لا يحتاج الشرق الأوسط إلى المزيد من الحروب، بل ما يحتاجه حقا هو التحرر من الأسلحة النووية الإسرائيلية.
لقد سلطت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران الضوء بشكل حاد على مدى قابلية المنطقة للدمار المدني؛ بالنظر إلى مدى اعتماد الكثير منها على منشآت وصناعات حيوية لتأمين احتياجاتها الأساسية- بما في ذلك المياه- والتي يمكن أن تكون عُرضة للاستهداف.
ولكن أبعد من ذلك، كشفت الحرب أيضا عن مدى التهديد الذي يشكله مثل هذا الصراع متعدد الطبقات على مستقبل البشرية في عصر الأسلحة النووية.
إن استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لا ينطوي فقط على خطر حدوث تبادل نووي قد يؤدي إلى مقتل الملايين من الناس في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بل قد يؤدي إلى حرب نووية أوسع نطاقا يمكن أن تمحو البشرية.
وسواء كانت هذه الهجمات ستبدأ بقرار متعمد- من قبل الرئيس ترمب أو رئيس الوزراء نتنياهو أو كليهما- لمهاجمة إيران بسلاح نووي، أو نتيجة حادث في ظلمة الفوضى وضباب الحروب، كناتج عن استخبارات خاطئة، أو هجوم سيبراني على سبيل المثال، فإن ذلك لا يهم؛ ما يهم هو أن حياة كوكبنا بأكملها هي المحك.
وبدلا من الاستمرار في إغراق المنطقة في الظلام واليأس ومزيد من العنف، يتعين على الولايات المتحدة وإسرائيل التخلي عن حروبهما العدوانية في كل من إيران، ولبنان، والسعي إلى سياسة سلام جديدة لغرب آسيا، بما في ذلك السعي لتحقيق حل الدولتين لإسرائيل وفلسطين، وإقامة منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط أخيرا.
تمتلك اليوم تسع دول- الولايات المتحدة، وروسيا، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والصين، وإسرائيل، والهند، وباكستان، وكوريا الشمالية- ما يقرب من 12 ألفا و500 سلاح نووي، حيث تشكل ترسانات الولايات المتحدة وروسيا ما يقرب من 90% من العدد الإجمالي.
وقد تم الاعتراف بالدول الخمس الأولى في القائمة- التي استحوذت على أسلحة الدمار الشامل هذه بحلول عام 1968- كدول حائزة أسلحة نووية بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وهي معاهدة الأمم المتحدة الرئيسية التي دخلت حيز التنفيذ منذ عام 1970، وقد عُقد مؤتمر المراجعة الحادي عشر لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) في نيويورك من 27 أبريل/نيسان إلى 22 مايو/أيار 2026.
ووفقا للمادة السادسة من المعاهدة، تقع على عاتق الدول الخمس الحائزة الأسلحة النووية مسؤولية لا تقتصر على نزع ترساناتها النووية فحسب، بل تمتد للسعي نحو نزع السلاح العام.
أما الدول الأربع المتبقية، وهي إسرائيل والهند وباكستان، فلم تنضم أبدا إلى المعاهدة، بينما غادرتها كوريا الشمالية في عام 2003، قبل إجراء أول تجربة نووية لها في عام 2006. ويجب إدراج الجميع في إطار لنزع السلاح، لئلا نفجر أنفسنا.
وعندما تم تمديد معاهدة عدم الانتشار إلى أجل غير مسمى في عام 1995، أصدر مؤتمر مراجعة المعاهدة قرارا بشأن الشرق الأوسط، بهدف إنشاء منطقة إقليمية خالية من أسلحة الدمار الشامل، على غرار الجهود المماثلة في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، وجنوب المحيط الهادئ، وجنوب شرق آسيا. وكانت جميع تلك المناطق الثلاث قد أصبحت بالفعل مناطق خالية من الأسلحة النووية.
هذه الجهود التي جرت في الشرق الأوسط بدأت أولا بمبادرة من مصر وإيران عام 1974، ثم استمر النظام الإيراني الجديد في دعمها بعد ثورة 1979، ونالت اهتماما دوليا بها. ورغم ذلك كله، لم يحدث أي تقدم حقيقي يحول هذه المنطقة الخالية من أسلحة الدمار الشامل، إلى واقع ملموس.
على مدى السنوات القليلة الماضية، استضافت الأمم المتحدة مؤتمرات حول هذه الجهود فيما يتعلق بالسلاح النووي، وهي المؤتمرات التي لم تحضرها إسرائيل، وقاطعتها الولايات المتحدة إلى حد كبير.
ربما لو كانت الولايات المتحدة وإسرائيل مهتمتين للغاية ببرنامج إيران النووي، فإن إنشاء منطقة إقليمية خالية من الأسلحة النووية، سيكون المكان المناسب للبدء؟
لماذا يهم أي من هذا؟ أليست الأسلحة النووية في "الأيدي الصحيحة" شيئا جيدا؟ ألم نمر بأكثر من 80 عاما من العصر النووي دون أن نفجر أنفسنا؟.. ألا يجب علينا منع الأسلحة النووية من الوقوع في الأيدي الخطأ حتى نتمكن في الواقع من منع الحرب النووية الرهيبة؟
لبيان البديهي المزعوم، فإن الأيدي الصحيحة أو الخاطئة هي بوضوح مسألة وجهات نظر. فبينما كان الغرب بشكل عام مؤيدا ثابتا لإسرائيل وخصما لإيران، فإن العديد من حلفاء الولايات المتحدة في الناتو- مثل إسبانيا، وإيطاليا- أدانوا هذا الصراع، ورفضوا المشاركة فيه.
ولكن الأهم من ذلك، وكما ذكر الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون: "لا توجد أيدٍ صحيحة يمكنها التعامل مع هذه الأسلحة الخاطئة".
إن امتلاك إسرائيل والولايات المتحدة الأسلحة النووية هو ما يعرض العالم لخطر الحرب النووية الآن، كما جرى لعقود من الزمن.
نحن نعلم من الوثائق الأمريكية التي رُفعت عنها السرية أننا كنا قريبين جدا من الحرب النووية في الماضي، وليس فقط خلال أزمة الصواريخ الكوبية.
فقد كانت هناك عدة حالات تلقى فيها المسؤولون الأمريكيون والسوفيات معلومات كاذبة حول هجمات صاروخية قادمة، واختاروا عدم اتباع البروتوكول، مما أنقذ العالم من كابوس يفوق التصور.
لذا فالقول إن الحرب النووية ستدمر الحضارة الإنسانية وربما كل أشكال الحياة على الكوكب، ليس مبالغة.
وسواء كنا نتحدث عن مئات الملايين من الناس الذين سيموتون بسبب الحرارة والانفجار والإشعاع الذي ستحدثه الانفجارات النووية، أو الملايين الذين سيموتون جوعا بسبب الشتاء النووي الذي سيعقب ذلك نتيجة للكميات الهائلة من السخام في الغلاف الجوي، أو الآثار المترتبة على جميع أشكال الحياة نتيجة تدمير طبقة الأوزون، فإن "هرمجدون النووية" حقيقة واقعة.
نحن لا نريد لعب هذه اللعبة. وقد قال رونالد ريغان وميخائيل غورباتشوف ذلك في جنيف عام 1985: "لا يمكن كسب الحرب النووية ويجب عدم خوضها أبدا".
لكن اليوم هناك مدرسة منتعشة من الخبراء النوويين الذين يعتقدون أن الحرب النووية يمكن كسبها ويجب المخاطرة بها، ومن المرجح جدا أن يكون لبعضهم آذان صاغية لدى دونالد ترمب.
ولعل الأمر الأكثر حزنا بشأن هذا الصراع، إلى جانب المعاناة المفطرة للقلوب للمدنيين الأبرياء الذين لم يفعلوا شيئا لجلب المذبحة الحالية، هو أنه في الوقت الذي يجب أن نسعى فيه لنزع السلاح النووي وتعزيز عدم الانتشار، فإن الدرس الذي ستستخلصه الدول مما يجري هو العكس تماما. وهو للأسف أن الدفاع الوحيد ضد الغزو من قبل ترمب وأتباعه وحلفائه، هو امتلاك أسلحة نووية.
هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إيصال هذه الرسالة إلى العالم؛ فقد استخلصت كوريا الشمالية هذا الاستنتاج صراحة بعد مشاهدة غزو عراق صدام حسين وإعدام زعيمه.
وهو الدرس الذي استخلصه العالم بعد مشاهدة الولايات المتحدة تغزو فنزويلا وتختطف مادورو والاستحواذ على النفط ذلك البلد. وهو أيضا الدرس الذي استخلصه الأوروبيون بعد تهديد نظام ترمب بغزو غرينلاند ودول أخرى.
الولايات المتحدة وإسرائيل محقتان في القول إن إيران لا ينبغي أن تحصل على أسلحة نووية، ولكن يجب أن يكون لهذا البيان ملحق: يجب على الولايات المتحدة وإسرائيل السعي لتفكيك ترساناتهما النووية.
ينبغي على الولايات المتحدة السعي للوفاء بالتزاماتها في نزع السلاح النووي وفقا للمادة السادسة من معاهدة عدم الانتشار، ودعم منطقة الشرق الأوسط الخالية من أسلحة الدمار الشامل بكل إخلاص.
ويجب على إسرائيل التفاوض على حل دائم لإقامة الدولة الفلسطينية، وإنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط من خلال التخلص من ترسانتها النووية، والانضمام إلى معاهدة عدم الانتشار كدولة غير حائزة الأسلحة النووية.
إن الأسلحة النووية هي التهديد الوجودي الأكبر للبشرية جمعاء. وفقط من خلال السعي لنزع السلاح النووي يمكننا ضمان سلامة دول العالم ومستقبل الحياة على الكوكب. والشرق الأوسط هو المكان المناسب لتسريع هذه الجهود قبل فوات الأوان.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة