في أبو ظبي، يقول رجل باكستاني شيعي عمل في الإمارات 15 عاماً إن استدعاءً واحداً إلى مركز الهجرة أنهى حياته هناك. صودرت محفظته وهاتفه، وأُلغيت إقامته، ثم سُئل في التحقيق: “هل أنتم شيعة؟”.
بعد ذلك، وُضع على طريق الترحيل من دون تهمة معلنة، ومن دون مسار قضائي، ومن دون فرصة للوصول إلى حساباته المصرفية أو ممتلكاته التي تركها خلفه، كما يؤكد.
شهادته، التي أدلى بها لـ MBN مع طلبه عدم كشف اسمه خوفاً على معارفه الذين ما زالوا في الإمارات، تفتح نافذة على أزمة أوسع وجدت باكستان نفسها في قلبها. فإسلام آباد لم تكن طرفاً في الحرب مع إيران، لكنها دخلت أزمتها من بوابة الوساطة، حين عرضت نفسها قناةً للتفاوض بين واشنطن وطهران.
وفي موازاة ذلك، صار مواطنوها الشيعة في الخليج أكثر عرضة للاشتباه ضمن مناخ أمني إقليمي أكثر تشدداً تجاه أي صلة محتملة بإيران، ولو كانت مذهبية أو اجتماعية.
لا تثبت المعلومات المتاحة حتى الآن وجود رابط مباشر بين هجوم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على حملات رقمية قال إن مقرها باكستان، وبين قرارات الترحيل في الإمارات.
لكن التزامن بين المسارين يكشف كيف جعلت الحرب مع إيران باكستان، ودورها الجديد كوسيط، جزءاً من حسابات أوسع في إسرائيل والخليج: إسرائيل تخشى أن تنتهي الوساطة إلى تسوية لا تحقق أهدافها ضد طهران، ودول خليجية تتعامل مع أيّ صلة محتملة بإيران بوصفها ملفاً أمنياً لا يحتمل الانتظار.
رواية الرجل ليست منفردة. فقد ذكرت رويترز أن قاعدة بيانات أعدتها منظمة شيعية باكستانية أظهرت ترحيل نحو 7500 باكستاني شيعي من الإمارات منذ أواخر فبراير. كما راجعت الوكالة وثائق هجرة وصوراً لحالة التأشيرات وتفاصيل رحلات لعشرات المرحّلين، وأجرت مقابلات مع عدد منهم، ونقلت عن السلطات الإماراتية والباكستانية نفيها أن تكون الترحيلات مرتبطة بالانتماء المذهبي، وقولها إن الإجراءات تتعلق بمخالفات تنظيمية.
لكن الشهادات التي حصلت عليها MBN، إلى جانب روايات نشرتها رويترز، تقدم صورة مختلفة: رجال يقولون إنهم لم يُبلغوا بتهم واضحة، وإنهم أعيدوا إلى باكستان بعد سنوات طويلة من العمل في الإمارات، تاركين وراءهم وظائف ومدخرات ومنازل وسيارات وحسابات لا يستطيعون الوصول إليها.
أحد المرحّلين قال لـ MBN إن إقامته كانت سارية حتى عام 2027، لكنه أُبلغ في اليوم نفسه بأن عليه مغادرة البلاد. وعندما سأل عن السبب، قال إن الجواب الوحيد كان: “لا نستطيع أن نخبرك، لكن عليك أن تغادر”.
أضاف الرجل إن السلطات كانت تفتش الهواتف بحثاً عن أرقام إيرانية أو رسائل مرتبطة بالحرب، لكنه أصرّ على أنه لم ينشر شيئاً سياسياً ولم يكن على اتصال بإيران. وبرأيه، كان معيار الاشتباه واضحاً: الانتماء الشيعي. أكد أن أول سؤال وُجه إليه كان عن مذهبه، ثم جاءت الأسئلة عن خامنئي وإيران، وما إذا كان يعرف أشخاصاً هناك.
ولفت إلى أن السلطات صادرت الهاتف وبطاقات الإمارات وشريحة الهاتف، ما جعله عاجزاً عن الوصول إلى حساباته البنكية أو إدارة شؤونه. وأوضح أن كثيراً من المرحّلين تركوا أسرهم أو ممتلكاتهم أو سياراتهم أو أثاث منازلهم في الإمارات.
سيد قيصر عباس، وهو مسؤول محلي في إقليم خيبر بختونخوا الباكستاني، قدم رواية أوسع. قال لـ MBN إن أولى موجات الترحيل وصلت إلى منطقته في أواخر مارس، وإن آلافاً من مناطق كوهات وهانغو وأوركزاي وباراتشينار تضرروا. أرقامه أعلى من الرقم الذي أوردته رويترز ولا يمكن التحقق منها مستقلاً، لكنه قال إن القاسم المشترك في روايات المرحّلين هو غياب التهمة: “لا جريمة، لا وثائق غير قانونية، لا فساد. جريمتهم الوحيدة أنهم شيعة”.
وفي بيان حصلت عليه MBN، قال محمد أمين شهيدي، رئيس منظمة “أمة واحدة” في باكستان، إن الإمارات بدأت بعد المواجهة مع إيران حملة منظمة لترحيل شيعة باكستانيين.
وقدّر البيان أن أكثر من خمسة آلاف عائلة باكستانية شيعية أُبعدت بعد إلغاء إقاماتها، وأن العدد الإجمالي للمتضررين قد يصل إلى نحو 30 ألف حامل جواز سفر.
وتعكس هذه الأرقام تقديرات جهة سياسية شيعية، وهي ليست إحصاءً مستقلاً، لكنها تكشف حجم الصدمة داخل المجتمع الشيعي الباكستاني، إذا ما صحّت.
منظمة هيومن رايتس ووتش قالت لـ MBN، على لسان مايكل بيج، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن التقارير عن ترحيل مقيمين باكستانيين شيعة من الإمارات “مقلقة للغاية”، مشيرة إلى أنها وثقت سابقاً حالات إخفاء قسري وترحيل لباكستانيين شيعة من الإمارات “على ما يبدو بناءً على خلفيتهم الدينية فقط”، وأنها تحقق حالياً في الادعاءات الجديدة.
راسلت MBN كلاً من وزارتي الخارجية الإماراتية والباكستانية ومكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي للحصول على معلومات حول الموضوع. وحتى لحظة نشر التقرير، لم تتلقَّ أي رد.
بالنسبة إلى إسلام آباد، جاءت أزمة الترحيلات في لحظة صعود دبلوماسي نادر. فبينما كانت واشنطن تبحث عن قناة مؤثرة مع طهران، وكانت إيران تحتاج إلى مخرج سياسي من المواجهة، تقدمت باكستان باعتبارها طرفاً يستطيع الكلام مع الجانبين.
ووضعت زيارة وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار إلى واشنطن واللقاء الذي عقده مع نظيره الأميركي ماركو روبيو، الأسبوع الماضي، إسلام آباد في موقع أكثر حضوراً داخل المسار الدبلوماسي، فيما برز أيضاً دور المؤسسة العسكرية الباكستانية، وعلى رأسها قائد الجيش عاصم منير، في إدارة قنوات التفاوض بين واشنطن وطهران.
كامران بخاري، الزميل المقيم في مجلس سياسة الشرق الأوسط، قال في حديث لـ MBN إن أهمية باكستان تكمن في أنها لم تكن مجرد ناقل رسائل.
“لم يكن هناك طرف آخر يستطيع القيام بهذا الدور”، أضاف بخاري، موضحاً أن “تركيا منافس تاريخي لإيران، والسعودية خصم إقليمي، وأن قناة عمان “انهارت” مع بداية الحرب. أما باكستان، فهي جارة لإيران، دولة نووية، ولها علاقات مع واشنطن وبكين والرياض وأنقرة، ما جعلها في هذه اللحظة قناة يصعب استبدالها”.
ولم يكن هذا الدور أميركياً فقط. فالصين، الحليف الوثيق لإسلام آباد، أشادت أيضاً بدور الأخيرة في تهدئة الأزمة، ما منح الوساطة الباكستانية غطاءً من قوتين متنافستين. بالنسبة إلى باكستان، كان ذلك فرصة لاستعادة موقع إقليمي أكبر من وزنها الاقتصادي الحالي. لكنه كان أيضاً دخولاً إلى مساحة صراع لا تفصل بسهولة بين الدبلوماسية والحرب والرواية السياسية.
في إسرائيل، لم يُقرأ الصعود الباكستاني بالمنطق نفسه. فقد صعّد نتنياهو، خلال الأسابيع الماضية، اتهاماته بشأن الحملات الرقمية المعادية لإسرائيل، متحدثاً عن “مزارع روبوتات” وحسابات مزيفة قال إنها تسعى إلى كسر التعاطف الأميركي مع إسرائيل وإحداث شرخ داخل الولايات المتحدة وفي العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية.
ولم يتهم نتنياهو الحكومة الباكستانية صراحة بإدارة تلك الحملات، لكنه تحدث عن شبكات مقرّها باكستان في إطار اتهامه لجهات خارجية بمحاولة التأثير في الرأي العام الأميركي.
جعفر الهاشمي، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، أكد لـMBN أن اتهامات نتنياهو لباكستان يجب أن تُقرأ في ضوء التوقيت. فإسرائيل، بحسب رأيه، لا تنظر إلى الوساطة فقط باعتبارها مساراً لوقف الحرب، بل باعتبارها مساراً قد يمنعها من تحقيق أهدافها الأوسع ضد إيران.
أما الخليج فيتحرك بحسابات مختلفة، قد لا تبدو الوساطة في صلبها. العامل الأهم هو انتقال المواجهة مع إيران من الاحتمال إلى الواقع. دول الخليج التي تخشى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية لا تنظر فقط إلى الجبهات العسكرية، بل أيضاً إلى الجاليات الوافدة، والصلات الدينية، والأنشطة السياسية أو الرقمية التي يمكن أن تُقرأ كقنوات نفوذ محتملة، كما يرى مراقبون.
بخاري قال إن القلق الخليجي من التأثير الإيراني داخل بعض الأوساط الشيعية الوافدة ليس جديداً، لكنه كان كامناً. لم يكن هناك، بحسب تعبيره، سبب يدفع هذه الدول إلى رفع مستوى الإنذار “طالما بقيت الحرب مع إيران احتمالاً بعيداً. أما بعد اندلاع المواجهة، فقد انتقلت هذه المخاوف إلى درجة أعلى من الحساسية والإنذار”.
ومع ذلك، أقر بخاري بأن هذا “المنطق الأمني” قد يطاول أبرياء، معتبراً أن ما حدث أقرب إلى “الذنب بالارتباط”؛ أي الاشتباه بمن يعرفه الشخص، أو بالمكان الذي يرتاده، أو بالهوية الدينية التي يحملها، لا بما ارتكبه فعلاً.
من جهته، لا يرى الهاشمي ضرورة لافتراض وجود ضغط إسرائيلي مباشر لتفسير بعض السلوك الخليجي. فدول الخليج، كما يرى، تبحث عن “هدوء واستقرار”، وتتعامل مع أي فرد أو اتجاه قد يخلق “مشاكل أمنية أو سياسية” بوصفه خطراً يجب استبعاده قبل وقوع الحدث. أضاف إن الحكومات الخليجية تميل إلى استخدام “أدوات الوقاية” عندما تشعر بأن بعض المقيمين قد يسببون اضطرابات أو توتراً مع دول أخرى.
بالنسبة إلى باكستان، تبدو المعادلة محرجة. فهي تحتاج إلى الإمارات والسعودية اقتصادياً وسياسياً، وتعتمد على تحويلات العمالة في الخليج، وفي الوقت نفسه تحاول تقديم نفسها كوسيط مسؤول بين الولايات المتحدة وإيران. لذلك، كما يقول بخاري، من غير المرجح أن تصعّد إسلام آباد علناً ضد أبو ظبي، بل ستسعى إلى معالجة الملف بهدوء عبر القنوات الدبلوماسية، إذ أن عودة آلاف العمال فجأة تعني أزمة معيشية داخلية، ومجتمعاً غاضباً، ومساحة جديدة قد تحاول إيران أو أطراف أخرى استثمارها سياسياً.
على أن ثمن الوساطة الباكستانية لا يقتصر على إدارة التوازن بين واشنطن وطهران. فالدور الجديد جعل إسلام آباد طرفاً في سجال إسرائيلي حول الرواية الرقمية للحرب، وفتح ملف مواطنيها الشيعة في الخليج على حسابات أمنية أكثر تشدداً. وحتى الآن، لا توجد سلسلة أدلة تربط بين اتهامات نتنياهو وقرارات الترحيل، لكن ثمة واقعاً لا يمكن تجاهله: باكستان صارت أكثر حضوراً في ملف إيران، ومواطنوها الشيعة في الخليج صاروا أكثر عرضة للاشتباه في لحظة إقليمية لا تفصل بسهولة بين الدين والسياسة والأمن.
أما بالنسبة إلى إسلام آباد، فقد لا يتمثّل التحدي المقبل في قدرتها على نقل الرسائل بين واشنطن وطهران بقدر ما يتمثل في قدرتها على حماية مواطنيها من أن يتحوّل الانتماء أو الاشتباه المذهبي، في أوقات الحرب، إلى سبب كافٍ لإنهاء حياة كاملة في الخليج.
المصدر:
الحرة