آخر الأخبار

اعتقال أمجد يوسف: بداية المحاسبة أم مجرد خطوة رمزية؟

شارك
قام مرتكبو مجزرة حي التضامن بتصوير أنفسهم خلال ارتكاب جريمتهم، التي لعب فيها هذا الضابط دورًا مركزيًا وقد تم التعرف على هويته في وقت لاحق باسمه أمجد يوسفصورة من: AP Photo/picture alliance

لقد تمكّن أمجد يوسف من الاختباء لنحو عام ونصف العام، والآن قُبض عليه. فقد تمكّنت السلطات السورية يوم الجمعة (24 نيسان/أبريل) من إلقاء القبض على ضابط المخابرات السابق أمجد يوسف في ريف حماة وسط سوريا ، ونشرت صورة له بزيّ السجن المخطط.

واعتقال أمجد يوسف يعتبر خطوة من أهم الخطوات حتى الآن في الملاحقة القانونية لجرائم الحرب الأهلية السورية. وأمجد يوسف مُتَّهم بلعب دور مركزي في مجزرة حي التضامن بريف دمشق ، والتي قُتل فيها مئات المدنيين بتاريخ 16 نيسان/أبريل 2013. ظهر أمجد يوسف في مقطع فيديو نُشر عام 2022 وهو يقود سجناء معصوبي الأعين إلى حفرة، ويتركهم يسقطوون فيها، ثم يطلق النار عليهم. وبعد ذلك تم إحراق جثث الضحايا داخل الحفرة.

وفي حوار مع DW علّقت على هذا المقطع بينتي شيلر، الخبيرة في شؤون سوريا لدى مؤسسة هاينريش بول الألمانية، قائلة: "نادرًا ما يتم عرض وجهة نظر الجناة بهذا الوضوح". وأضافت أنَّ اللقطات المصوَّرة لا تُظهر الوحشية فقط، بل تظهر أيضًا البديهية التي نفَّذ بها الجناة جريمتهم: "إذ إنَّهم يعتبرون أنفسهم قادرين على القيام بذلك لأنَّهم مخولون بفعله". وهذا يُفسّر لماذا لا تزال هذه المجزرة تثقل كاهل الكثير من السوريين حتى يومنا هذا.

"واحدة من أولى وأكبر المجازر"

وبعد اعتقاله، اعترف أمجد يوسف بمشاركته في قتل نحو 40 شخصًا، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان . وقال أيضًا إنَّه تصرّف من دون أوامر مباشرة. بيد أنَّ هذه الرواية قوبلت بالشك. وذلك بسبب وجود دلائل كثيرة تشير إلى أنَّ هذه الأعمال كانت مدمجة ضمن هيكل عسكري. وبناءً على ذلك فإنَّ مجزرة حي التضامن تبدو جزءًا من عنف منظم أكثر من كونها عملًا فرديًا.

"لقد كانت مجزرة التضامن واحدة من أولى وأكبر المجازر التي ارتكبها نظام الأسد خلال الحرب"، كما يقول الخبير السياسي أندريه بانك من المعهد الألماني للدراسات العالمية والإقليمية في هامبورغ . ويضيف أنَّ هذه المجزرة توثِّق مدى تقدّم شدة التوحُّش والتصعيد في الصراع منذ بداياته.

ومجزرة حي التضامن لا تزال حتى يومنا هذا رمزًا لوحشية نظام الأسد ، كما يقول بانك: "كان الأمر يتعلق في ذلك الوقت أيضًا بالدعاية السياسية. فقد كان النظام يريد إظهار سيطرته المطلقة". وكان هدف المجزرة إحداث تأثير رادع - سواء في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة أو في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام. وبالتالي فقد كانت الكاميرا جزءًا من العنف نفسه.

أمجد يوسف خلال سلسلة من المقابلات التي أجراها على الإنترنت بين عامي 2020-2021 مع الباحثين المُتخفيين أوغور أوميت أونغور وأنصار شحودصورة من: Ugur Ungör

"العنف كعرض مُعدّ"

لعب المؤرخ أوغور أوميت أونغور، وهو باحث في جامعة أمستردام، دورًا محوريًا في الكشف عن الجرائم وتصنيفها. وتمكّن بالتعاون مع الباحثة السورية أنصار شحود من تحديد هوية الجناة باستخدام لقطات فيديو ومن خلال التواصل معهم على مدى سنين.

ويرى أوميت أونغور أنَّ هذا الفيديو لا يعتبر مجرد دليل، بل هو مفتاح لفهم النظام. إذ إنَّ الجناة كانوا يتصرفون بهدوء وفي عمل مقسّم وبشكل شبه روتيني. وضمن هذا السياق يتحدث أونغور عن "العنف كعرض مُعدّ". ويضيف أنَّ عمليات الإعدام وتوثيقها كانت متداخلة؛ ولا يتم تدوينها في أرشيفات الأنظمة المشابهة: الأوامر الحاسمة غالبًا ما يتم إهمال تدوينها كتابيًا بهدف إخفاء المسؤولين عنها.

وتشاركه في هذا الرأي الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وتفترض أنَّ مجزرة حي التضامن قد أودت بحياة عدد أكبر بكثير من عدد الضحايا في الفيديو، وربما بحياة أكثر من 450 شخصًا. وكذلك ترى الشبكة السورية لحقوق الإنسان أنَّ هذه القضية ليست جريمة معزولة، بل هي تعبير عن منظومة العنف. وبالتالي فإنَّ عملية اعتقال شخص واحد لا يمكن أن تكون إلا بداية.

"ملاحقة جنائية انتقائية"

تشير هذه القضية في الوقت نفسه إلى وجود مشكلة هيكلية في محاسبة المسؤولين عن الجرائم: فحتى في الحالات التي تتوفر فيها أدلة قوية للغاية - من تسجيلات فيديو واعترافات وشهادات شهود -، تبقى الملاحقة القانونية معقدة. وغالبًا ما يمكن تحديد المسؤولية الفردية بشكل أوضح من تحديد المسؤولية المؤسساتية. ولكن هذا بالذات يحدد إن كانت الملاحقة الجنائية ستؤدي في الواقع إلى محاسبة قضائية.

ومع ذلك فإنَّ اعتقال أمجد يوسف يعتبر إشارة مهمة. فهو يُظهر إمكانية محاسبة بعض الجناة على الأقل بأدلة واضحة. ولكن من غير الواضح إلى أي مدى ستصل هذه العملية. وحول ذلك يقول بانك: "الهدف يتعلق هنا بتقديم مثال رمزي مهم للغاية". ويضيف أنَّ الملاحقة الجنائية حتى الآن "انتقائية جدًا".

وبالإضافة إلى ذلك فقد بدأت السلطات السورية أيضًا بأولى الإجراءات القانونية ضد مسؤولين آخرين من جهاز الأمن القديم. ويرى المراقبون في ذلك محاولة لإيجاد بعض الاستمرارية المؤسسية داخل النظام القضائي - ولكن يبقى من غير الواضح ما مدى إمكانية إجراء هذه المحاكمات بشكل مستقل بالفعل وإن كانت ستستمر على المدى البعيد.

تحذير من التوقعات المبالغ فيها

تشير الخبيرة بيتني شيلر أيضًا إلى وجود تناقض. وتقول: "الكثيرون يريدون تحقيق العدالة ويعلِّقون آمالهم على هذه المحاكمات". ومع ذلك فإنَّ اعتقال أمجد يوسف قد يؤدي بسهولة إلى توقعات مبالغ فيها. وذلك "لأنَّ هذه المجزرة تعتبر في نهاية المطاف مجرد واحدة من بين مجازر عديدة ". والأمر الحاسم هنا هو ضرورة توسيع نطاق المحاسبة القضائية.

ويضاف إلى ذلك أنَّ القضاء الانتقالي في سوريا قد ركّز حتى الآن فقط على جرائم النظام السابق؛ بينما يبقى مرتكبو جرائم العنف الآخرون بعيدين عن المساءلة إلى حد كبير. ولذلك تدعو بنتي شيلر إلى اتباع نهج أكثر شمولًا. وتقول: "من المستحسن أن يتم التركيز على منظور يهتم بالضحايا، بصرف النظر عن هوية الجناة".

وهناك عامل آخر من عوامل عدم اليقين يكمن في طبيعة الهياكل الأمنية الجديدة نفسها. إذ إنَّ الكثيرين من كوادر الدولة الحاليين ينحدرون من ميليشيات أو جماعات مسلحة سابقة ولم يتم دمجهم في هياكل الدولة إلا بعد تغيير النظام. وهذا لا يعقّد فقط العمل بمهنية، بل يثير أيضًا تساؤلات حول مصداقية القضاء الذي تتم إداررته جزئيًا من قبل الفاعلين نفسهم، الذين كانوا في السابق جزءًا من النزاع.

"العدالة وليس الانتقام"

ما من شك في أنَّ مجزرة حي التضامن لا تزال تشكل حتى اليوم جرحًا عميقًا بالنسبة لكثير من السوريين. ومع ذلك تقول شيلر: "يوجد أشخاص في سوريا يريدون العدالة وليس الانتقام". وتضيف أنَّ المجتمع في سوريا لم يصبح متوحشًا تمامًا رغم سنين العنف الطويلة.

وفي الوقت نفسه تظهر المبادرات المحلية وأشكال التذكير ومشاريع المجتمع المدني أنَّ الرغبة في التوعية والتذكير ما تزال حية. وهذه المقاربات قد تلعب دورًا مهمًا على المدى الطويل - خاصة حيث تصل الإجراءات الحكومية إلى أقصى حدودها.

وبذلك فإنَّ قضية أمجد يوسف تمثل نموذجًا للأسئلة الأكبر التي تواجه سوريا: هل تكفي محاكمة بعض المجرمين الأفراد، أم أنَّ سوريا بحاجة إلى إجراء دراسة أكثر شمولًا لهياكل العنف؟. إنَّ اعتقال أمجد يوسف مجرد بداية، وسيتقرر في الإجراءات القادمة إن كان سيصبح أكثر من مجرد عمل رمزي.

أعده للعربية: رائد الباش

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا