آخر الأخبار

هل من مكان للعرب في نظام عالمي جديد منتظر؟

شارك

إن النظام العالمي السائد حاليا والذي يتحكم بمفاصل المجتمع الدولي، وبمصير كل بلدانه وشعوبه واقتصاداته وعلاقاته الاجتماعية بلا استثناء، بل وبمستقبله هو نظام أصبح اليوم يعيش حالة من هشاشة العظام، أو ارتكاس المفاصل التي لم تعد تتمتع بالمرونة اللازمة التي تمكن هذا النظام من أن يسير على هدى يعبّر عن المصلحة الدولية، وضمان عدم انزلاقها إلى ما لا يحمد عقباه.

فقد أصبح هذا النظام آلة معطلة، والذي كان قد ولد نتيجة انتهاء الحرب العالمية الثانية، وما أفضت إليه من انتصار قوى وغياب قوى أخرى.

المحور المندحر تضمن ألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية، والإمبراطورية اليابانية، مقابل دول الحلفاء التي انتصرت بمدرستيها الكبيرتين المتناقضتين: الرأسمالية التي تمثلها أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية بشكل رئيسي، والماركسية الشيوعية التي يمثلها الاتحاد السوفياتي، ومن لفّ لفّه من دول وحركات تحررية، وأحزاب سياسية على المستوى الدولي.

لقد جاء النظام الدولي المنبثق عن نتائج تلك الحرب ليمثل القوى المنتصرة، حيث أصبح للعالم قطبان: قطب رأسمالي تقوده الولايات المتحدة، وآخر شيوعي-اشتراكي يقوده الاتحاد السوفياتي.

إن هذا النظام الجديد عبّر إلى حد بعيد عن مصالح هذين الماردين الكبيرين، والذي ضمنَ ألا تتم بينهما مواجهة مباشرة؛ لأن مثل هذه المواجهة هي دمار للعالم عبر القوة النووية التي يمتلكها كلا المعسكرين.

وبالتالي، مضت عقود طويلة تفصلنا عن لحظة انتهاء الحرب الكونية الثانية، حيث يشهد العالم حتى الآن حروبا ثانوية بأدوات ناعمة لتوسيع سيطرة كل منهما، فقد أنشأ المعسكر الرأسمالي لهذه الغاية أذرع هيمنة مالية كبرى، كالبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والبنك الأوروبي، وغيرها. إضافة إلى المساعدات الضخمة التي تقدمها الولايات المتحدة للكثير من الدول الناشئة؛ بهدف توسيع النفوذ والتأثير السياسي.

إعلان

وعلى الجانب الآخر، فإن الاتحاد السوفياتي ودول المجموعة الاشتراكية حاولا تقديم الدعم المادي المباشر، والعسكري، والاقتصادي، ودعم حركات التحرر في كثير من الدول، وذلك لتوسيع دائرة التأثير على المستوى الدولي أيضا.

والحقيقة أن تلك العقود الطويلة في إطار هذا النظام العالمي لم تخلُ من الكثير من الحروب الإقليمية بالإنابة، التي تعبر عن مصالح المعسكرين المتناطحين، مثل حرب فيتنام، والحرب الكورية، وحروب الشرق الأوسط المتعددة، ومحاولات هيمنة كلا الفريقين على الشرق الأوسط ودوله؛ لأهميته الكبرى الجيوسياسية، بل وأهميته المادية أيضا، وامتلاكه ثروات طائلة.

على أي حال، فإن هذا النظام الذي بقي لعقود في حالة من الصراع ما بين هذين المعسكرين، انتهت مرحلته الأولى بالسقوط المدوي للاتحاد السوفياتي ومنظومته الشرقية التي تفككت، حيث استقلّت دول تلك المنظومة، وبدأت كل منها تأخذ طريقا يعبر- بشكل أو بآخر- عن مصالحها.

كما أن أغلبها قد أصبح جزءا من الاتحاد الأوروبي، والجزء الآخر ما زال يسعى لذلك. مع بقاء بعض الدول في حالة من الحياد، وتربطها علاقات متينة مع روسيا الاتحادية.

وفي هذا السياق، فقد التحق العديد من دول العالم الثالث بالمنظومة الرأسمالية؛ بحثا عن الدعم المالي، أو طلبا للحماية، مع بقاء خصوصية لبعض الدول التي حاولت أن تحافظ على هويتها، مثل فنزويلا، وكوبا، وبعض دول أمريكا اللاتينية، والبعض في الشرق الأوسط.

إن سقوط الاتحاد السوفياتي قد مثل اختلالا كبيرا في الموازين الدولية، حيث أصبح العالم أعرج يسير على قدم واحدة، ويخضع لهيمنة مصالح واحدة؛ ذلك أن وجود قطبين في العالم كان مثل حبل الأكروبات المشدود الذي يسمح للكثير من الدول أن تؤمّن مصالحها وفق التنقل بين هذا المعسكر وذاك، في كثير من الحالات.

ما أود قوله، الآن، إن هذا النظام العالمي الذي حافظ على كينونته شكلا، قد بدا بعد إدارة الرئيس ترمب الثانية على حقيقته، فإذا به نظام عالمي مصاب بغيبوبة كاملة، فلم تعد أدواته فعالة كما كانت في السابق: الأمم المتحدة، وهيئاتها، حتى "الناتو" الذي كان يمثل الذراع الأمنية للمعسكر الرأسمالي بدا هشّا ومفككا، ولا حيلة له في حماية أعضائه من بعضهم البعض.

كما أن الولايات المتحدة المصابة بحالة من الغرور الشديد، والسعي إلى الهيمنة المطلقة، بدات كمفترس ينقض على حلفائه بمن فيهم الأوروبيون؛ لتحقيق مصالحها على حساب الغير.

فنرى الرئيس ترمب يطالب بكندا وغرينلاند، ودول في أمريكا اللاتينية ويستخفّ بـ"الناتو"، ومجموعة السبع الكبار، وحتى الهيئات الدولية، وكذلك عدم الاكتراث بقراراتها بل وانسحاب أمريكا من كثير من المنظمات الدولية، والتوقف عن الإسهام في موازناتها، بما فيها تلك ذات الأبعاد الإنسانية والثقافية.

وقد جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران لتكشف المستور تماما، ولتبين كم هو ذاك التناقض الجذري ما بين أمريكا من جهة، وأوروبا من جهة أخرى.

فبريطانيا، وإيطاليا، وفرنسا، وألمانيا تأخذ مواقف متعارضة تماما مع الموقف الأمريكي من حرب إيران الحالية، ولم تستجب إلى دعوات ترمب للإسهام بها. بل وتبدي مواقف جديدة متعارضة ومعلنة إزاء إسرائيل بتنكرها لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، وعدوانها المستمر على لبنان، وعلى العديد من دول المنطقة، وتهديدها السلم الدولي.

إعلان

إن الولايات المتحدة في هذا المشهد الراهن تبدو كأنها ديناصور هائج لا يميز بين عدو وصديق، يأكل بشراهة ما له وما لأشقائه المفترضين. وكذلك روسيا التي لا تتوقف عن محاولات إعادة التوازن، وتبرز ثانية كقوى دولية مؤثرة لها استقلالها وتحالفاتها، إضافة إلى الصين- والذي ما من شك في "أن الصينيين قادمون"- لكن الماكينة الصينية ماكينة بطيئة تعرف أولوياتها بدقة، وتسعى إلى السيطرة على مساحات واسعة جدا في الاقتصاد، وفي العلاقات الدولية، وربما تفاجئنا أيضا بقوة عسكرية تضاهي أو تزيد على قوة الولايات المتحدة. وربما نشهد- في لحظة ما- أن الصين تستعيد تايوان في إطار الصين الواحدة.

أما ما يتعلق بأوروبا فإنها في ظل المعطيات الجديدة تتحسس موقعها، وتبحث عن سبل من شأنها حماية أمنها واقتصاداتها بالحفاظ على مسافة تبعدها عن الولايات المتحدة .

أمام هذا العالم المتداخل والمتشابك والتي تتباين به عناصر القوة والضعف وميلاد متوقع لقوى ناشئة، واندحار قوى أخرى، وأمام هذه الفوضى العارمة- حيث لم يعد الحلفاء والأعداء هم أنفسهم الحلفاء والأعداء- تبدو الصورة غير واضحة، ولكنها بالتأكيد تنبئ بتبدل جذري كمقدمة لنظام عالمي جديد بديل للنظام الدولي الذي يحتضر، وفي طريقه إلى التلاشي.

ولأن الحياة لا تحتمل الفراغ، فإنه لا بد أن نكون أمام صياغة جديدة لنظام دولي منتظر، يحاكي متطلبات العالم بمرحلته الراهنة الملأى بالفوضى والأطماع، وغياب التحالفات، وتعارض المصالح، حيث كلٌّ يحاول إما حماية نفسه، أو الانقضاض على الآخر. أعتقد أننا أمام صفحة جديدة ونظام دولي جديد، هو بذرة تتشكل في رحم الحالات الدولية الراهنة.

والسؤال الكبير: أين العرب من كل ذلك؟

فالهند بلورت وضعا سوف يحميها من أي معادلة دولية مستقبلية، فهي دولة متماسكة، وديمقراطية، تدخل بقوة في الاقتصاد العالمي، وهي دولة نووية لا ينقصها شيء لكي تكون رقما في المعادلة الدولية.

كذلك باكستان النووية، وأيضا مجموعة دول أمريكا اللاتينية التي تسعى إلى أن تميز نفسها وحضورها وسياساتها، وربما تحقق كينونة ما، في المرحلة القادمة.

وتبقى أوروبا أيضا التي لديها سوقها المشتركة، وعملتها الموحدة، والتي- كما ذكرت- تعيد بناء أمنها ودفاعها على أساس الدفاع الأوروبي، بعيدا عن الولايات المتحدة.

أمام ذلك يبقى العرب بموقعهم الجيوسياسي المهم، وثرواتهم، وإرثهم الثقافي، ووعائهم الحضاري الممتد، والذين لا ينقصهم أي شيء سوى الإرادة ليحققوا كينونة عربية تسعى إلى أن تحفظ مصالح العرب بأرضهم، واقتصادهم، وأمنهم، ودفاعهم، في حال بزوغ النظام العالمي الجديد.

وبعودة إلى الماضي القريب، فإن جيل الآباء من القادة والمفكرين والسياسيين العرب، كان يطالب بالوحدة الفورية والاندماج الكلي، وهذا كلام تنقصه الواقعية، حيث لدينا اليوم أقطار عربية كل قُطر منها له شخصيته الوطنية، وكل منها قد تمايز بشكل أو بآخر، بدرجة تطوره الاقتصادي، والاجتماعي، أو بعلاقاته الخارجية.

لكن وبالرغم من ذلك كله، فإن البلدان العربية ما زالت تجمعها هوية واحدة، كما ثبت أن أمنها هو أمن واحد غير قابل للتجزئة.

وإذا ما دققنا في المصالح، فمصالحها أيضا واحدة، ذلك أن النظام العالمي المفترض القادم سوف يكون نظام قوى كبيرة متلاطمة لا مكان به للكينونات الصغيرة، سواء بالإطار الجغرافي، أو بالإمكانات المادية، أو الدفاعية، خصوصا أننا- كعرب- محاطون بقوى إقليمية قوية وطامعة، منها إسرائيل وإيران، وإن كانت تلك الأطماع بدرجات متفاوتة.

لذلك يمكن أن يكون لدينا كعرب منظومة دفاعية واحدة، وحالة اقتصادية جامعة تسعى إلى حصر النقاط الاقتصادية والاستثمارية التي تمثل مصلحة للجميع، وأن نجمع قوانا سواء البشرية أو المالية أو الثروات من معادن وأرض خصبة وما شابه، ليكون لدينا حالة من حالات الاكتفاء بأشكاله المتعددة.

إعلان

وبعد.. نحترم الدولة العربية الوطنية بأن تبقى كما هي، لها الحرية باتخاذ كل القرارات التي تراها سيادية دون التدخل بشؤونها الداخلية على اختلافها، مع أهمية الانضواء في هذا الإطار العربي المقترح كقوة دفاعية وأمنية، واقتصادية أيضا.

على أن هذا الوعاء العربي الدفاعي والأمني والاقتصادي هو وعاء غير عدواني، بحيث نسعى لبناء صلات طيبة مع دول الجوار، سواء كانت إيران، أو تركيا- أو حتى إسرائيل إن استجابت لكل حقوق الشعب العربي الفلسطيني- أو مع كل دول العالم. لكن من موقع القوة والاقتدار، فالعالم لن يحترم الضعفاء أبدا، كما لم يحترمهم من قبل.

والله ومصلحة العرب من وراء القصد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا