيب مسؤولية إصدار أوامر محددة، ومشاركة شخصية في قرار اللجنة الأمنية بالترخيص باستخدام الذخيرة الحية، ومسؤولية عملياتية مباشرة عن القناصة الذين تمركزوا في مبنى الأمن السياسي في درعا. وتستند هذه الأنماط إلى سلوك إيجابي، ولا تعتمد أساسا على الاستنتاج من الامتناع.
أما بالنسبة إلى الأسد، فيختلف التحليل هيكليا؛ إذ لا يمكن أن تستند مسؤوليته إلى أدلة على أوامر مباشرة صدرت على المستوى المحلي، أو إلى مشاركة شخصية في قرار عملياتي محدد في درعا. ولذلك يتعين على النيابة العامة الاعتماد على أدلة وثائقية لتوجيهات القيادة من المستوى الرئاسي، أو على استنتاج قانوني منضبط من أنماط العنف الممنهج التي وقعت ضمن سلطته القيادية.
وتتفاقم هذه الصعوبات الفقهية بفعل إشكالية زمنية. فجرائم الحرب تتطلب وجود صلة بنزاع مسلح، خلافا للجرائم ضد الإنسانية التي لا تتطلب ذلك. ولم تشمل أحداث درعا الأولى في فبراير/شباط، ومارس/آذار 2011 مقاومة مسلحة منظمة. وقد حددت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا شهر فبراير/شباط 2012 تاريخا لنشوء نزاع مسلح غير دولي، في حين رأت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الوضع بلغ هذا الحد الأدنى في يوليو/تموز 2012. وعليه فإن طبقت المحكمة إطار جرائم الحرب على أفعال سبقت استيفاء المعايير الدولية المتعلقة بالشدة والتنظيم، فإنها ترتكب خطأ قانونيا قابلا للطعن.
لا تكمن قيمة هذه الإجراءات في عدد الإدانات التي تنتجها، بل في نزاهة السجل القضائي الذي تتركه وراءها. وكل ثغرة جرى تحديدها هنا، تظل قابلة للعلاج ضمن الإجراءات نفسها. غير أن الفجوة المتمثلة في غياب تشريع وطني يعرف الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، ومسؤولية القائد، والمفاهيم ذات الصلة، لا يمكن علاجها بالتفسير القضائي وحده، بل تتطلب إصلاحا تشريعيا.
ومن دون هذا الإصلاح، ستظل المحاكم السورية مضطرة إلى أداء دور تفسيري معقد يتجاوز الوظيفة القضائية العادية، إذ تستنبط المبادئ المستقرة في القانون الدولي العرفي من خلال المادة (12) من الإعلان الدستوري بدلا من تطبيقها عبر إطار تشريعي واضح. وفي ظل هذه الظروف، ستواجه كل قضية خطر إفلات مرتكبي أشد الجرائم خطورة من المساءلة القانونية الكاملة لأسباب لا صلة لها بالأدلة القائمة ضدهم، بل بالأدوات التي عجز القانون عن توفيرها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة