في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بين عناوين الأخبار المتتالية التي تتنقل من حدث إلى حدث، تتكشف قصص إنسانية عصية، يختبرها أصحابها بحذافيرها، دون أن يملكوا القدرة على تجاوز واقعهم بالتقليب من شاشة إلى أخرى.
وتكشف هذه التجارب عن الجانب الآخر للأحداث المتتالية للحرب الإسرائيلية على غزة، لأشخاص عايشوا تفاصيل التهجير والقتل والتجويع ببطء، دون رقيب ولا حسيب.
وتكشف صحيفتا نيويورك تايمز الأمريكية وفايننشال تايمز البريطانية عن جوانب مختلفة من الكارثة الإنسانية المتواصلة في غزة، لكنهما تلتقيان عند نتيجة واحدة، وهي أن الحرب لم تقتصر على القتل والدمار المباشر، بل أعادت تشكيل الحياة اليومية للفلسطينيين عبر الجوع والمرض والنزوح وانهيار الخدمات الأساسية.
وفي تقرير بعنوان "تكلفة البقاء في غزة"، تناولت مراسلة نيويورك تايمز إيما غولدبرغ والصحفية الاستقصائية إيميلي كاسي، قصة الفلسطيني صالح أبو شمالة، الذي أنفق ما يزيد على 250 ألف دولار في لندن، ضمن محاولات يائسة لإبقاء عائلته بغزة على قيد الحياة.
بدورها نشرت الصحفية هبة صالح، مراسلة فايننشال تايمز في مصر، تقريرا مفصلا بعنوان "آفة القوارض التي ترهب غزة"، لتسلط الضوء على أزمة داخل مخيمات النزوح، حيث أدى الدمار وتراكم الأنقاض والنفايات وتعطل شبكات المياه والصرف الصحي إلى انتشار القوارض والحشرات بين مئات آلاف النازحين.
لم يعد الفلسطيني صالح أبو شمالة يعيش حياة طبيعية منذ اندلاع الحرب على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ تحولت أيامه إلى سباق يومي لإنقاذ عائلته المحاصرة في القطاع، في وقت تراكمت عليه فيه الديون، وخسر مدخراته، وتابع من غربته في لندن تفاصيل الموت والجوع والتهجير التي شملت أقرب الناس إليه.
وبحسب نيويورك تايمز، يبلغ صالح من العمر 34 عاما ويقيم في بريطانيا، في حين بقي والداه وإخوته، صالح ورشاد وراجي وعبد الرحمن وشيماء في غزة.
وخلال أكثر من عامين من الحرب، أنفق صالح ما يزيد على 250 ألف دولار في محاولة لإبقائهم على قيد الحياة، قبل أن يجد نفسه غارقا في ديون تجاوزت 125 ألف دولار.
لكن العبء المالي لم يكن سوى جزء من المأساة، فالرجل الذي غادر غزة عام 2022 بحثا عن مستقبل أكثر أمنا، وجد نفسه بعد أشهر قليلة يتابع من بعيد انهيار عالمه بالكامل تحت القصف الإسرائيلي.
ويروي صالح للصحيفة أن أولى الصدمات الكبرى في حياته وقعت وهو طفل عندما قتلت شقيقته شيماء قرب منزل العائلة في رفح بنيران دبابة إسرائيلية خلال الانتفاضة الثانية، وكان عمره آنذاك 10 أعوام فقط.
ويستذكر صالح المشهد الصادم، عندما حمل والده الطفلة الصغيرة ذات الأعوام الثمانية ، وركض بها إلى المستشفى، قبل أن يعود والأسى على وجهه وثيابه مغطاة بالدماء.
وقال صالح إن صدمة فقدان شقيقته بقيت ترافقه سنوات طويلة، لكنها لم تكن سوى مقدمة لسلسلة أخرى من المآسي التي ستضرب العائلة لاحقا، ففي عام 2021 دمرت غارة إسرائيلية شقة صالح، ليقرر بعدها بصعوبة السفر إلى لندن للالتحاق ببرنامج الماجستير في جامعة إكستر في بريطانيا.
ومع بدء الحرب الأخيرة، انقطعت الاتصالات مع عائلته لأيام، وعندما تمكن شقيقه رشاد أخيرا من التواصل معه، كانت الغارات الإسرائيلية قد بدأت بالفعل تحصد الأرواح وتدفع السكان إلى النزوح الجماعي، طبقا للصحيفة.
ونقلت الصحيفة إحدى رسائل صالح لشقيقه حينذاك، حيث قال قلقا "لن يتركوا حجرا فوق حجر".
وبعد ذلك تحولت حياة الشاب إلى غرفة عمليات دائمة، يتابع منها الأخبار والشبكات الاجتماعية ويرسل طلبات المساعدة إلى السفارات والمنظمات الإنسانية، ويحاول جمع الأموال وإرسالها إلى غزة.
ووفقا للتقرير، واجهت عائلة صالح واقعا اقتصاديا خانقا تفاقم بفعل الحصار والقيود الإسرائيلية المفروضة على دخول البضائع إلى القطاع.
وتؤكد الصحيفة أن إسرائيل لم تسمح إلا لعدد محدود جدا من التجار الفلسطينيين بالحصول على تصاريح الاستيراد، وأدى هذا القرار إلى احتكار التجارة وغياب المنافسة، وظهور طبقات من الوسطاء والرسوم الباهظة التي يدفعها التجار مقابل دخول كل شاحنة إلى القطاع.
وتشير الصحيفة إلى أن تكلفة شحنة قيمتها الأصلية 100 شيكل (نحو 28 دولارا) قد ترتفع إلى أكثر من 20 ألف شيكل (قرابة 5 آلاف و700 دولار) عند وصولها إلى القطاع.
ومع ارتفاع رسوم التنسيق والنقل -حسب التقرير- أعلن رئيس الغرفة التجارية بغزة أن مجموع الرسوم المدفوعة منذ بداية الحرب تجاوز 1.5 مليار دولار، كما نشأت سوق سوداء ضخمة موازية لتهريب السلع مقابل أرباح هائلة.
وكانت النتيجة كارثية على السكان، إذ ارتفع سعر كيلو الدقيق من نحو نصف دولار قبل الحرب إلى 27 دولارا، كما ارتفع سعر كيلو البيض من 2.5 دولار إلى 130 دولارا، وصعد سعر غاز الطهي من دولارين للكيلوغرام إلى نحو 190 دولارا، مما جعل الغذاء والاحتياجات الأساسية بعيدة عن متناول غالبية العائلات.
وفي ظل ذلك الواقع، اضطر صالح إلى اللجوء إلى وسطاء وشبكات تحويل أموال غير رسمية لإرسال المساعدات إلى أسرته.
وصلت عمولات بعض الوسطاء إلى 60% من قيمة الأموال المحولة
ووصلت عمولات بعض الوسطاء إلى 60% من قيمة الأموال المحولة، مما يعني أن كل 100 دولار كان يرسلها لا يصل منها إلى عائلته سوى 40 دولارا.
ومع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية، اضطرت الأسرة إلى مغادرة رفح والنزوح إلى منطقة المواصي قرب خان يونس، وهناك – بعد رحلة طويلة وفق الصحيفة – عاش أفراد العائلة في خيام بدائية وسط نقص الغذاء والمياه والدواء.
ورغم محاولات صالح الحثيثة لإخراج عائلته، ودفعه مبالغ طائلة في سبيل ذلك، باءت جهوده بالفشل بعد إغلاق معبر رفح عام 2024، ليفقد بذلك هو وعائلته الأمل في خروجهم بعد أشهر من المحاولة، في واحدة من أكثر اللحظات صعوبة على نفسه، وفق تعبيره.
وكانت حالة والد صالح، كمال أبو شمالة من أصعب الحالات في العائلة، فهو مصاب بالتصلب المتعدد ويعتمد على جهاز لتنظيم ضربات القلب، مما جعل حصوله على العلاج مسألة حياة أو موت.
وفي أواخر عام 2024 تعرض كمال لجلطة دماغية ونقل إلى مجمع ناصر الطبي في خان يونس، أحد المستشفيات القليلة التي واصلت العمل رغم الحرب، ولكن للأسف – تتابع الصحيفة – كانت الأدوية المطلوبة نادرة وباهظة الثمن، في وقت كانت فيه الإمدادات الطبية تتراجع بصورة حادة.
ولم تتوقف معاناة كمال عند هذا الحد، فبعد أيام من تعرضه لسلسلة جلطات جديدة في مايو/أيار 2025، قصفت القوات الإسرائيلية القسم الجراحي في المستشفى الذي كان يتلقى العلاج فيه، مما أسفر عن استشهاد شخصين وإلحاق أضرار كبيرة بالمبنى.
وبعد القصف اضطر الرجل المريض إلى مغادرة المستشفى والعودة إلى الخيمة، حيث تولى أبناؤه رعايته في ظروف شديدة القسوة، عندما كانوا يكافحون لتأمين الأدوية الضرورية له.
غير أن الضربة الأكثر إيلاما للعائلة جاءت في يونيو/حزيران 2025 – طبقا للصحيفة – حين كان رشاد في المستشفى يتابع معاملات والده الطبية، في حين كان شقيقه راجي (27 عاما) يساعد والدته في إعداد الطعام داخل المخيم، وأثناء إشعال النار لتحضير وجبة الغداء، ضربته غارة إسرائيلية مباشرة أمام والدته.
وفي لندن استيقظ صالح فجرا على اتصال مفاجئ من رشاد ليقول له: "لقد فقدنا راجي"، ويصف صالح تلك اللحظة بأنها كانت من أكثر اللحظات قسوة في حياته، خاصة بعد أن انتبه إلى أنه فوت مكالمة من أخيه الصغير قبل يوم من استشهاده.
ويضيف صالح "لم أتجاهل اتصالا من راجي سوى مرة واحدة، وربما كان الاتصال الوحيد الذي لم أرد عليه خلال عامين"، وأخبر الصحيفة بأن الأسرة دفعت مبلغا مرتفعا للحصول على قبر لدفنه، في مشهد يلخص كيف امتدت آثار الحرب حتى إلى تفاصيل الموت نفسه.
أما ريم والدة صالح، فقد دخلت بعد مقتل ابنها في حالة انهيار نفسي شديد، وأصيبت بنوبات ارتجاف متكررة، وكانت تمضي ليالي طويلة وهي تبكي وتصرخ من شدة الألم والحزن.
ومع ذلك، وفي ظل الأوضاع القاسية، لم تجد العائلة "وقتا للأسى"، وفق تعبير رشاد، فالبحث عن الطعام والدواء والمياه ومستلزمات البقاء كان يطغى على كل شيء.
شهداء قضوا بنيران الاحتلال في وقت سابق عند نقطة توزيع المساعدات بالقرب من محور نتساريم (الفرنسية)وفي عام 2025، دخلت الأزمة مرحلة جديدة بعد الحصار الإسرائيلي الكامل للمساعدات والبضائع، وأشار التحقيق إلى أن المجاعة انتشرت في أنحاء القطاع، واضطر أفراد عائلة صالح إلى طحن الحبوب والعدس لصناعة الخبز.
وبعد ذلك جرى استبدال نظام المساعدات التقليدي بـ" مؤسسة غزة الإنسانية " المدعومة أمريكيا، وبحسب الأمم المتحدة، قُتل قرابة ألف شخص قرب مواقع توزيع المساعدات التي أُنشئت خلال الحرب، وكان معظمهم بنيران إسرائيلية، وفق ما أورده التقرير.
صوت الرصاصة وهي تخترق جمجمة الطفل ذكّرت رشاد بصوت انقسام حبة بطيخ
وفي إحدى الحوادث التي رواها التقرير، توجه رشاد إلى منطقة توزيع مساعدات في رفح أملا في الحصول على الطحين، وهناك شاهد حشودا كبيرة من المدنيين، بينهم أطفال ينتظرون الحصول على الغذاء.
وقال إنه رأى إطلاق نار قرب الحشود المتجهة نحو مركز التوزيع، وبينما كان طفل صغير يحتمي مع والده خلف جدار، أطل برأسه للحظة فأصيب برصاصة في الرأس. ووصف رشاد المشهد قائلا إن صوت الرصاصة وهي تخترق جمجمة الطفل ذكّرته بصوت انقسام حبة بطيخ.
مظاهرة مناهضة لحرب غزة في لندن، 7 أكتوبر/تشرين الأول 2025 (غيتي)وفي لندن، كان صالح يعيش حربا من نوع مختلف، فقد أصبح النوم مهمة شبه مستحيلة، وأخذ يستيقظ ليلا على وقع الأخبار والمكالمات القادمة من غزة، كما عانى من آلام في الفك بسبب طحن أسنانه أثناء النوم، وفقد القدرة على التركيز في أبسط تفاصيل حياته اليومية.
وتحول شعوره بالنجاة إلى عبء نفسي ثقيل، فكل وجبة كان يتناولها كانت تذكره بأن عائلته تكافح للحصول على رغيف خبز، وكل زيارة لمتجر أو حديقة كانت تثير داخله إحساسا بالذنب تجاه من تركهم خلفه.
أستطيع أن أفهم أن الشخص الذي يقف أمامي في المرآة هو أنا، لكن الوجه تغيّر تماما
بواسطة صالح لنيويورك تايمز
ورغم كل ما أنفقه وكل ما اقترضه، لا يزال صالح حتى اليوم يخشى على مستقبل أسرته، فوالده يعاني تدهورا صحيا مستمرا، ووالدته لم تتعاف من صدمة مقتل راجي، في حين يواجه أشقاؤه آثار سنوات من الحرب والنزوح والفقدان.
ويختصر صالح التحول الذي أصابه بقوله "أستطيع أن أفهم أن الشخص الذي يقف أمامي في المرآة هو أنا، لكن الوجه تغيّر تماما".
وترسم قصة صالح أبو شمالة، كما عرضتها نيويورك تايمز، كيف امتدت آثار الحرب الإسرائيلية على غزة إلى ما هو أبعد من القصف والدمار المباشر، لتشمل التهجير المتكرر، وفقدان الأحبة، وانهيار النظام الصحي، وانتشار الجوع، واستنزاف العائلات نفسيا وماديا.
بدورها تقول صحيفة فايننشال تايمز إن آلاف العائلات الفلسطينية التي تعيش في الخيام وسط الركام تواجه خطرا متزايدا من الجرذان والحشرات، التي أصبحت تقتحم أماكن السكن المؤقتة وتفسد الطعام وتهاجم الأطفال، في ظل غياب الخدمات الأساسية وتراكم النفايات وتدفق مياه الصرف الصحي.
ويصف الكاتب الفلسطيني مالك شنباري، الذي يعيش مع زوجته وطفليه في خيمة بمنطقة المواصي جنوبي القطاع، حجم المأساة قائلا إن خمسة رجال اضطروا للتعاون من أجل القضاء على قارض ضخم اقتحم خيمتهم.
ويقول شنباري إن القارض "كان بحجم الأرنب" وأثار الرعب في نفوس أطفاله، مضيفا أن هذه الحيوانات تكاثرت بشكل كبير وسط الركام المنتشر في أنحاء القطاع.
ويوضح الرجل أن القوارض تمزق الملابس وتلحق أضرارا يومية بمقتنيات العائلات التي فقدت أصلا معظم ما تملك خلال الحرب.
وتشير الصحيفة إلى أن أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون اليوم في جزء صغير من القطاع بعد أن فرضت إسرائيل سيطرتها على نحو 60% من أراضي غزة، كما يقيم أكثر من 80% من السكان داخل خيام أو مبان مدمرة جزئيا.
وفي هذه الظروف القاسية، تحولت مخيمات النزوح إلى بيئة مثالية لتكاثر الآفات، لأن النفايات تتكدس قرب أماكن السكن، ومياه الصرف الصحي تتدفق بين الخيام، فيما تعاني العائلات نقصا حادا في المياه النظيفة ومواد النظافة.
وتقول الدكتورة سالي صالح، المسؤولة عن الاستجابة الطارئة في منظمة "المساعدات الطبية للفلسطينيين" البريطانية، إن انتشار القوارض والحشرات يرتبط مباشرة بانهيار أنظمة المياه والصرف الصحي والرعاية الصحية والتغذية في القطاع.
وبحسب بيانات الأمم المتحدة، توقفت نحو 80% من محطات ضخ مياه الصرف الصحي عن العمل، مما أدى إلى تدفق عشرات آلاف الأمتار المكعبة من المياه العادمة يوميا نحو البحر والمناطق السكنية ومخيمات النازحين.
الجرذان والبعوض أصبحت جزءا من الحياة اليومية للسكان. نمزح أحيانا بأنها أصبحت تعيش معنا مثل أطفالنا
بواسطة الفلسطيني عمران أبو وردة لفايننشال تايمز
وفي مخيمات جباليا شمالي القطاع، تؤكد فايننشال تايمز أن السكان يضطرون إلى استخدام حفر بدائية كمراحيض بسبب انهيار شبكات الصرف الصحي.
طفلة فلسطينية تصب الماء في مرحاض مؤقت في خيمة عائلتها في خان يونس (أسوشيتد برس)
ويقول عمران أبو وردة – وهو أب لخمسة أطفال – إن "الجرذان والبعوض أصبحت جزءا من الحياة اليومية للسكان. نمزح أحيانا بأنها أصبحت تعيش معنا مثل أطفالنا".
وترى الصحيفة أن أزمة القوارض ليست مشكلة منفصلة، بل نتيجة مباشرة للدمار الواسع الذي خلفته الحرب، وتعثر جهود إعادة الإعمار، واستمرار القيود على دخول المعدات والمواد اللازمة لإصلاح البنية التحتية.
وهكذا، ترسم الصحيفتان صورة لمجتمع يعيش تحت ضغط إنساني متواصل، إذ تعكس قصة صالح الفردية تجربة آلاف العائلات الفلسطينية التي وجدت نفسها تخوض معركة يومية من أجل البقاء، بينما تؤكد فايننشال تايمز استمرار المأساة في مخيمات نزوح تفتقر إلى أبسط مقومات العيش، مع انتشار الجوع والأمراض والقوارض بين مئات آلاف النازحين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة