آخر الأخبار

سابقة في مناطق (أ).. هل تتحول الجابريات في جنين إلى نقطة سيطرة إسرائيلية؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

جنين- قبل أكثر من 20 عامًا، كان جهاد قبها من أوائل الفلسطينيين الذين اشتروا أرضًا على تلة مرتفعة في منطقة الجابريات وسط مدينة جنين شمال الضفة الغربية، واحتفظ بها لأولاده إلى حين البناء عليها.

لكن بلاغًا وصل إلى أصحاب الأراضي قبل أيام قلب ذلك الانتظار الطويل؛ إذ أبلغهم جيش الاحتلال الإسرائيلي بقرار مصادرة أكثر من 7 دونمات (الدونم= 1000 متر مربع) من أراضيهم "لأسباب عسكرية".

المصادرة بحد ذاتها ليست جديدة على الفلسطينيين؛ فالاحتلال دأب، على مدار سنوات طويلة، على ابتلاع الأرض والذاكرة والمكان، وتصاعدت وتيرة هذه السياسات خلال السنوات الثلاث الأخيرة، لا سيما منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

مصدر الصورة جانب من الأراضي التي صادرها الاحتلال في منطقة الجابريات وسط جنين (الجزيرة)

سابقة خطيرة ومدينة مستباحة

ما يجعل حالة الجابريات استثنائية، وقوعها ضمن منطقة مصنفة "أ"، التي تخضع وفق -اتفاق أوسلو 2 عام 1995- للسيطرة الفلسطينية الكاملة إداريًا وأمنيًا، في حين أن جميع المصادرات السابقة كانت تتركز في المنطقة المصنفة " ج" الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة وتشكل نحو 60% من مساحة الضفة وأحيانا في المنطقة "ب" الخاضعة إداريا للسلطة وأمنيا لإسرائيل.

ويصف مسؤولون وسكان فلسطينيون قرار المصادرة بأنه "سابقة خطيرة" قد تعيد رسم قواعد السيطرة الميدانية داخل مدن شمال الضفة الغربية، عبر الاستيلاء على مساحات واسعة من أراضي المواطنين في قلب منطقة سكنية مكتظة، تمهيدًا لغرس أبراج مراقبة فيها.

جنين، التي استباحها الاحتلال منذ اجتياح مخيمها في 21 يناير/كانون الثاني 2025 ضمن عملية السور الحديدي، وتحويله إلى ثكنة عسكرية محاطة بالقناصة، يحاول اليوم تطبيع وجوده فيها عبر نشر الجنود المشاة بشكل دائم، وتجوال الآليات العسكرية ليلًا ونهارًا بين الأسواق والمنازل.

مصدر الصورة جهاد قبها: بقرار عسكري صادر الاحتلال أرضي الخاصة بمنطقة سيطرة السلطة الفلسطينية (الجزيرة)

لأغراض أمنية

يروي جهاد قبها (60 عامًا) للجزيرة نت أن قوات الاحتلال تواجدت في الأرض عدة مرات قبل أسابيع دون أن يعرف الأهالي الأسباب، قبل أن يصلهم عبر الارتباط الفلسطيني، وهي جهة تنسيق رسمية مع إسرائيل، وبطريقة غير رسمية إنما من "خلال رسالة واتساب" بلاغ بمصادرة ما يزيد على 7 دونمات، علمًا بأن الأرض المصادرة هي ملكية خاصة مسجلة رسميًا (طابو)، وكان قد اشتراها منذ عام 2003.

إعلان

ويوضح قبها -للجزيرة نت- أن البلاغ محدد بفترة زمنية تنتهي في آخر ديسمبر/كانون الأول 2028، غير أن غموضًا يكتنف ما بعد ذلك التاريخ، يقول: "ليست لدينا تجارب سابقة في مناطق "أ"، فلا نعرف هل يُجدَّد هذا التاريخ أم يغادرون الأرض فعلًا عام 2028".

ومُنح الأهالي مهلة أسبوع للجوء إلى القضاء والاعتراض، ويلفت قبها إلى أن البلاغ لم يذكر أسباب المصادرة، لكن ما فهمه الأهالي من الارتباط أن الأرض "مطلة وكاشفة ولها موقع أمني مميز"، وأن الاحتلال يعتزم إقامة أبراج مراقبة فيها.

العيش مع الجيش

يقول معتصم ستيتي (42 عامًا)، وهو من مخيم جنين ويقطن بجوار الأرض المصادرة مباشرة، إن الجابريات منطقة كاشفة للمخيم، والمدينة "منبسطة أمامنا كأنها راحة كفّ"، وأي جندي يقف هناك، أو أي برج عسكري يُقام، سيكشف المنطقة بأكملها.

ويضيف في حديثه -للجزيرة نت- أن الأحداث بدأت بعد شهر رمضان بتكرار قدوم الجيش للمكان. وقبل نحو أسبوعين، فوجئ الأهالي بوجود مسّاح عسكري قام بمسح المنطقة كليًا باستخدام أجهزة مساحة متطورة دون وضع علامات ميدانية، مما دفعهم للتوجه إلى الارتباط الفلسطيني للاستفسار، حيث كانت الردود الأولية تشير إلى احتمالية كونها "إجراءات روتينية" قبل أن تتضح الحقيقة لاحقًا.

أما القلق الأكبر فيتعلق بالحياة اليومية بجوار موقع عسكري دائم، يقول استيتي: "لدينا بنات وأولاد ونساء، والعيش بجوار معسكر أمر صعب، فالجيش لن يسمح لنا بالتحرُّك بأريحية، وسيجد أي ذريعة ليصنع لنا المشكلات". مبينا أن المصادرة قطعت طريقًا يصل المنطقة بمحيطها، ما يجعل وصول السكان إليها أكثر صعوبة.

ويخشى استيتي، الذي طرده الاحتلال من منزله واستولى عليه شهرا كاملا مع بداية العملية العسكرية، أن تمتد المصادرات لتبتلع ما يحيط بالأرض.

مصدر الصورة الاحتلال طرد ستيتي من منزله مطلع عام 2025 واستولى عليه شهرا كاملا واليوم يخشى عودته (الجزيرة)

تحركات رافضة

من جانبه، يقول رئيس بلدية جنين، محمد جرار، إن قرار المصادرة كان مفاجئا، موضحا أنها تقع ضمن المخطط الهيكلي للمدينة منذ أكثر من 30 عامًا، ومصنفة منطقة سكن "أ".

ويرى جرار في القرار خطورة مزدوجة؛ فهو "يؤمن لوجود عسكري دائم للاحتلال في قلب جنين"، ويمثّل تعديًا على الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي، وتحديدًا اتفاق أوسلو وما لحقه. كما يعدّه اعتداءً على صلاحيات البلدية، مشددًا على أن المنطقة "سكانية بحتة" لا تصنّف منطقة أمنية أو منطقة مرافق عامة.

ويُحذّر من أن إقامة أي استحكام عسكري في هذا الموقع المطل على مخيم جنين وعلى أحياء واسعة من المدينة سيشكّل خطرًا على حياة نحو 30 ألف ساكن في محيطه.

ويكشف جرار أن البلدية تتجه إلى المحكمة العليا الإسرائيلية في محاولة لإلغاء قرار المصادرة، وأنها تتعامل مع هذا التطور "بمنتهى الجدية" نظرًا لخطورته على الواقع السكاني داخل المدينة، ولكونه أول إجراء من نوعه يستهدف تأسيس وجود دائم للاحتلال داخل المنطقة "أ".

إلى جانب ذلك أشار إلى عقد لقاءات مع جهات من السلطة الفلسطينية ومؤسسات حقوقية لتأسيس دعوى تستند إلى أن تنظيم المنطقة حق أصيل للبلدية، فضلًا عن حق المالكين في الاعتراض.

مصدر الصورة وسيم قبها يبرز وثائق ملكية الأرض المصادرة (الجزيرة)

القاضي هو الجلاد

ورغم اللجوء المرتقب إلى القضاء، لا يبدو أصحاب الأراضي متفائلين بجدواه، يقول جهاد قبها إن "الأهالي يتعاملون مع الجهة نفسها التي تجمع بين الجلاد والحاكم؛ فهي التي تصدر القرار وهي التي تثبّته"، فيما يقتصر دور القضاء -برأيه- على تثبيت إجراء المصادرة قانونيًا.

إعلان

ويستحضر قبها سجلًا طويلًا من القرارات الدولية، مشيرًا إلى صدور أكثر من 1000 قرار عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن وهيئات حقوق الإنسان بشأن القضية الفلسطينية، بينها نحو 130 قرارًا عن مجلس الأمن، "دون أن يتغير شيء على الأرض، فيما تتصاعد المصادرات".

ويربط ما يجري بـ "توجهات اليمين الإسرائيلي المتطرف الساعي إلى استصدار قرار من الكنيست بإلغاء اتفاق أوسلو، وهو ما يعني عمليًا إلغاء تقسيمات "أ" و "ب" و "ج" وعودة الضفة إلى ما قبل الاتفاق.

ومع ذلك، يشدد قبها على أن الأهالي "يرفضون الإجراء رفضًا قاطعًا" ولن يقبلوا به "لا بشكل مؤقت ولا دائم"، وأنهم يتوجهون إلى المؤسسات الحقوقية والنقابات والمحامين والإعلام طلبًا للدعم. ويوضح أن خصوصية القضية تتجاوز البعد الشخصي، إذ إن وقوع الأرض في منطقة "أ" جعل السلطة الفلسطينية تتولى متابعة الملف قانونيًا وقضائيًا، محليًا ودوليًا.

أما معتصم استيتي فيختصر شعور الأهالي بالعجز بقوله: "بصراحة لا نستطيع فعل شيء، وقد سلّمنا الملف لهيئة الارتباط الفلسطينية"، داعيًا كل الجهات الرسمية والحقوقية والإعلامية إلى التحرك "قبل أن تذهب الأرض من بين أيدينا".

أرقام مفزعة

وبين بلاغ مؤقت ينتهي مفعوله عام 2028، وموقع إستراتيجي يطل على مدينة بأكملها، يبقى السؤال معلقًا: هل تكون هذه المصادرة إجراءً عابرًا، أم بداية تحوّلٍ يجعل من أرضٍ فلسطينية في قلب جنين نقطة سيطرة عسكرية دائمة؟

ووفقًا لأحدث معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان (جهة رسمية)، بلغت المساحات التي استولى عليها الاحتلال في الضفة الغربية منذ بدء الحرب على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى نهاية عام 2025 نحو 55 ألف دونم.

وخلال عام 2025 وحده، أصدر الاحتلال 146 أمرًا عسكريًا لمصادرة أكثر من 11.2 ألف دونم، بالتوازي مع توثيق 23 ألفًا و827 اعتداء نفذها الجيش والمستوطنون.

ومع بداية عام 2026، استمر التصعيد بوتيرة مرتفعة، مسجلًا نحو 1800 اعتداء شهريًا، وسط تحذيرات من أن الاحتلال بات يفرض سيطرة فعلية على مساحات واسعة من الضفة الغربية، خاصة المناطق المصنفة "ج".

مصدر الصورة جهاد قبها يشير إلى أرضه التي صادرها الاحتلال في منطقة الجابريات وسط جنين (الجزيرة)معتصم ستيتي يقف في المنطقة المهددة بالمصادرة والتي تطل على مخيم ومدينة جنين (الجزيرة)جهاد قبها (يمين) ومعتصم ستيتي يقفان فوق الأرض التي قرر الاحتلال مصادرتها حيث صار العيش هناك مهددا (الجزيرة)صك ملكية إحدى الأراضي التي صادرها الاحتلال في منطقة الجابريات (الجزيرة)إطلالة من منزل مجاور للأرض المصادرة في منطقة الجابريات غرب مخيم جنين (الجزيرة)

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا