في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
"أفضل طريقة للحفاظ على السلام هي الاستعداد للحرب"
بواسطة (إلبريدج كولبي - وكيل وزارة الحرب في إدارة ترمب)
في عام 1929، كان وليام كولبي في التاسعة من عمره، وكان يقيم مع أسرته في مدينة تيانجين بشمال الصين، حيث كان والده الكولونيل إلبريدج كولبي يخدم ضمن الفرقة الخامسة عشرة للمشاة، في خضم وجود عسكري للقوى الغربية في الصين آنذاك، انخرطت فيه الولايات المتحدة منذ عام 1912 وحتى رحيل القوات الغربية عام 1938 بالتزامن مع الحرب العالمية الثانية وبداية الاحتلال الياباني للصين. "مدرسة تيانجين للغة، إما القتال وإما الهوان!"، كان ذلك شعار المدرسة التي ارتادها ويليام طفلا في مدينة تبعد آلاف الكيلومترات عن بلده الأم قبل حوالي قرن من الزمان، دون أن يعلم أن حفيده، وسميّ أبيه إلبريدج، سيكون مشغولا بالصين أيضا، وربما أكثر منه ومن والده.
بعد عقود، أعادت الأقدار ويليام إلى جنوب شرق آسيا هذه المرة في فيتنام التي كانت الصداع الأبرز للأمريكيين في الستينات. وقتها، كان ويليام على رأس عمل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) في سايغون بجنوب فيتنام، الموالية للولايات المتحدة حينئذ، حيث كان يشرف على برامج مكافحة المسلحين الشيوعيين، ويتعلم دروس اللغة الفيتنامية كل صباح، دون أن يفقد حماسه وانضباطه الذي عرفه طفلا في الصين.
من تيانجين إلى سايغون، ومن سايغون إلى رئاسة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في لانغلي، رسم وليام كولبي مسارا مهنيا لافتا، وصار واحدا من أكثر رؤساء الاستخبارات الأمريكية إثارة للجدل في التاريخ. وحين جاء حفيده إلبريدج ليتولى صياغة إستراتيجية الحرب الأمريكية في إدارة ترمب، كان قد نشأ هو الآخر في طوكيو طفلا، حين انتدب والده أندرو كولبي لإدارة مكتب بنك "فيرست بوسطن" (First Boston) في العاصمة اليابانية.
"عبر ثلاثة أجيال حضرت آسيا في كل منعطف لعائلة كولبي، مرة في الصين ومرة في فيتنام ومرة في اليابان"
ثلاثة أجيال وآسيا حاضرة في كل منعطف، مرة في الصين ومرة في فيتنام ومرة في اليابان، غير أن ما كان ميدانا للعمليات وللحرب بالوكالة، بات اليوم في عقل الحفيد إلبريدج كولبي، موضع يقين إستراتيجي ورؤية شاملة: آسيا هي الرهان الأكبر في التنافس بين القوى الكبرى، والصين هي التحدي الرئيسي الذي ينبغي أن تركز عليه الولايات المتحدة.
كثيرا ما يتيه المتابعون في تصريحات ومواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المتناقضة، مع تساؤلات حول هوية صناع الرؤية الإستراتيجية في البيت الأبيض، ونظرتهم للمصالح الأمريكية. ومن بين هؤلاء يبرز إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الحرب لشؤون السياسات وحفيد وليام كولبي، والذي وصفته مجلة فورين بوليسي بأنه أحد أكثر الأشخاص نفوذا داخل البنتاغون، سواء لخبرته الكبيرة مقارنة بوزير الحرب هيغسيث، أو لدوره في الإشراف على إستراتيجية الحرب الوطنية التي أصدرها البنتاغون في إدارة ترمب الأولى عام 2017، والثانية عام 2025.
في عام 2021 نشر كولبي كتابا بعنوان "إستراتيجية المنع: الحرب الأمريكية في عصر صراع القوى العظمى"، سعى فيه إلى تقديم إستراتيجية عسكرية تستند إلى رؤية متماسكة للعالم، وعرض منطق يمكن من خلاله تحديد الأولويات الأمريكية وتبني خيارات تحافظ على هيمنة الولايات المتحدة، كما شرح كيف ينبغي لواشنطن الاستعداد لخوض حرب كبرى، وحدد التحالفات المهم الحفاظ عليها أو توسيعها أو تجنبها.
ينطلق كولبي من فكرة أساسية مفادها أن لحظة القطب الواحد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي قد انتهت مع صعود الصين، ويستعير مقولة يعزوها إلى نابليون بأن "العالم سوف يهتز عندما تنهض الصين". ويشير إلى أنه في مطلع العقد الأول من الألفية الثانية أنفقت الولايات المتحدة على الدفاع ما يفوق إنفاق الدول الـ18 التي تليها مجتمعة، بينما اليوم تقلص هذا الهامش؛ إذ تنفق واشنطن ما يعادل الدول الـ7 التالية مجتمعة. أما الصين، التي قفزت إلى المركز الثاني، فقد زادت إنفاقها الدفاعي بنحو 10% سنويا على مدار الـ25 عاما الماضية. ولذا يرى كولبي أن اندلاع حرب كبرى أصبح احتمالا واردا، ما يتطلب من واشنطن الاستعداد لها.
"يستعير كولبي مقولة يعزوها إلى نابليون تقول إن العالم سوف يهتز عندما تنهض الصين"
في ضوء ذلك، يرى كولبي أن التعامل مع الواقع الجديد لا يمكن أن يتم بأنماط التفكير نفسها التي سادت في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وأن اتساع نطاق الالتزامات لم يعد يتناسب مع القدرة الراهنة على تنفيذها، ما يفرض على صناع القرار الأمريكيين التوفيق بين الأهداف التي يسعون لتحقيقها، وبين ما يمكنهم تحمله من أعباء.
ويشدد كولبي على أن الهدف الحيوي للإستراتيجية الأمريكية هو منع أي دولة أخرى من الوصول إلى وضع يسمح لها بالسيطرة على إحدى المناطق الرئيسية في العالم، فسيطرة دولة ما على منطقة كبيرة وغنية بالموارد تتيح لها امتلاك قدر من القوة يمكنها من التأثير في النظام الدولي بشكل يتجاوز حدود هذه المنطقة، ما يؤثر سلبا على القوة الاقتصادية الأمريكية، وقد يؤدي إلى إضعاف المجتمع الأمريكي واستقراره.
يستعرض كولبي المناطق الرئيسية في العالم، ويربط أهمية كل منها بحجم القوة الاقتصادية والعسكرية التي يمكن أن تنتج عنها، ويضع آسيا في مقدمة هذه المناطق بالنظر إلى أنها تشكل 40% من الناتج الإجمالي العالمي، كما أن اقتصاداتها مجتمعة تفوق اقتصاد الولايات المتحدة، بالإضافة إلى تقدمها التكنولوجي، ما يعني أن تأثيرها يتجاوز حدودها الجغرافية، ويضعها في موقع يجعل السيطرة عليها ذات أهمية كبيرة لأي قوة تسعى إلى تعزيز موقعها في النظام الدولي.
في المقابل، يضع كولبي أوروبا في مرتبة تالية، حيث يشير إلى أنها تمثل نحو ربع الناتج الإجمالي العالمي، وتتميز بأن اقتصاداتها أكثر تقدما من معظم الاقتصادات الآسيوية، لكنها تأتي بعد آسيا من حيث التأثير والأهمية، في حين يتناول أمريكا الشمالية من زاوية مختلفة، حيث ترتبط أهميتها بوجود الولايات المتحدة نفسها، التي تمثل 20% من الناتج الإجمالي العالمي، بينما بقية دول القارة أقل وزنا.
ثم يتطرق كولبي إلى منطقة الخليج العربي، مشيرا إلى أنها أقل من حيث الحجم الاقتصادي مقارنة بالمناطق الأخرى، حيث تضم 5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، لكنها في المقابل تضم 40% من احتياطيات النفط والغاز، ما يمنحها أهمية تتعلق بالطاقة. غير أن هذه الأهمية تتراجع مع محدودية تأثير الخليج – حسب تعبيره – على الأمن والازدهار الأمريكي، مقارنة بالمناطق الرئيسية الأخرى، ما يجعل الخليج يحظى باهتمام أمريكي أقل من آسيا أو أوروبا.
ويمتد هذا التصنيف ليشمل بقية مناطق العالم، حيث يشير كولبي إلى أن مناطق مثل أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى لا تمتلك من القوة الاقتصادية والعسكرية ما يجعلها قادرة على التأثير بقوة في ميزان القوة العالمي، حتى إذا اجتمعت قدراتها معا، ومن ثم فإن وزنها لا يسمح لها بتشكيل تحد حقيقي للولايات المتحدة. وينطبق الأمر نفسه على أفريقيا جنوب الصحراء التي تشكل 3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
وفي ضوء هذا التصور، تبرز آسيا في مقدمة المناطق من حيث الأهمية، بالنظر إلى ما تمتلكه من ثروات وقوة اقتصادية تفوق ما تملكه أفريقيا وأمريكا اللاتينية مجتمعتين، كما تبرز الصين بوصفها الدولة الأسرع صعودا، وهي أيضا الأقدر على فرض نفوذها في آسيا، ومن ثم يصبح منع الصين من الوصول إلى وضع مهيمن داخل آسيا الهدف الذي تدور حوله إستراتيجية الولايات المتحدة.
"يرى كولبي أن منع الصين من الوصول إلى وضع مهيمن داخل آسيا ينبغي أن يكون هو الهدف الرئيسي للولايات المتحدة"
ويشير كولبي إلى أهمية التصدي للهيمنة المحتملة لأي دولة، دون الاكتفاء بالتصدي للدول التي تمتلك بالفعل طموحات هيمنة معلنة. ويعلل هذه المقاربة بأن أهداف الدول ونواياها قابلة للتغير، خاصة في ضوء أمثلة تاريخية تظهر كيف يمكن أن تنتقل الدول من الرغبة في الحفاظ على الوضع القائم إلى السعي لتغييره، وهو تغير كثيرا ما حدث في فترة زمنية قصيرة. مثلا، كانت فرنسا تحت حكم لويس السادس عشر راضية نسبيا بالحفاظ على الوضع الراهن، لكنها تحت حكم نابليون، وفي غضون سنوات، لم تعد كذلك، وبالمثل تغيرت ألمانيا مع وصول هتلر إلى دفة الحكم في سنوات قليلة.
ويضيف كولبي: "أن تخطئ الولايات المتحدة في جانب الحذر عبر السعي لمنع دولة ما من فرض هيمنتها، أفضل من انتظار التأكد من نوايا تلك الدولة". ويشير إلى أن منع دولة تمتلك قدرات كبيرة من الوصول إلى وضع مهيمن يتطلب وقتا وجهدا، ما يجعل التحرك في مرحلة مبكرة أمرا ضروريا، فتأجيل التعامل مع هذا الاحتمال إلى حين تحققه قد يجعل من الصعب عرقلته لاحقا، خاصة إذا تمكنت هذه الدولة من تثبيت موقعها.
ولتلطيف هذه المقاربة التي تنظر إلى الصين بوصفها خصما محتملا ولو لم تعلن العداء من جانبها، يؤكد كولبي أنه "ما دامت الجهود الأمريكية موجهة نحو منع هيمنة بكين إقليميا بدلا من تقطيع أوصال الصين أو تغيير حكومتها بالقوة، فإن المعضلة الأمنية ينبغي أن تكون تحت السيطرة. إذا كانت الصين لا تسعى حقا إلى الهيمنة، فلا ينبغي لها أن تخشى الجهود التي تقتصر على منعها من القيام بذلك".
يشدد كولبي على أن الطريق أمام الولايات المتحدة لضمان عدم قيام دولة أخرى بفرض هيمنتها على منطقة رئيسية في العالم يتمثل في الحفاظ على توازنات القوى الإقليمية المواتية للمصالح الأمريكية. فمن الممكن حرمان الصين من الهيمنة إذا كان هناك عدد كاف من الدول الأخرى في آسيا التي يمكنها التحالف معا لمنع الصين من فرض واقع جديد، وصولا إلى امتلاك هذه الدول القدرة على الانتصار في حالة اندلاع حرب إقليمية، ما يتيح تقليل حجم الانخراط الأمريكي المباشر، نظرا لما تحمله الحروب من تكاليف مالية ومخاطر أمنية.
ويؤكد كولبي إن تفوق الولايات المتحدة عالميا لا يضمن بالضرورة التفوق في آسيا، فإذا كانت بكين أقدر على استخدام قوتها داخل آسيا، أو أكثر استعدادا لتحمل تكاليف الصراع من أجل تحقيق أهدافها، فإن ذلك قد يمنحها أفضلية داخل هذا المسرح، وهو ما يفسر أهمية التركيز على توازن القوى الإقليمي في آسيا لأن الحسم في النهاية يتم داخل منطقة بعينها.
"يرى كولبي أن دولتين في آسيا يمكن أن تعملا معا كحجر زاوية في مواجهة الهيمنة الصينية، وهما اليابان والهند"
يستند هذا التحالف إلى منطق مفاده أنه من الأفضل البقاء معا بدلا من خوض كل دولة صراعا محتملا بشكل منفرد مع الصين. ومن ثم يحذر كولبي من جهود الصين لتفكيك التحالفات الأمريكية في آسيا، أو إضعافها عبر إغراء بعض الدول بالابتعاد عن واشنطن، وطمأنتها بأن بكين لا تحمل توجهات معادية لها، أو أن كلفة التموضع ضدها أكبر من كلفة الحياد أو الصداقة معها. وإذا تمكنت الصين من تحييد عدد كاف من الدول الحليفة لواشنطن مثل اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية، والدول ذات العلاقات الجيدة بواشنطن مثل الهند وفيتنام والفلبين، فإنها قد تتمكن من حشد ما يكفي من القوة للانتصار في حرب تقليدية ضد الحلف المناهض لها.
ويشير كولبي إلى دولتين في آسيا يمكن أن تعملا معا كحجر زاوية في مواجهة الهيمنة الصينية، وهما اليابان والهند، فكل منهما بمفرده أضعف من الصين اقتصاديا وعسكريا، كما أن الهند تقع في جنوب آسيا، ولديها قدرة ضئيلة على بسط قوتها في شرق آسيا وغرب المحيط الهادئ، لكنهما معا يمكن أن يشكلا أساسا لتحالف قوي يضم دولا مثل كوريا الجنوبية وفيتنام وإندونيسيا، إلى جانب الدور الأمريكي الداعم بوصفه موازنا خارجيا في المنطقة.
ويناقش كولبي في مقاربته لكبح الهيمنة الصينية، قضية شديدة الحساسية، وهي مدى وفاء واشنطن بالتزاماتها في مناطق أخرى. فيشير إلى أن الوفاء بالوعود غير الحكيمة أمر غير مطلوب، وأن الحفاظ على مصالح المواطنين الأمريكيين يظل أولوية، حتى لو استدعى ذلك التراجع عن بعض التعهدات. ويضرب مثالا بأن الشركة التي تفلس بسبب محاولتها الوفاء بكل التزاماتها لا تخدم مساهميها ولا العاملين فيها، وبالمثل فإن الدولة التي تستنزف مواردها في الوفاء بكل تعهد، مهما كان هامشيا، لا تخدم أهدافها الأساسية.
يخلص كولبي إلى أن الإصرار على الوفاء الكامل بكل الالتزامات الأمنية الأمريكية لحلفاء واشنطن حول العالم قد يهدد منظومة الالتزام بأكملها، وأن التضحية بالالتزامات الأقل أهمية لصالح الأهم منها يمكن أن يعزز مصداقية الولايات المتحدة. ولذلك يدعو كولبي إلى تجنب أو تقليل أو إلغاء الالتزامات المكلفة أو الصعبة في مناطق أخرى، بما في ذلك الشرق الأوسط، مع التركيز على المسرح الأهم من وجهة نظره في آسيا.
"يدعو كولبي إلى تقليل التزامات أمريكا في العديد من المناطق ومنها الشرق الأوسط، مع التركيز على المسرح الأهم في آسيا"
ولكن كيف يمكن للدول الحليفة والصديقة أن تميز بين تنصل واشنطن من بعض التزاماتها واستعدادها للوفاء بالتزامات أخرى؟ يجيب كولبي بأن قرار الدفاع عن أي دولة يرتبط بحسابات التكاليف والمخاطر والفوائد، مستشهدا بانسحاب الولايات المتحدة من فيتنام مع استمرار التزاماتها في أوروبا، ومن أفغانستان والعراق دون الإخلال بتحالفاتها في آسيا. ويعتبر كولبي أن معيار مصداقية التحالفات في آسيا تتجسد في مدى استعداد الولايات المتحدة للدفاع عن تايوان، فالسماح بسقوطها أمام هجوم صيني سيقوض ثقة الحلفاء ويدفعهم للبحث عن بدائل.
ويقول رالف كوسا، الرئيس السابق لمنتدى المحيط الهادئ التابع لمركز الدراسات الدولية والإستراتيجية: "استنادا إلى مئات، إن لم يكن الآلاف، من المناقشات مع الكوريين واليابانيين وغيرهم من الدول الآسيوية، ومع المسؤولين والمتخصصين الأمنيين، فإن مصداقية التحالفات الأمريكية في آسيا وأماكن أخرى تتوقف على مصداقية الالتزام الدفاعي الأمريكي الفعلي تجاه تايوان". وإذا فشلت الولايات المتحدة في تقديم المساعدة لتايوان في حالة وقوع هجوم عليها، فإن حلفاء الولايات المتحدة سيفقدون الثقة في تحالفاتها وسيبحثون عن وسائل أخرى لضمان بقائهم، سواء عبر الحصول على قدرة نووية مستقلة أو عبر البحث عن تسوية مع بكين.
يطرح كولبي مجموعة من الإجراءات لتعزيز هذا الالتزام، من بينها استعداد الولايات المتحدة للقتال بطرق تزيد من الفوائد وتقلل من المخاطر والتكاليف، مع تدشين محيط دفاعي ينتقي بعناية الدول التي يمكن أن تسهم فعليا في مواجهة الصين، محذرا من توسيع شبكة التحالفات بشكل مفرط، لما قد يسببه من أعباء إضافية أو إشكالات إذا تعذرت القدرة على دعم بعض الأعضاء الضعفاء. ولذا يدعو كولبي لعدم ضم دول مثل منغوليا وقرغزستان للتحالفات الأمريكية، كما يشير إلى أهمية دول مثل كوريا الجنوبية والفلبين وتايوان بوصفها توفر حدودا عسكرية طبيعية تمنع الصين من بسط قوتها في منطقة المحيط الهادئ وجنوب شرق آسيا.
ويشدد كولبي أيضا على ضرورة الحفاظ على روابط واشنطن الوثيقة مع العديد من الدول الأرخبيلية والجزرية في وسط وجنوب المحيط الهادئ، بما في ذلك بالاو وميكرونيزيا وجزر مارشال، لأنها تشكل بداية سلسلة "الجزر الثانية" التي توفر جغرافيا مهمة وعمقا إستراتيجيا للقوات الأمريكية، وكذلك أستراليا التي تلعب دورا محوريا في المحيط الهادئ كقاعدة دعم للدفاع عن إندونيسيا والفلبين وتايوان.
"يخلص كولبي إلى أن الدول الجزرية مثل تايوان واليابان والفلبين وفيتنام، ومحيط بحر الصين الجنوبي، هي مركز المنافسة الإستراتيجية مع الصين"
وبناء على ما سبق، يخلص كولبي إلى أن الدول الجزرية مثل تايوان واليابان والفلبين وفيتنام، وأجزاء من جنوب شرق آسيا حول بحر الصين الجنوبي، هي مركز المنافسة الإستراتيجية مع الصين، ما يتطلب حشد الأصول العسكرية لأمريكا وحلفائها، والتخطيط عسكريا لخوض الحرب في تلك المنطقة. ويستلهم كولبي هنا مقولة رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل: "إذا فزنا بالمعركة الكبرى في المسرح الحاسم، فيمكننا أن نضع كل شيء في نصابه بعد ذلك".
ولكن يستدرك كولبي تنظيره للحرب بضرورة تجنب الوصول لعتبة الحرب النووية، ما يتطلب امتناع الولايات المتحدة عن وضع أهداف تستفز بكين، مثل تدمير الصين أو تغيير نظام الحكم أو احتلال جزء كبير من أراضيها، بحيث تقتنع بكين بإنهاء الصراع بشروط مقبولة للولايات المتحدة دون تصعيد مفتوح أو قتال حتى النهاية.
تتطور الحرب وفقا لسلوك أطرافها، ومن ثم يدعو كولبي إلى بناء الخطط العسكرية الأمريكية في آسيا وتخصيص الموارد بهدف التصدي لأفضل الإستراتيجيات الصينية العسكرية. ويرى أن الوسيلة الأكثر جاذبية لكي تصبح الصين القوة المهيمنة في آسيا، تتلخص في اكتساب المزيد من القوة، وفي نهاية المطاف، ومن خلال ثقل قوتها، تتجاوز أي تحالف واقعي يمكن تشكيله لكبح طموحاتها.
ويجادل كولبي بأن الطريقة الأكثر منطقية بالنسبة لبكين لكسر التحالف الأمريكي هي استغلال الاختلافات بين أعضائه حول الاستعداد لتحمل التكاليف والمخاطر المطلوبة للدفاع عن الدول المستهدفة من الصين، ومن ثم البدء في استهداف أعضاء التحالف بشكل متسلسل، بما يؤدي إلى إضعافه تدريجيا حتى ينهار. وستكون نقطة البداية تايوان، التي يمثل توحيدها مع الصين مطلبا وطنيا، كما تمثل عائقا أمام قدرة بكين على بسط قوتها البحرية بعيدا عن حدودها، كما أن السيطرة عليها توفر قواعد عسكرية إضافية تمكن الصين من تقييد وصول القوى الأخرى إلى غرب المحيط الهادئ وشرق آسيا.
"يرى كولبي أن الطريقة الأكثر منطقية بالنسبة لبكين لكسر التحالف الأمريكي هي استغلال الاختلافات بين أعضائه"
بعد إخضاع تايوان، يرى كولبي أن الصين قد تتجه إلى الفلبين، بوصفها حليفا قديما للولايات المتحدة ودولة أضعف نسبيا، وتشكل قاعدة محتملة للعمليات الأمريكية في المنطقة نظرا لقربها من مسرح العمليات مقارنة باليابان وأستراليا وجزر المحيط الهادئ. ثم يأتي الدور على فيتنام المجاورة للصين، ومع نجاح هذا المسار، وإثبات أن الولايات المتحدة وتحالفاتها لا تستطيع الدفاع بشكل فعال عن هذه الدول، ستتراجع مصداقية واشنطن، ويتفكك التحالف، وتتمكن الصين من فرض سيطرتها على المنطقة بما يكفي لمواجهة تحالف يضم اليابان والهند إلى جانب الولايات المتحدة وأستراليا، ومن ثم سيمتد نفوذها تدريجيا إلى آسيا الوسطى ثم الشرق الأوسط، وصولا إلى نصف الكرة الغربي.
كولبي يدعو لنصب فخ لبكين عبر وضعها أمام خيارين: إما القبول بتقييد نفوذها أو المخاطرة بالتصعيد (الفرنسية)وفي مقابل أفضل إستراتيجية صينية متوقعة، يدعو كولبي إلى تبني إستراتيجية أمريكية مضادة تقوم على منع الصين من تحقيق شروط النصر اللازمة لنجاح إستراتيجيتها، وذلك عبر حرمانها من القدرة على غزو تايوان أو إحكام السيطرة عليها إذا نجحت في تنفيذ الغزو، وهو ما يعني تدمير أو تعطيل قدر كاف من قوات الغزو الصينية، بحيث لا تكفي القوات التي تصل إلى تايوان للاستيلاء على أراضيها الرئيسية.
وهنا يمثل مضيق تايوان، الذي يبلغ عرضه ثمانين ميلا عند أضيق نقطة "ساحة اصطياد" مثالية للسفن الصينية التي تحاول الوصول إلى تايوان. وتحقيق هذا الهدف سيتطلب أيضا شن ضربات على الأراضي الصينية تستهدف القوات المشاركة في الحرب أو الداعمة لها، إلى جانب استهداف البنية التحتية الاقتصادية المرتبطة بالمجهود الحربي، بما يؤدي إلى رفع كلفة استمرار الحرب مقارنة بإنهائها.
"في رؤية كولبي، يمثل مضيق تايوان ساحة اصطياد مثالية للسفن الصينية التي تحاول الوصول إلى تايوان"
ويضيف كولبي أنه من المهم تعزيز إدراك حلفاء الولايات المتحدة للمخاطر التي تمثلها الصين، وإقناعهم بأن مواجهة الصين في الوقت الحاضر أفضل من الانتظار ومواجهتها في حرب أكبر وأخطر في المستقبل، وأن الصين لو سيطرت على تايوان فلن تكتفي بها، وإنما ستتجه بعدها للسيطرة على دول أخرى.
ولتطبيق هذا التصور يدعو كولبي لنصب فخ لبكين عبر وضعها أمام خيارين: إما القبول بتقييد نفوذها أو المخاطرة بالتصعيد، وذلك عبر تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في دول مثل اليابان والفلبين وأستراليا وكوريا الجنوبية، بما يوحي لبكين بأنها تواجه بيئة أكثر تضييقا، وهو ما قد يدفعها إلى اتخاذ قرار بالمواجهة في توقيت تكون فيه موازين القوة أكثر ملاءمة للولايات المتحدة وحلفائها، مثلما فعلت اليابان في الحرب العالمية الثانية بعد أن تعرضت لضغط أمريكي دفعها لمهاجمة ميناء بيرل هاربر.
يتطرق كولبي إلى إيران في سياق ترتيب الأولويات، حيث يشير إلى أنه لا توجد حاجة لأن تتصدى الولايات المتحدة للتهديد الذي تمثله إيران بالتزامن مع مهام أخرى، مثل الدفاع عن تايوان والحفاظ على الردع الإستراتيجي في آسيا، موضحا أن الجيش الإيراني كبير وقد يشكل خصما صعبا إذا قررت واشنطن غزو إيران واحتلالها، وهو ما لا يخدم أي مصلحة إستراتيجية للولايات المتحدة، ومن المرجح أن يكون مكلفا وقد ينتهي إلى الفشل، ولذلك يؤكد أنه إذا اندلع صراع مع إيران، ينبغي على الولايات المتحدة التأكد من أن أي تحرك ضدها لا يؤثر على قدرتها في الدفاع عن تايوان أو أي حليف آخر في آسيا.
"يرى كولبي أن غزو إيران واحتلالها لا يخدم أي مصلحة إستراتيجية للولايات المتحدة"
وفيما يتعلق بروسيا وحلف الناتو، قدم كولبي في فبراير/شباط 2026 خطابا مهما بصفته ممثلا لوزير الحرب هيغسيث خلال اجتماع وزراء دفاع الحلف، وعرض فيه تصورا لما أسماه نسخة الحلف الثالثة، حيث انطلق من فرضية مفادها أن مرحلة ما بعد الحرب الباردة التي تشكلت خلالها أنماط عمل الحلف قد انتهت، وهو ما يفرض إعادة التكيف مع واقع دولي مختلف.
وقد قسم كولبي تاريخ الحلف إلى 3 مراحل: "الناتو 1.0" خلال الحرب الباردة، حيث تمحورت وظيفته حول الردع والدفاع عن أوروبا في مواجهة الاتحاد السوفياتي، ثم "الناتو 2.0" بعد انهيار الاتحاد السوفياتي حيث توسعت مهام الحلف خارج مجاله الجغرافي، وانخرط في أفغانستان والعراق وعمليات إدارة الأزمات. أما "الناتو 3.0" فيمثل عودة إلى الوظيفة الأصلية للحلف، لكن ضمن سياق يتسم بتزايد الضغوط على الموارد الأمريكية، ما يستدعي إعادة توزيع الأعباء داخل الحلف، بحيث تتحمل أوروبا المسؤولية عن دفاعها التقليدي، خاصة في ظل التهديد الروسي، في حين تعيد الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها مع التركيز على منطقة المحيطين الهندي والهادئ باعتبارها الساحة الرئيسية للتنافس الدولي.
في منتصف أبريل/نيسان 2026 ألقى كولبي كلمة في اجتماع مجموعة الاتصال المعنية بالدفاع عن أوكرانيا، وأشار فيها إلى أن واشنطن ما تزال تتحمل عبء الأمن العالمي في ساحات تتعلق بالمصالح الأوروبية بدرجة أكبر من المصالح الأمريكية، مثل مضيق هرمز، ومؤكدا أن كل دولة تعطي الأولوية لمصالحها، وعلى هذا الأساس ينبغي أن تفعل الولايات المتحدة الشيء نفسه بالتركيز على التهديدات الأخطر على الأمريكيين، كما لفت النظر إلى أن دعم أوكرانيا تم بدرجة كبيرة عبر استنزاف المخزونات الأمريكية المحدودة، معتبرا أن ذلك يمثل استمرارا لنمط "الناتو 2.0″، مشددا على ضرورة أن تتحرك أوروبا بوتيرة أسرع للقيام بدورها وتحمل مسؤولية أكبر.
يطرح كولبي في نهاية كتابه سؤالا حول حدود ما يمكن أن تتحمله الولايات المتحدة من أعباء في سبيل تنفيذ الإستراتيجية التي طرحها تجاه الصين، إذ يقر بعدم كفاية وضوح الهدف أو دقة التصور لضمان قابليته للتطبيق في ظل ما يتطلبه من تضحيات ومخاطر، خاصة عندما يتعلق الأمر بالانخراط في صراعات بعيدة جغرافيا عن الولايات المتحدة، حتى وإن كانت ذات أهمية كبرى.
فمع صعود الصين وتزايد قدراتها، تصبح كلفة الدفاع عن الحلفاء في آسيا أكبر، ما قد يدفع قطاعات داخل الولايات المتحدة إلى التشكيك في جدوى هذه الإستراتيجية، خاصة إذا لم تقترن بتقاسم للأعباء مع الحلفاء، وبالحفاظ على الحيوية الاقتصادية التي هي ركيزة القوة الأمريكية.
"يشدد كولبي على ضرورة تجنب الانخراط في حروب ثانوية تستنزف الموارد وتضعف الإرادة السياسية"
ولذا يشدد كولبي على ضرورة تجنب الانخراط في حروب ثانوية تستنزف الموارد وتضعف الإرادة السياسية، بما يؤثر سلبا على القدرة على التعامل مع التحدي الرئيسي المتمثل في الصين. ويؤكد على أهمية إخضاع أي دعوات للانخراط في صراعات أخرى لمراجعة دقيقة، بما يضمن الحفاظ على القدرة والعزم اللازمين للتعامل مع التحديات التي تمس المصالح الأمريكية.
وفي ضوء عملية "اختطاف" الرئيس الفنزويلي مادورو، وشن الحرب على إيران، تبرز إشكالية تعارض الأولويات، فالانخراط في مسارح عمليات بعيدة عن شرق آسيا يطرح تساؤلات إضافية حول مدى اتساق هذه العمليات العسكرية مع متطلبات كبح الصعود الصيني كما خطها كولبي، نظرا لاستنزافها للموارد الأمريكية، وزيادة كلفتها السياسية والاقتصادية، ما يعيد طرح السؤال حول حدود القوة الأمريكية، وكيفية الموازنة بين الاستجابة للمغامرات "غير الضرورية" والتركيز على التنافس مع القوى الكبرى.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة