آخر الأخبار

عاصفة مينسك.. لماذا ينشر بوتين أسلحة نووية في قلب أوروبا؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في صيف عام 2024، أجرت روسيا وبيلاروسيا 3 مراحل متعاقبة من التدريبات النووية التكتيكية المشتركة، أي المرتبطة بأسلحة نووية مخصصة للاستخدام داخل مسرح عمليات محدد، لا لضرب العمق الإستراتيجي للخصم. وبحسب التقارير، تدرَّبت الوحدات البيلاروسية إلى جانب أفراد من المديرية الرئيسية الثانية عشرة "غومو 12" بوزارة الدفاع الروسية، المسؤولة عن الذخائر النووية، وتضمنت التدريبات محاكاة "دورة قرار وإطلاق" كاملة، بزمن لا يتجاوز 30 دقيقة بين صدور الأمر وتنفيذه.

وتعني دورة القرار النووي سلسلة الخطوات التي تبدأ بوصول الإشارة السياسية باستخدام السلاح، مرورا بنقل الأمر إلى الوحدة العسكرية وفك أقفال التخزين، ثم نقل الذخيرة إلى منصة الإيصال وتجهيزها للإطلاق، وصولا إلى تنفيذ الإطلاق. وتقليص هذه الدورة إلى نصف ساعة يعني أن المنظومة المنشورة في بيلاروسيا أصبحت في حالة جاهزية تشغيلية كاملة، وليست في حالة تخزين احتياطي.

"بيلاروسيا لم تعد تستضيف رؤوسا نووية مخزنة فحسب، بل منظومة نووية مكتملة الأركان من حيث القرار والإيصال والتنفيذ"

اللافت أن التدريبات استخدمت منظومتين تمثلان ضلعين من أضلاع الثالوث النووي الروسي، هما: منظومات "إسكندر-إم" البرية، وهي صواريخ باليستية قصيرة المدى قادرة على حمل رؤوس تقليدية أو نووية، وهي بمثابة ضلع الإيصال البري، وطائرات "سو-25" المعدلة، وهي ضلع الإيصال الجوي. ويعني ذلك أن بيلاروسيا لم تعد تستضيف رؤوسا نووية مخزنة فحسب، بل منظومة نووية مكتملة الأركان من حيث القرار والإيصال والتنفيذ.

مصدر الصورة منصات إطلاق صواريخ "إسكندر-إم" وهي صواريخ باليستية قصيرة المدى قادرة على حمل رؤوس تقليدية أو نووية (رويترز)

بعد ذلك بأشهر قليلة، تحديدا في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وقَّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوم العقيدة النووية الروسية المحدثة، الذي أدخل بيلاروسيا صراحة ضمن نطاق الردع النووي الروسي لأول مرة منذ نهاية الحرب الباردة؛ إذ نصَّ المرسوم على أن أي اعتداء تقليدي يخلق "تهديدا حَرِجا لسيادة الاتحاد الروسي و/أو جمهورية بيلاروسيا" قد يفتح المجال أمام رد نووي. وقد جاء هذا التحديث في أعقاب إعطاء واشنطن الضوء الأخضر لأوكرانيا لاستخدام صواريخها بعيدة المدى داخل العمق الإستراتيجي الروسي.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 طموح أنقرة الباليستي.. لماذا تبني تركيا برنامجا صاروخيا متطورا؟
* list 2 of 2 مؤسسة المرشد.. "الهيدرا" الأسطورية التي حمت إيران بعد اغتيال خامنئي end of list
إعلان

هذه التطورات ليست معزولة عن مسار رسمي بدأ قبلها بعامين. ففي فبراير/شباط 2022، ومع الأيام الأولى للحرب الأوكرانية، أجرت بيلاروسيا استفتاء دستوريا ألغى المادة 18، التي كانت تنص على حياد الدولة وخلوِّها من السلاح النووي، ما فتح الباب قانونيا أمام استضافة الترسانة النووية الروسية. بعد ذلك بعام، في مارس/آذار 2023، أعلن بوتين للمرة الأولى أن روسيا ستنشر أسلحة نووية تكتيكية على الأراضي البيلاروسية. ولم يكن الإعلان خطوة مفاجئة بالكامل؛ إذ كانت البنية التحتية المادية قيد التحضير منذ سنوات في قواعد قرب مدينة "أسيبوفيتشي" البيلاروسية، بالتوازي مع تجهيز عشر طائرات بيلاروسية من طراز "سو-25" لتكون قادرة على حمل ذخائر نووية.

"فتح إلغاء المادة 18 من الدستور البيلاروسي عام 2022 الباب قانونيا أمام استضافة الترسانة النووية الروسية"

بهذا المعنى، لا يُعَد نشر الأسلحة النووية الروسية في بيلاروسيا قرارا منفصلا، بل نتيجة تدرُّج قانوني وعسكري طويل. لكن هذا التدرُّج لا يجيب وحده عن السؤال الأهم: ما الذي تغير فعليا في بنية الردع النووي الروسي بعد نقل هذه الأسلحة إلى بيلاروسيا؟ وما المكسب العسكري الذي تحققه موسكو من هذا التموضع، وهي لا تزال طرفا في معاهدة عدم الانتشار النووي، التي تحظر نقل السلاح النووي إلى دولة غير نووية؟ تجيب موسكو بأن ترتيبها مع مينسك لا ينتهك المعاهدة ما دامت السيطرة الفعلية على الذخائر باقية بيدها وحدها، وهي الحجة نفسها التي تستخدمها واشنطن للدفاع عن ترتيبات المشاركة النووية داخل حلف الناتو.

من يملك المفتاح فعلا؟

"الدرع النووي الروسي هو الضامن الوحيد للاستقلال والسيادة في عالم اليوم الخطر"

بواسطة (البطريرك كيريل الأول، بطريرك موسكو ورأس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية)

يستند ادعاء موسكو بخصوص سيطرتها الكاملة على الذخائر النووية المنشورة في بيلاروسيا إلى بنية تقنية وقيادية موروثة من العهد السوفياتي. وبحسب الباحث المتخصص في القوات النووية الروسية بافل بودفيغ، تقوم منظومة القيادة والسيطرة النووية الروسية على ركيزتين، الأولى ضمان التنفيذ "المأذون"؛ حيث يمنح الدستور الروسي لرئيس الدولة الصلاحية الحصرية لاتخاذ قرار استخدام الأسلحة النووية. وحتى في أسوأ السيناريوهات، مثل تعرُّض القيادة الروسية لما يُعرف بـ "ضربة قطع الرأس"، كان السوفيات قد طوَّروا نظاما احتياطيا يُعرف باسم "بيريميتر"، يستطيع في ظروف محددة للغاية تمرير أوامر إطلاق شبه آلية إذا فُقِد الاتصال بالقيادة وتأكَّد وقوع هجوم نووي على الأراضي الروسية.

"نظام الإطلاق النووي الروسي لا يقوم على فكرة الزر الأحمر، بل على فصل مادي وإلكتروني بين سلسلة أوامر الإطلاق وسلسلة رموز المصادقة التي تفكُّ الأقفال النووية"

أما الركيزة الثانية، فهي الأهم عند الحديث عن بيلاروسيا، لأنها تتعلق بالطريقة التي تمنع أي استخدام منفرد أو عرضي للسلاح النووي. فنظام الإطلاق النووي الروسي لا يقوم على فكرة "زر أحمر"، بل على فصل مادي وإلكتروني بين سلسلة أوامر الإطلاق وسلسلة رموز المصادقة التي تفكُّ الأقفال النووية. وفي ظروف السلم، تبقى الحلقتان منفصلتيْن، بحيث لا يستطيع أي طاقم إطلاق السلاح بمفرده، حتى لو امتلك المنصة أو الذخيرة. ولا تتصل هذه الحلقات إلا بعد صدور "الأمر التمهيدي" من الرئيس الروسي، كما أن أمر الإطلاق مرتبط بتلقي إشارة من أنظمة الإنذار المبكر تفيد بتعرُّض البلاد لهجوم، وإذا أرادت القيادة الاستباق وتوجيه ضربة أولى، فيجب توليد هذه الإشارة يدويا من مركز القيادة المركزي، وبموافقة مشتركة في تلك الحالة من الرئيس ووزير الدفاع، حتى لا ينفرد شخص واحد بالقرار النووي.

مصدر الصورة خريطة بيلاروسيا (الجزيرة)

غير أن هذا الوضوح التقني يتعارض مع تصريحات صادرة من مينسك وموسكو توحي بوجود ترتيبات تشاركية على مستوى ما دون قرار الإطلاق النهائي. فقد تحدَّث سيرغي ليبيديف أمين عام رابطة الدول المستقلة عن "زِر نووي مزدوج" يستلزم قرار الدولتين معا لاستخدام السلاح، وهي صياغة لا تجد سندا واضحا في البنية التقنية للمنظومة، لكنها تخدم رواية الشراكة بين موسكو ومينسك. فيما ذهب الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو أبعد من ذلك، حين أعلن في يونيو/حزيران 2023 أنه "لن يتردد لحظة في استخدام هذه الأسلحة" إذا تعرضت بيلاروسيا للعدوان، في تصريح يناقض تأكيد بوتين أن السيطرة تبقى لموسكو.

إعلان

هذا التشابك في المسؤولية، حتى إن ظل رمزيا، يحمل دلالة سياسية محسوبة؛ فهو يوزع كلفة أي قرار نووي محتمل بين موسكو ومينسك، لكنه في الوقت نفسه يضع بيلاروسيا في موقع بالغ الخطورة. فكما يشير ستيفن بيفر، الباحث في شؤون الحد من التسلُّح ومنع الانتشار النووي في معهد "بروكينغز"، واجه الناتو خلال الحرب الباردة سؤالا مشابها: إذا اضطر إلى رد نووي على استخدام سوفياتي أول، فهل يضرب العمق السوفياتي نفسه، أم يختار أهدافا في دول حلف وارسو التابعة لموسكو لتجنُّب تصعيد مباشر مع السوفيات؟

في ذلك الوقت، فضَّل كثيرون استهداف دول حليفة لموسكو، مثل ألمانيا الشرقية وبولندا وتشيكوسلوفاكيا والمجر وبلغاريا، بدلا من التصعيد المباشر مع الاتحاد السوفياتي، وهو المنطق الذي قد يعود اليوم في الحالة البيلاروسية. فإذا استخدمت روسيا سلاحا نوويا تكتيكيا، قد يتردَّد الناتو في ضرب الأراضي الروسية نفسها خشية فتح باب تصعيد إستراتيجي واسع، لكنه قد يرى في الأهداف العسكرية الروسية داخل بيلاروسيا خيارًا انتقاميا أقل خطورة.

"إذا استخدمت موسكو سلاحا نوويا تكتيكيا، قد يتردَّد الناتو في ضرب الأراضي الروسية نفسها ويقرر استهداف بيلاروسيا بوصفها شريك روسيا النووي"

وتؤكد محاكاة عسكرية أُجريت أثناء إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما هذا الاحتمال. ففي سيناريو استخدمت فيه روسيا أسلحة نووية تكتيكية، خلص المشاركون إلى ضرورة رد نووي، لكنهم اعتبروا ضرب روسيا نفسها استفزازيا إلى حد قد يُفجِّر مواجهة أوسع؛ لذلك اختاروا استهداف موقعين عسكريَّيْن في بيلاروسيا. بهذا المعنى، لا تمنح الأسلحة النووية لوكاشينكو مظلة ردع مجانية، بل تجعل بلاده نقطة الصفر في أي تصعيد نووي محدود بين روسيا والغرب.

مصدر الصورة الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو لوح باستخدام النووي إذا تعرضت بلاده للاعتداء (رويترز)

لماذا "أسيبوفيتشي"؟

على المستوى الجغرافي، لم يكن تجهيز أسيبوفيتشي بالبنية التحتية اللازمة خيارا اعتباطيا. فالمدينة الواقعة جنوب العاصمة مينسك تبعد نحو 200 كيلومتر عن الحدود الأوكرانية، و240 كيلومترا عن ليتوانيا، و325 كيلومترا عن بولندا. هذه المسافات تمنحها ما يشبه "العمق الآمن"، فهي بعيدة بما يكفي لتعقيد أي استهداف أوكراني مباشر، وقريبة بما يكفي لإبقاء أهداف في دول الناتو ضمن المدى التشغيلي لمنظومة "إسكندر-إم".

وتتضح قيمة هذا الاختيار عند مقارنته بقاعدة "غوميل-30″، الواقعة في قرية "زاريتشي"، والتي كانت من أبرز مستودعات الأسلحة النووية السوفياتية في بيلاروسيا. فرغم أنها صُممت أصلا لتخزين الرؤوس النووية وفق متطلبات أمنية خاصة، فإن قربها الشديد من الحدود الأوكرانية، على مسافة 73 كيلومترا فقط، جعلها خيارا أكثر هشاشة أمام الصواريخ الأوكرانية متوسطة المدى.

"أسيبوفيتشي لا تمنح موسكو عمقا جغرافيا فحسب، بل تختصر أيضا المسافة بين التخزين والإطلاق"

ثم إن "أسيبوفيتشي" لا تمنح موسكو عمقا جغرافيا فحسب، بل تختصر أيضا المسافة بين التخزين والإطلاق. ففيها يتمركز لواء الصواريخ 465 البيلاروسي المسؤول عن تشغيل منظومات "إسكندر-إم"، بينما تقع القاعدة 1405 لذخائر المدفعية على بُعد كيلومترات قليلة منها، ويُرجَّح بقوة أنها الموقع المخصص لتخزين الرؤوس النووية.

وتكشف صور الأقمار الصناعية حجم التحول الذي شهدته القاعدتان بعد إعلان مارس/آذار 2023. ففي أبريل/نيسان من العام نفسه، أكمل لواء الصواريخ 465 حظائر جديدة مخصصة لمنظومات إسكندر. وقد رصد الباحث هانس كريستنسن، من اتحاد العلماء الأمريكيين، هذه الحظائر في صور لشركة ماكسار التُقطت في يوليو/تموز 2023، وظهرت فيها أربع منصات إطلاق إسكندر، قبل أن تُظهر صور الأقمار الصناعية، بنهاية فبراير/شباط 2025، اكتمال البنية تقريبا بما يكفي لاستضافة لواء صواريخ جديد كامل، يضم 12 منصة إطلاق قادرة على حمل ذخائر نووية.

مصدر الصورة أسيبوفيتشي تختصر المسافة بين تخزين وإطلاق السلاح النووي (غيتي إيميجز)

في الوقت ذاته، بنيت في قاعدة الذخائر 1405 تحصينات بارزة، كما شهدت توسعات واضحة. وبحسب باحثي "مركز التحليلات البحرية الأمريكي"، فقد بات تصميم أسوارها وأنماط تباعدها متطابقا مع منشآت تخزين نووية روسية تديرها "غومو-12" داخل روسيا، مثل برايانسك-18 وبيلغورود-22 وفولوغدا-20. كما رُصد داخلها "كوخ تخزين" (Igloo)، وهو مخزن محصن يُستخدم عادة للرؤوس النووية. ومع أن هذه المؤشرات لا تثبت وحدها وجود رؤوس نووية فعلية في الموقع، لكنها تشير بوضوح إلى أن القاعدة جُهزت لاستضافتها وفق المعايير نفسها التي تعتمدها منشآت "غومو-12" الروسية.

إعلان

أما الأهم، فهو خط السكة الحديدية المخصص بين القاعدة 1405 ولواء الصواريخ 465؛ فهذا الخط هو ما يمنح البنية كلها معناها التشغيلي. وقد بدأ بناؤه في صيف 2024، ويمتد لنحو 12 كيلومترا، ليختصر زمن نقل الذخيرة من المخزن إلى منصة الإطلاق إلى نحو 30 دقيقة، وهو الزمن نفسه الذي اختُبر في تدريبات "دورة القرار والإطلاق" صيف ذلك العام.

مصدر الصورة قاعدة ليدا تستضيف اللواء الجوي 116 المسلَّح بطائرات "سو-25" وتتميز بقربها من الحدود الليتوانية ومن ممر سوفالكي (الفرنسية)

ويقع الضلع الجوي من البنية النووية غرب البلاد، في قاعدة ليدا التي تستضيف اللواء الجوي 116 المسلَّح بطائرات "سو-25". وتتميز ليدا بقربها من الحدود الليتوانية (40 كيلومترا)، وقربها أيضا من ممر سوفالكي، وهو شريط حدودي ضيق يفصل بين بيلاروسيا وجيب كالينينغراد الروسي في البلطيق، ويربط في الوقت نفسه بولندا ودول البلطيق الثلاث، بما يمنح طائرات "سو-25" المعدلة قدرة على ضرب أهداف في عمق دول البلطيق وشمال بولندا في غضون دقائق معدودة من الإقلاع.

اللافت أن ليدا، مقارنةً بأسيبوفيتشي، لم تشهد سوى تحديثات أمنية محدودة على الأرض، وهو ما يعكس فرقا تشغيليا بين الضلعين. فمنظومات "إسكندر-إم" البرية تتطلب بنية متكاملة للتخزين والصيانة والإطلاق، بينما لا تحتاج طائرات "سو-25" المعدلة إلا إلى منشأة مأمونة لتخزين القنابل النووية، وهو ما يمكن إنجازه بإضافات محدودة على البنية القائمة للقاعدة الجوية.

"لا تحتاج طائرات سو-25 إلا إلى منشأة مأمونة لتخزين القنابل النووية، وهو ما يمكن إنجازه بإضافات محدودة على البنية القائمة للقاعدة الجوية"

كما أن اختيار "سو-25" نفسها يتسق مع منطق التخطيط الروسي القائم على الكلفة الأدنى. فالطائرة، التي يعود عمرها إلى نحو أربعة عقود، تبدو محدودة القدرات مقارنة بطائرات أحدث مثل "سو-30" أو "سو-34″، لكن نسخها السوفياتية الأصلية أُنتجت بقدرات نووية، ما جعل إعادة تأهيلها أسرع وأرخص من تعديل طائرات أحدث.

زمن أقصر و"كمَّاشة" تتشكَّل

بناء على ذلك، تتمثل القيمة العسكرية الأوضح للأراضي البيلاروسية في تقليص زمن استهداف مواقع حيوية في الجناح الشرقي للناتو. فصاروخ يُطلَق من وسط بيلاروسيا يمكن أن يصل إلى وارسو أو فيلنيوس أو ريغا خلال زمن أقصر، بما يضغط على هامش الإنذار والتحقق والرد لدى الحلف. وكلما قصر زمن الطيران، ازدادت صعوبة التمييز السريع بين ضربة تقليدية وأخرى نووية، وضاق الوقت المتاح لاتخاذ قرار محسوب بدلا من قرار متسرع تحت ضغط الأزمة.

مع ذلك، يرى كل من ليفيو هوروفيتز، مدير مشروع تحليل التهديدات الإستراتيجية والاضطراب النووي، وليديا واكس، الباحثة في العلاقات الدولية، أن هذا المكسب ينبغي وضعه في حجمه الحقيقي، لأن روسيا لم تكن عاجزة أصلا عن تهديد أوروبا قبل نشر هذه الأسلحة في بيلاروسيا. فهي تمتلك منظومات نووية متعددة المدى قادرة على ضرب أهداف في عموم القارة، فضلا عن منظومات إسكندر المنشورة منذ سنوات في جيب كالينينغراد الروسي الواقع بين ليتوانيا وبولندا. لذلك، لا يضيف التموضع في بيلاروسيا قدرة نوعية جديدة بقدر ما يضيف محور إطلاق آخر، ويُوزِّع مصادر التهديد على جغرافيا أوسع. وبالمثل، فإن قيمة قاعدة ليدا الجوية تبقى محدودة نسبيا، لأن روسيا استخدمت المجال الجوي البيلاروسي سابقا لنشر طائرات مقاتلة أكثر فاعلية من "سو-25".

"يرى لوكاشينكو في استضافة السلاح النووي وسيلة لجعل نفسه وبلاده أكثر أهمية لموسكو، ومن ثمَّ حماية موقعه ونظامه"

من هذا المنظور، تبدو الفائدة السياسية للنشر أوسع من فائدته العسكرية المباشرة. فوفق هوروفيتز وواكس، يمكن قراءة هذه الإجراءات النووية بوصفها أداة لتوسيع النفوذ الروسي على بيلاروسيا، أكثر من كونها مجرد إضافة إلى الترسانة الروسية. إذ إن لوكاشينكو، الذي حاول طوال أكثر من عقدين الموازنة بين الشرق والغرب مع ميل واضح نحو موسكو، وجد نفسه بعد احتجاجات صيف 2020 واعتماده على الدعم الروسي في قمعها أكثر ارتباطا بالكرملين. ومن المرجح أنه يرى في استضافة السلاح النووي وسيلة لجعل نفسه وبلاده أكثر أهمية لموسكو، ومن ثمَّ حماية موقعه ونظامه. أما موسكو، فتستخدم هذا الاعتماد لطمأنة حليفها من جهة، ولتضييق هامش مناورة مينسك في السياسة الخارجية من جهة أخرى.

القيمة العسكرية الأوضح للأراضي البيلاروسية تتمثل في تقليص زمن استهداف مواقع حيوية في الجناح الشرقي للناتو (الفرنسية)

لكن مقابل هذه القراءة التي ترى في النشر النووي قيمة سياسية أكثر منها إضافة عسكرية حاسمة، يذهب آخرون إلى أن وجود السلاح النووي الروسي في بيلاروسيا يرفع القيمة الإستراتيجية لجيب كالينينغراد نفسه. فروسيا، بتموضعها على طرفي المنطقة، تخلق ما يشبه "كمَّاشة" عسكرية حول دول البلطيق.

إعلان

وللتوضيح، فإن كالينينغراد جيب روسي صغير منفصل عن الأراضي الروسية الرئيسية، يقع على ساحل بحر البلطيق بين بولندا جنوبا وليتوانيا شمالا، وكلتاهما عضو في حلف الناتو. ورغم صغر مساحته، فإنه يُعد من أكثر المناطق تسليحا في أوروبا؛ إذ يضم منظومات إسكندر وبطاريات دفاع جوي من طراز "إس-400" ومدفعية ثقيلة. وتُشكِّل هذه القدرات مجتمعة ما يُعرف عسكريا بمنطقة "منع الوصول وحجب المنطقة"، أي أنها فضاء مُحصَّن صُمم لإعاقة اقتراب قوات الخصم ومنع حركتها بحُرية في محيطه. وفي حال اندلع صراع، يمكن لهذه المنظومة أن تعرقل قدرة الناتو على دعم حلفائه في البلطيق جوا وبحرا وبرا.

"إذا كانت كالينينغراد تضغط على دول البلطيق من الغرب، فإن بيلاروسيا تضغط عليها من الشرق"

هنا تبرز أهمية بيلاروسيا عسكريا. فإذا كانت كالينينغراد تضغط على دول البلطيق من الغرب، فإن بيلاروسيا، المندمجة عمليا في التخطيط العسكري الروسي، تضغط عليها من الشرق. ووجود القدرات الروسية على الجانبين يمنح موسكو قدرة على تهديد طرق الإمداد البولندية والليتوانية من اتجاهين متقابلين، بما قد يبطئ وصول تعزيزات الناتو إلى المنطقة أو يُعقِّده. بهذا المعنى، لا تعود بيلاروسيا منصة نووية منفصلة، بل تصبح الفك الشرقي لكماشة إستراتيجية، يُشكِّل جيب كالينينغراد فكَّها الغربي.

رغم صغر مساحة جيب كالينينغراد فإنه يُعد من أكثر المناطق تسليحا في أوروبا (رويترز)

"الشيء المتروك للصدفة"

في السياق ذاته، قد يتيح نقل منظومات إسكندر إلى بيلاروسيا، نظريا، تحرير منظومات روسية موازية لإعادة نشرها في مسارح أخرى. فتحديات الأمن الروسي لا تقتصر على الجبهة الغربية؛ إذ تمتد إلى القوقاز والشرق الأقصى المحاذي لليابان والقطب الشمالي، وصولا إلى الحدود الطويلة مع الصين وكازاخستان. ووفق هذا المنطق، لا يضيف النشر في بيلاروسيا قدرة إضافية على الجبهة الغربية فحسب، بل يسمح لموسكو بإعادة توزيع قوتها وفق ما يُعرف في التخطيط العسكري بـ "اقتصاد القوة".

غير أن هذا التصور يصطدم بواقع ميداني معاكس. فالمؤشرات المتاحة تفيد بأن روسيا نقلت منظومات إسكندر من ألوية في الشرق الأقصى إلى الجبهة الغربية وبيلاروسيا، لا العكس. وهذا يجعل النشر أقرب إلى تعويض عن ضغط وشُحِّ القدرات المتاحة، لا تعبيرا عن فائض يمكن إعادة توزيعه على مسارح أخرى.

ثم إن التموضع الأمامي لهذه المنظومات لا يمنح موسكو مزايا خالصة. فوجودها في بيلاروسيا يجعلها أكثر عرضة للانكشاف الاستخباري الغربي، وبدرجة من الدقة كان يصعب تحقيقها لو بقيت داخل عمق الإقليم العسكري الغربي الروسي. والنتيجة أن جزءا من الترسانة النووية غير الإستراتيجية أصبح أكثر "شفافية" أمام المراقبة الغربية، بما يقلل من غموضها التشغيلي، وهو أحد عناصر قيمتها الرادعة.

"حين تضع موسكو قدرات نووية في موقع أمامي ومكشوف نسبيا، فإنها تخلق ما يسميه المحللون معضلة استخدمه أو افقده"

ومع ذلك، فإن المكسب الروسي الأهم لا يقوم بالضرورة على نية استخدام السلاح، بل على مجرد وجوده قرب حدود الناتو. فحين تضع موسكو قدرات نووية في موقع أمامي ومكشوف نسبيا، فإنها تخلق ما يسميه المحللون معضلة "استخدمه أو افقده"؛ أي أن صاحب السلاح (روسيا في هذه الحالة) قد يخشى تدميره بضربة معادية، فيميل إلى استخدامه مبكرا بدل خسارته. وهذا وحده يجعل أي حرب على الأراضي البيلاروسية محفوفة بخطر تصعيد إستراتيجي سريع، وهو بالضبط ما تريد موسكو أن يدركه الناتو.

ينبع هذا المنطق من مفهوم "التهديد الذي يترك شيئا للصدفة"، الذي صاغه المفكر الأمريكي توماس شيلينغ، وخلاصته أن الردع لا يقوم دائما على تهديد صريح ومحكوم بالكامل، من قبيل إن هاجمتني رددت عليك بضربة مدمرة. بل قد يصبح أكثر فاعلية حين يتعمد صاحب التهديد إدخال قدر من اللايقين إلى مسار الأزمة، بحيث لا يعود التصعيد خاضعا تماما لإرادة أي طرف، بما ينقل كلفة القرار إلى الخصم نفسه؛ فإما أن يتراجع، وإما أن يخاطر بمسار قد يخرج عن سيطرة الجميع. وتنبع قوة هذا الأسلوب من استغلال خوف الطرف العاقل من المجهول.

هذا بالتحديد ما تفعله موسكو مع بيلاروسيا، التي صارت "الشيء المتروك للصدفة" على حدود الناتو؛ إذ لم يعد الردع الروسي قائما على فعل ممسوك واضح الملامح، بل على ما قد يحدث رُغما عن الجميع، إن اندلعت شرارة قرب هذه الترسانة الأمامية الفتاكة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا لبنان أمريكا إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا