آخر الأخبار

لأجل هرمجدون "أن تقول لا للرئيس يعني أن تقول لا للرب"

شارك

في 27 فبراير/شباط 2026، أعلن وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي أن "اتفاق سلام كان في متناولنا"، وأقرت إيران في الوقت نفسه بأنها "لن تمتلك أبدا مادة نووية تصنع قنبلة".

كانت مفاوضات مسقط قد بلغت نضجها، والخيوط الدبلوماسية تحكم في الخفاء. في اليوم التالي مباشرة أعلن ترمب أنه "غير متحمس" للمحادثات. وفي اليوم الذي تلاه انطلقت الضربات.

كان ذلك عشية عيد "بوريم"، العيد اليهودي المرتبط بسفر إستير الذي تدور أحداثه في "فارس القديمة".

هذا التسلسل الزمني ليس مصادفة دبلوماسية، إنه نافذة على ظاهرة باتت تشكل قرارات الحرب والسلم في منطقتنا بصورة يستحيل فهمها إذا اكتفينا بمعادلات المصلحة والردع.

ما جرى في الحرب الإيرانية -بين فبراير/شباط ومايو/أيار 2026- كان تجليا كاملا لما جري تسميته بـ"التعاقد المسياني الواعي"، وهو نمط علائقي فريد يتأسس على عقائد آخر الزمان، بين قيادة سياسية وقاعدة دينية، يعرف فيه الطرفان أن القائد لا يرقى إلى المعايير الدينية لقاعدته، ويواصلان التعاقد رغم ذلك، لا جهلا بل وعيا، لأن كلا منهما يدرك أن الآخر يؤدي وظيفة لا غنى عنها في مشروع يراه مقدسا.

3 شروط تاريخية

لكن قبل أن نستوعب هذا النمط في تجلياته الراهنة، لا بد من استيعاب الشرط التاريخي الذي أنتجه. فالظواهر السياسية لا تنبت في فراغ، وهذه بالذات تحتاج إلى تفسير لماذا ظهرت الآن تحديدا؟، ولماذا في هذا الشكل بالذات؟

ثلاثة تحولات هيكلية متشابكة صنعت التربة التي نبت فيها التعاقد المسياني الواعي، ولا يمكن فهم الظاهرة دون استيعاب كل منها:


* التحول الأول: انهيار احتكار الوساطة الدينية المؤسسية، فعلى مدى قرون، احتكرت الكنائس والمؤسسات الدينية الرسمية صلاحية تعريف "الخير المقدس"، وتحديد من يمثله ومن يخونه. هذا الاحتكار لم ينهر بفعل انتشار الإلحاد أو تراجع التدين، بل انهار بفعل تفككه من الداخل.
إعلان

الشبكة الإنجيلية في الولايات المتحدة، التي تضم عشرات الملايين، لا تملك قيادة مركزية بالمعنى الكاثوليكي ولا مرجعية فقهية ملزمة بالمعنى الإسلامي. كل قسّ سيد منبره، وكل منبر سيد جمهوره، وكل جمهور حر في تعريف من يمثل قضيته المقدسة.

هذا الفراغ المؤسسي هو ما يجعل كل زعيم شعبوي قادرا على أن يعلن نفسه "صوت القضية"، دون أن يحتاج إلى تفويض ديني رسمي أو اختبار عقدي يجتازه.


* التحول الثاني: الديمقراطية الشعبوية الرقمية ونزع الوساطة، فالفضاء الرقمي لم يضف فحسب قناة تواصل جديدة، إنما أعاد هيكلة العلاقة بين القيادة والقاعدة من جذورها.

فحين يغرد ترمب ويتفاعل معه ملايينه مباشرة، لا يوجد وسيط يحلل ولا مؤسسة تصفي ولا علماء يفسرون. العلاقة طقوسية مباشرة تقوم على الأداء الرمزي لا على التحقق العقدي.


* التحول الثالث: انتقال الدين من عقيدة فردية إلى هوية جمعية مقاتلة، وهذا هو الأعمق والأشد أثرا.

اتجاه من الإنجيلي البروتستانتي الأبيض في الغرب الأوسط الأمريكي، حين يدعم ترمب ويبارك حربه، لا يسأل في معظمه "هل هذا الرجل ملتزم؟" أو "هل سيلتزم بوصايا المسيح العشر؟" بل يسأل "هل هذا الرجل يقاتل من أجلنا ضد من يريد محو هويتنا؟".

هذه التحولات الثلاثة لم تنتج التعاقد المسياني الواعي بقرار واع من أحد، لأنه بات تقاطعا لقوى أكبر من إرادة أي فرد. وهذا بالضبط ما يجعله أصعب في المعالجة مما لو كان مجرد مؤامرة مدبرة.

الفجوة التي تقول كل شيء

في أبريل/نيسان 2026، أظهر مركز "بيو" للأبحاث أن 95% من الإنجيليين البيض الأمريكيين لا يرون ترمب "متدينا جدا"، وأن 70% من الأمريكيين عموما يصنفونه "غير متدين". ومع ذلك صوت أكثر من 80% من الإنجيليين البيض لترمب في انتخابات 2024، ودعموا حربه بنسب مرتفعة.

هذه الفجوة الرقمية بين نفي التدين ومنح الدعم المطلق، هي قلب الظاهرة وإثباتها التجريبي في آن واحد.

التفسير التقليدي ينتقل بين ثنائية مضللة: إما أنهم مغرر بهم أو أنهم يعيشون في وهم. لكن الوقائع لا تؤيد أيا من الطرفين. ما يقوله الإنجيليون البيض عمليا، بأفعالهم لا بتصريحاتهم، هو: نعرف ما أنت عليه، ونوافق على الفصل بين شخصك وأدائك. أنت تؤدي الوظيفة التي نحتاجها، وهذا يكفي.

القس الإنجيلي دوغ باغيت صاغ هذا المنطق بصراحة نادرة لرويترز: "ما يقولونه هو: ترمب في صف الله. لأن المعسكر المسيحي إن انفرط فإن قاعدة ماغا تتشظى".

هذا تعاقد سياسي-لاهوتي صريح. القائد لا يؤمن، والقاعدة تعرف، والعقد مستمر؛ لأن القائد "ينجز" كما يظهر في نقل السفارة إلى القدس، والاعتراف بالجولان، ودعم إسرائيل بلا تحفظ، وضرب "فارس" التي يراها جناح الصهيونية الدينية الإسرائيلية "عماليق العصر".

وما يجعل هذا التعاقد أشد خطورة من الإيمان الصادق البسيط هو أنه محصن من النقض: لا يمكنك إقناع جمهور بأن قائده غير صادق دينيا حين يعترف هو بذلك ضمنيا ويواصل دعمه.

الخطاب الذي تجاوز صاحبه

حين يطلق زعيم شعبوي خطابا مسيانيا يرتبط بعقائد آخر الزمان، فإنه يفتح صندوقا لا يملك وحده مفتاح إغلاقه. الخطاب المسياني حين يتحرر من إيمان شخصي قد يتراجع، ينفصل عن مصدره ويعيش حياة مستقلة في الشبكات الدينية الرقمية. وهذه "الاستقلالية الخطابية"- الأثر أطول عمرا من مصدره- هي ما ينتج التصعيد اللامحدود.

إعلان

في 6 أبريل/نيسان 2026، أعلن ترمب أن "الرب كان يراقبنا.. كنا في أرض الفصح"، وأجاب بـ"نعم" حين سئل إن كان يعتقد أن الرب يدعم الولايات المتحدة في الحرب؟

في اليوم نفسه شبه وزير الدفاع بيت هيغسيث- في مؤتمر صحفي رسمي- إنقاذ الطيار الأمريكي المسقط في إيران بقيامة المسيح: "أسقط يوم الجمعة العظيمة، واختبأ في كهف، وأُنقذ مع شروق شمس أحد الفصح. طيار ولد من جديد. الرب صالح".

لكن هيغسيث ليس مجرد مسؤول يحسن توظيف الاستعارة الدينية. إنه حالة مختلفة نوعيا، رجل يصنع السياسة من داخل لاهوت الحرب المقدسة لا من خارجه.

هو عضو في كنيسة إنجيلية متشددة، يستضيف صلوات شهرية في البنتاغون، وفي إحداها- بعد أسابيع من بدء الحرب- دعا "أن تجد كل طلقة هدفها ضد أعداء البر، وأن ينفذ القصاص بسرعة وبلا رحمة".

في كتابه "الحملة الأمريكية" (2020) وصف الأمريكيين بأنهم "فرسان مسيحيون يجب أن يصدوا الإسلامية". هذا الرجل لا يبرر الحرب بلغة دينية، هذا رجل يدير الحرب بمنطق ديني، وهو فارق بنيوي حاسم.

ومن الجانب الإسرائيلي، استحضر نتنياهو في 2 مارس/آذار "تذكر ما فعله بك عماليق.. نحن نتذكر ونعمل". وأعلن بن غفير فور بدء الحرب "امح ذكر عماليق من تحت السماء"، ونشر لافتة تضع صورة خامنئي مع آية من سفر إستير ورسم حبل مشنقة. ووصف سموتريتش الحرب بأنها "ذروة الصهيونية الدينية" وجزء من مسار "الفداء".

هذا الخطاب المتراكب انفصل سريعا عن القادة الذين أطلقوه. جون هاجي، قائد "المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل" بعضويتها العشرة ملايين، كان يصف الغارات الجوية بأنها "هجوم جوي سماوي". مستشارة البيت الأبيض الدينية بولا وايت-كاين قالت صراحة: "أن تقول لا للرئيس ترمب يعني أن تقول لا للرب".

ووصل التصعيد إلى الثكنات العسكرية ذاتها، حيث تلقت منظمة الحرية الدينية العسكرية (MRFF) أكثر من 200 شكوى من 50 وحدة عسكرية في أسابيع قليلة، وأفاد أحد الضباط بأن قائد وحدته أخبر جنوده أن "الرئيس ترمب مُسح من قبل يسوع لإشعال فتيل الحرب في إيران لإحداث هرمجدون".

حين يتحول العنف إلى طقس

لا يمكن استيعاب هذا السياق دون النظر إلى الأثر الأكثر خطورة والأصعب عكسا: ما يفعله الإطار المسياني بطبيعة العنف ذاته لا بحجمه فحسب.

تقليديا، الحرب وسيلة لتحقيق هدف سياسي محدد. حين يتحقق الهدف، أو يتضح أنه لن يتحقق، تنتهي الحرب. هذا هو المنطق الذي يتيح التفاوض، ويجعل معادلات الردع تعمل، ويحفظ حدا أدنى من القانون الإنساني الدولي. الحرب في هذا الإطار "أداة"، وكل أداة لها حد استخدام.

ما فعله الإطار المسياني في الحرب الإيرانية هو تحويل العنف من أداة محسوبة إلى طقس معلن. الطقس لا يتوقف بتحقق هدف، لأن الهدف في الأصل ليس براغماتيا، إنه إعلان هوية وتأكيد انتماء كوني.

حين توصف إيران بـ"عماليق" فإن "هزيمتها" لا تعني نزع سلاحها النووي أو تغيير سياستها الإقليمية، بل تعني استئصالها بوصفها قوة أنطولوجية للشر. وهدف كهذا لا نهاية له بطبيعته، لأن الشر في عقائد نهاية العالم لا يستأصل بالحلول الوسط.

هذا يفسر الأنماط المتكررة في الحرب بصورة لا تستطيع الإستراتيجيا وحدها تفسيرها: مفاوضات عمان كانت "على بعد لمسة" قبل أن تشن الضربات.

ومفاوضات إسلام آباد في أبريل/نيسان التي وصفت بأنها أعلى مستوى تواصل أمريكي-إيراني مباشر منذ 1979، فشلت رغم وقف النار الذي سبقها. ورفض ترمب في 1 مايو/أيار خطة إيران ذات الـ14 نقطة بحجة أن طهران لم تدفع ثمنا كافيا لما فعلته بالإنسانية خلال 47 سنة"- صياغة عقابية تنتمي إلى منطق اللاهوت لا إلى منطق الدبلوماسية. "الثمن الكافي" في الإطار اللاهوتي لا حد تعريفيا له، لأن الجريمة الموصوفة بالشر المطلق لا تكفر بثمن محدد.

إعلان

والشاهد الأكثر إيلاما على هذا التحول كان ضربة مدرسة شجرة طيبة الابتدائية في ميناب التي راج ضحيتها 165 طالبة، والتي لم تنتج أي خطاب دفاعي قانوني من الإدارة الأمريكية، ولم توقِف أيا من قادة الشبكة الإنجيلية.

الصمت لم يكن تحاشيا بل كان بنيويا؛ فحين يقدم العنف بوصفه "مشيئة إلهية" يفقد وصف الضحايا المدنيين قدرته على إنتاج محاسبة، لأن المساءلة تستلزم إطارا أخلاقيا مستقلا عن منطق الحرب، وهذا الإطار استبدل بإطار لاهوتي لا يعترف بمحاسبة خارجية.

الإستراتيجي والمسياني

سيقول ناقد: لكن الحرب كان فيها نفط ومضايق وأجندة نتنياهو الشخصية وحسابات انتخابية لترمب. صحيح تماما. والإطار المسياني لا يلغي هذه المتغيرات، يعيد هيكلة علاقتها ببعضها في ترتيب هرمي لا في تنافس أفقي.

الإستراتيجيا تحدد "ما يفعل" بمعيار المصلحة. الإطار المسياني يؤدي ثلاث وظائف إضافية لا تستطيع الإستراتيجيا وحدها أداءها:

1- يجيز ما كان مشروطا إستراتيجيا، فالضغط الداخلي على ترمب وحده لم يكن كافيا لتبرير حرب بهذا الحجم، لكن الإطار المسياني حول قرارا اختياريا إلى ما يشبه الواجب المقدس.

2- يوسع الأهداف؛ فما يمكن إعلانه "انتصارا كافيا" يتقلص باستمرار؛ لأن الإطار اللاهوتي يبقي الهدف الحقيقي دائما خطوة أمام ما تحقق.

3- يغلق ممرات التراجع؛ فأي تسوية مع "عماليق" تكلف أمام القاعدة الإنجيلية بما يفوق أي فائدة إستراتيجية محسوبة.

بتعبير مكثف: الإستراتيجي يحدد ما يفعل، والمسياني يحدد ما لا يمكن التراجع عنه. والثاني لا الأول، هو ما يصنع الفارق بين حرب قابلة للإنهاء وحرب تغذي نفسها.

البابا في مواجهة الرب السياسي

في الأسبوع الثاني من أبريل/نيسان 2026 جاء اشتباك البابا ليو الرابع عشر-البابا الأمريكي الأول في التاريخ- مع ترمب كاشفا بصورة استثنائية لما لا تقوله الوقائع العسكرية وحدها. البابا وصف الحرب بـ"الفظيعة" وقال: "الله لا يبارك أي صراع. أي تابع للمسيح، أمير السلام، ليس أبدا في صف من حملوا السيف بالأمس ويلقون القنابل اليوم".

ردود الفعل الأمريكية كانت أكثر قسوة وفجاجة من الموقف نفسه. ترمب وصف البابا بـ"الكارثي"، وجيه دي فانس قال له: "كن حذرا حين تتحدث عن أمور لاهوتية".

هذه الجملة تستحق وقفة طويلة؛ نائب الرئيس الأمريكي يطلب من أعلى مرجعية في الكنيسة الكاثوليكية التواضع في الكلام على اللاهوت. من منح فانس السلطة اللاهوتية التي يطالب البابا بالتواضع أمامها؟

الجواب هو بنية التعاقد ذاتها. التعاقد المسياني الواعي، بما هو نظام شرعية مغلق، لا يقبل سلطة دينية موازية أعلى منه.

البابوية الكاثوليكية حين ترفع معيار "الحرب العادلة" وتسأل عن الضحايا المدنيين لا تمارس منافسة سياسية، بل تهدد البنية المنطقية للتعاقد نفسه. لأن التعاقد بني على قاعدة تقول إن القائد يؤدي مهمة إلهية، ووجود مرجعية دينية مستقلة تنازع هذه المهمة يزعزع الشرعية الكاملة للبناء.

لكن هذا الاشتباك كشف في الوقت ذاته عن حدود التأثير الكنسي. القاعدة الإنجيلية لم تتزعزع، والتعاقد بقي. وهذا يعلمنا شيئا جوهريا، وهو حين يحول الدين من عقيدة تفرض معايير أخلاقية إلى هوية جمعية مقاتلة، تصبح المرجعيات الدينية الكلاسيكية عاجزة عن إنتاج أثر ضابط.

البابا يتكلم في لغة "الحرب العادلة" التي تسأل عن المشروعية والتناسب والحماية المدنية، والشبكة الإنجيلية لا تسأل عن عدالة الحرب، هي تسأل عن هوية من يخوضها ومن يقف في الطرف الآخر منها.

ما قاله ليو الرابع عشر حين رفض أن يبارك الله صراعا بعينه كان في حدوده الأولى موقفا لاهوتيا.

لكنه في سياق 2026 كان شيئا أكثر ندرة: صوتا دينيا يرفض أن يكون الدين وقودا للحرب بدلا من رادع عنها. أن يرد عليه من واشنطن بـ"كن حذرا حين تتحدث عن أمور لاهوتية" يقول لنا كل ما نحتاج معرفته عن طبيعة الحرب التي نعيشها، وعن المسافة الشاسعة التي قطعناها من عالم تضبطه معايير إلى عالم تحكمه يقينيات.

والخلاصة التي نقدمها في هذا المقال هي: يخرج من هذا التحليل نظام بلا فرامل داخلية؛ فالحرب بلا منطق إستراتيجي يوقفها من الداخل حين تتراجع العوائد، والعنف بلا معايير أخلاقية دينية تضبطه لأنه يقدم بوصفه تجسيدا لتلك المعايير… إلى آخره.

هذه الخصائص والسمات لها تداعيات خطيرة على منطقتنا خاصة إذا صاحبتها طبعة إسرائيلية يقودها نتنياهو، وهو ما تستحق أن نفرد له مقال آخر.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا