آخر الأخبار

كيف وقع ترمب في فخ "احفر يا عزيزي"؟

شارك

قبل أسبوعين، تباهى الرئيس الأمريكي ترمب على منصته "تروث سوشيال" بأن "أسطولا" من الناقلات الفارغة كان في طريقه إلى ساحل الخليج الأمريكي لتحميل النفط الخام المنتج في الولايات المتحدة، ومعظمه من النفط الصخري.

ويعد هذا نتيجة مباشرة لاستمرار إغلاق مضيق هرمز، بل إن الإغلاق أصبح أكثر إحكاما، لأن الولايات المتحدة باتت تفرض حظرا على أي سفينة تخدم المصالح الإيرانية بعد أن كان النفط الإيراني يُصدر سابقا. وردا على ذلك، يبدو أن طهران أصبحت أقل تساهلا في السماح لناقلات النفط أو المنتجات القادمة من دول خليجية أخرى بالمرور عبر المضيق.

وبناء على ذلك، بات النفط الخليجي الوحيد الذي يصل إلى الأسواق الدولية في الوقت الحالي هو، إما الخام السعودي الذي يُضخ إلى ينبع عبر خط أنابيب الشرق والغرب، أو خام أبوظبي الذي يُضخ إلى الفجيرة عبر خط أنابيب "أدكوب"، بالإضافة إلى كميات محدودة من الخام العراقي الذي يتم تصديره عبر خط الأنابيب المتجه إلى جيهان في تركيا.

وهذا العدد الكبير من الناقلات المتجهة إلى ساحل الخليج الأمريكي قد يُنظر إليه على أنه تأكيد للهيمنة الأمريكية على الطاقة، وهو هدف سعى إليه دونالد ترمب بالفعل خلال ولايته الأولى، كما أنه تطور سيساعد بالتأكيد في تقليص العجز في الميزان التجاري الأمريكي، الذي استخدمه ترمب بشكل بارز كمبرر لفرض تعريفات جمركية على مجموعة واسعة من الدول.

ولكن هل سيعزز ذلك فعلا موقف ترمب السياسي؟

قد نتساءل: من المستفيد في الولايات المتحدة من ارتفاع أسعار النفط؟ للوهلة الأولى، قد يُعتقد أن منتجي النفط الأمريكيين هم الرابح الأكبر، إذ فاز ترمب بولاية ثانية وهو يدعو لزيادة التنقيب وإنتاج النفط عبر شعاره الشهير "احفر يا عزيزي، احفر"، لكنه في الوقت نفسه وعد بخفض الأسعار للمستهلكين.

أما منتجو النفط الصخري الذين تعد تكاليفهم مرتفعة نسبيا، فكانوا ينظرون دائما إلى موقف الرئيس بشيء من الحذر؛ لأنهم يرحبون من جهة بالتشجيع على زيادة الإنتاج، لكنهم يحتاجون إلى أسعار أعلى لتحقيق الحافز الكافي من الجهة الأخرى.

إعلان

الآن حصل هؤلاء على الأسعار المرتفعة، لكن الفائدة الفورية قد تكون أقل مما يرجى؛ لأن المنتجين، وخاصة الصغار، يقومون غالبا بالتحوط لإنتاجهم مسبقا عبر بيع العقود الآجلة، حتى يحافظوا على سعر مناسب.

وإذا افترضنا أنهم تحوطوا قبل شهر واحد فقط، فلن يبدؤوا في الاستفادة من الأسعار المرتفعة إلا في مايو/أيار، (علما أن عقود أبريل/نيسان انتهى تداولها في فبراير/شباط، قبل بدء الأعمال العدائية).

وعلى الأرجح، تم التحوط لجزء على الأقل من إنتاج شهر مايو/أيار والأشهر التالية، حتى قبل أن تتأثر الأسعار بإغلاق ممر هرمز، لذا، فإن مدى استفادة المنتجين في الأشهر المقبلة يعتمد على إستراتيجيات التحوط السابقة والحالية.

علاوة على ذلك، تعاني سوق العقود الآجلة من حالة تراجع حادة (حالة تكون فيها الأسعار الفورية أعلى من الأسعار المستقبلية)، مما يعني أن أسعار الأشهر البعيدة تنخفض بسرعة، وبينما كان سعر الشهر القريب في نهاية أبريل/نيسان (أي سعر شهر يوليو/تموز) حوالي 95 دولارا للبرميل، كان سعر شهر سبتمبر/أيلول (بعد شهرين فقط) 84 دولارا، وسعر شهر ديسمبر/كانون الأول 78 دولارا.

وبالتالي، فإن المنتِج الذي يريد التحوط لثلاثة أشهر مسبقا يمكنه البيع اليوم بـ 84 دولارا للبرميل، وليس بالأسعار المرتفعة للغاية للشحنات الفورية التي يدفعها المشترون الآسيويون للتسليم العاجل.

في الواقع، يبدو أن أكبر المكاسب ذهبت إلى المصافي الأمريكية التي تمكنت من رفع الأسعار على المستهلك النهائي، في وقت كانت لا تزال تتمتع فيه بأسعار أقل للمواد الخام.

ومن المفترض أن المصافي أيضا تقوم بالتحوط لمشترياتها من الخام جزئيا على الأقل، فتكون قد اشترت العقود الآجلة قبل بضعة أشهر، والنتيجة النهائية هي أن المستهلكين الأمريكيين يتحملون تكلفة الحرب حتى الآن، إذ ارتفع متوسط سعر البنزين في المحطات إلى 4.1 دولارات للغالون وفقا لجمعية السيارات الأمريكية، بزيادة قدرها 37% عن المستوى الذي سبق الأعمال العدائية.

والآن، ينذر العدد الكبير من الناقلات المتجهة إلى الخليج الأمريكي لشراء النفط، بدفع الأسعار داخل الولايات المتحدة إلى مزيد من الارتفاع.

ووفقا لبعض التقديرات، قد ترتفع صادرات النفط الخام الأمريكية إلى 5 ملايين برميل يوميا، مقارنة بأقل من 4 ملايين في الأشهر الأخيرة، وهذا سيؤثر بالتأكيد على الأسعار المحلية، وهو ما سينعكس بدوره على أسعار البنزين.

في الوقت نفسه، لا يملك منتجو النفط الخام الأمريكيون حافزا كبيرا للاستثمار وزيادة الإنتاج بشكل أكبر، ويعود ذلك إلى حالة التراجع الحاد، لأنه من أجل تمويل الاستثمار في قدرات إضافية، يحتاج المنتجون لبيع عقود آجلة طويلة الأجل (سنة أو أكثر)، وأسعار هذه العقود أقل بكثير، ولن يتغير ذلك إلا إذا اقتنعت السوق بأن إغلاق هرمز سيستمر لفترة طويلة جدا.

في بداية الأزمة، بدا أن ترمب قلق من ارتفاع الأسعار؛ لأن الناخبين لا يحبون ذلك، خاصة أن انتخابات التجديد النصفي تقترب. ولذلك، قام برفع العقوبات عن "النفط الروسي والإيراني الموجود في عرض البحر"، وتغاضى مرحليا عن الصادرات الإيرانية.

إعلان

ومن الواضح أنه لم يتوقع أن تستمر الأزمة طويلا، وكان يطمئن الجمهور الأمريكي بأن ارتفاع الأسعار مؤقت وسيزول سريعا.

وفي الوقت نفسه، لا يسمح الرئيس للبحرية الأمريكية بدخول مياه الخليج واستخدام قوتها الكبيرة لإعادة فتح المضيق، ويبدو أنه لا يريد ببساطة أي خسائر أمريكية، سواء في الأرواح أو السفن.

ولكن ماذا لو استمرت الأسعار في الارتفاع داخل الولايات المتحدة لأن "الهيمنة الأمريكية على الطاقة" تعني أن بقية العالم تريد شراء النفط الأمريكي؟ نظريا، يمكن للإدارة اتخاذ إجراءات للحد من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال؛ للحفاظ على انخفاض الأسعار محليا.

وهذا ما تفعله بعض الدول الآسيوية، التي تحد من صادرات المنتجات المكررة؛ لضمان استخدام النفط المستورد محليا. لكن بالنسبة للهيمنة الأمريكية على الطاقة وشعار "احفر، يا عزيزي، احفر"، فإن فرض قيود على الصادرات سيكون كارثيا.

ولنتذكر أن الرئيس السابق جو بايدن أوقف منح تصاريح محطات الغاز الطبيعي المسال الجديدة؛ لتجنب زيادة أسعار الغاز في أمريكا، وانتقده الجمهوريون بشدة حينها، لذا لا يمكنهم فعل الشيء نفسه الآن.

والخلاصة هي أن سوق النفط عالمية بطبيعتها، وتكلفة نقص النفط ستقع على عاتق الأمريكيين كما تقع على غيرهم. وقد تكون اقتصادات الخليج الأكثر تضررا؛ بسبب تراجع قدرتها على التصدير وتحقيق الإيرادات، لكن الولايات المتحدة أيضا لا يبدو أنها تحقق مكاسب كبيرة من هذا الوضع.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا