آخر الأخبار

حتى وإن فشلت المفاوضات فستكون باكستان قد أدت دورها بكل شرف

شارك

بات من الواضح تماما أن ثلاث دول شاركت بشكل كامل في هذه الحرب، وهي الولايات المتحدة، وإسرائيل، وإيران؛ بالإضافة إلى انعكاس هذه الحرب على عدد قليل من الدول، مثل السعودية، والإمارات، وقطر، والبحرين، والكويت، وعمان.

كانت لكل من هذه الدول، أهداف مختلفة. وقد أثر هذا الواقع على نتائج الحرب، ويؤثر الآن بشكل كبير على محادثات السلام، وبالتالي على بنود الاتفاق المتوقعة، إن وجدت.

لن تتناول هذه الورقة طبيعة هذه الحرب وخصائصها، ولن تناقش اختلالاتها، أو أهدافها، أو من خسر ومن انتصر، وما إلى ذلك. يمكن كتابة مقال منفصل حول كل هذه القضايا عند انتهاء الصراع.

أهمية الجولة الأولى من المحادثات ودور باكستان

بينما كانت إيران توافق على معظم مطالب الولايات المتحدة خلال مفاوضاتهما في عمان، شنت إسرائيل وأمريكا هجوما غادرا على إيران، منتهكتين جميع القوانين والاتفاقيات الدولية.

بدأ الهجوم بضربات غير أخلاقية وغير إنسانية، أسفرت عن اغتيال مرشدها الروحي الأعلى والعديد من القادة البارزين الآخرين في الموجة الأولى.

وسرعان ما أدركت الولايات المتحدة أنها وقعت في مأزق، ورغم القصف الجوي المشترك من قبل القوات الجوية الأمريكية والإسرائيلية، باستخدام أحدث الأسلحة الموجهة والفتاكة، لم تتمكن من كسر إرادة الشعب الإيراني.

لم تشهد البلاد احتجاجات شعبية ضد النظام الإيراني، بل على العكس، استجمع الشعب قواه وتعهد بالثأر لمقتل آية الله علي خامنئي، مرشدهم الروحي. بدلا من أن تستسلم إيران، بدأت بالرد، مستخدمة في البداية طائرات مسيرة وصواريخ بدائية لإغراق أنظمة الدفاع الجوي.

وبعد إطلاق مكثف في البداية لصواريخ وطائرات مسيرة بدائية الصنع، بدأت إيران بتوسيع رقعة الحرب باستهداف جميع القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، في حين عاقبت إسرائيل بشدة بصواريخ دقيقة، موجهة، وحديثة. وقد فاجأ هذا الرد غير المتوقع الحلفاء والأعداء على السواء.

إعلان

في هذا المنعطف الهام، زار نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني، إسحاق دار، الصين، وأوضح البيان الصادر موقف الصين الرافض للهجوم الذي شنته القوات الأمريكية والإسرائيلية، ودعم حق إيران في الدفاع عن النفس. وكان ذلك أول تغيير جوهري في الوضع.

وقد أثبتت قدرة باكستان على فتح قنوات اتصال في آن واحد مع الولايات المتحدة والصين من جهة، ومع العرب والإيرانيين من جهة أخرى، جدواها، وتوجهت أنظار العالم إلى جهود باكستان في مطالبة الدول المتحاربة بوقف إطلاق النار.

حظيت باكستان بدعم كامل من الصين في هذه المهمة الشاقة. لم يكن جمع قوة عظمى (الولايات المتحدة)، ودولة مارقة (إسرائيل)، ودولة شديدة الصمود (إيران) على طاولة المفاوضات بالأمر الهين. ومع ذلك، نجحت باكستان في ذلك، وأصبح ذلك لحظة تاريخية.

كان وقف إطلاق النار بعد قتال عنيف (وإن كان غير متكافئ) دام أربعين يوما، بمثابة تتويج أشاد به العالم أجمع للقيادة العسكرية والسياسية الباكستانية.

لماذا تواجه محادثات الطاولة كل هذه العقبات والتحديات؟ لا يمكن التغلب على العداء والمرارة المتأصلة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، والتي امتدت خمسة عقود، في جلسة واحدة.

ومع ذلك، لا يزال وقف إطلاق النار الهش قائما رغم التهديدات المتبادلة بين الجانبين. لفهم الحالة النفسية للدول المتحاربة والمتضررة، نحتاج إلى تحليل ما يجب أن تأخذه كل جهة في الاعتبار.

الرئيس ترمب، الذي تتراجع شعبيته يوما بعد يوم (إذا كانت احتجاجات "لا ملوك" مؤشرا)، لا بد أنه يشعر بوطأة قراره بدعم مصالح إسرائيل على حساب مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

دول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي لا يؤيدان قراراته، بل إن معظم هذه الدول يعارض بشدة هذه المقامرة الكبرى التي خسرها في كل الأحوال.

يخشى ترمب من احتمال عزله، الذي تطالب به بعض الأوساط السياسية، كما أنه قلق من تزايد شعبية نائبه، جيه دي فانس؛ لأنه الشخص الذي يمكن أن يحل محل ترمب في حال اضطر الأخير إلى التنحي. ومن المعروف أيضا أن فانس من منتقدي بدء هذه الحرب.

يعزو بعض المحللين أيضا استدعاء جيه دي فانس من إسلام آباد على عجل- في الوقت الذي كانت فيه المحادثات تظهر بعض بوادر انفراجة أولية- إلى الخوف من تراجع شعبيته. وبالتالي، يسعى ترمب إلى إيجاد متنفس يحفظ ماء وجهه في الوضع على الأرض، مما يمكنه من الجلوس إلى طاولة المفاوضات بثقة.

إسرائيل ونتنياهو

تشكل إيران ووكلاؤها حاجزا ماديا أمام قيام "إسرائيل الكبرى". كانت إسرائيل تتوقع انهيار النظام الإيراني الحالي، واستبداله بنظام سياسي وعسكري مطيع؛ لكن ذلك لم يحدث.

كما انشغلت إسرائيل بالاستيلاء على الأراضي اللبنانية؛ لضمها إلى أراضيها، وقد نجحت في ذلك إلى حد كبير. لذا يمكن الآن تفسير التأخير الأولي في قبول وقف إطلاق النار.

بالنسبة لنتنياهو، سيؤدي استمرار القتال إلى طريق مسدود، ولكن بمجرد أن يهدأ غبار الحرب، قد يواجه مشاكل خطيرة في السياسة الداخلية. لذلك، قد تقبل إسرائيل بوقف فوري لإطلاق النار، فقط لاستعادة توازنها وتنشيط صفوفها، دون أي تسوية طويلة الأمد قد تفيد إيران.

إعلان

إيران والنظام الحالي

كان المرشد السابق علي خامنئي يحظى باحترام كبير ليس فقط في إيران، بل أيضا بين المسلمين الشيعة في أماكن أخرى. لكن أعمال الشغب الأخيرة- التي ساعدت وحرضت عليها وكالة المخابرات المركزية والموساد، في جميع أنحاء إيران، قبل الحرب- هزت النظام الحالي.

خرج الناس إلى الشوارع بسبب الصعوبات الاقتصادية الناجمة أساسا عن العقوبات الدولية والأمريكية. وقد تكون القوانين الصارمة في بعض الجوانب الأخرى عاملا مساهما أيضا. وقد تم قمع هذا التمرد المحدود بقسوة ولكن بنجاح.

وبينما كان المفاوضون الإيرانيون على وشك قبول تخصيب اليورانيوم بنسبة منخفضة جدا، أو عدم تخصيبه على الإطلاق- وهو قرار لم يكن ليحظى برضا شعبي- جاء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الذي حشد الأمة الإيرانية تحت راية الحكومة الحالية، خاصة بعد اغتيال خامنئي.

لذا، فإن الحرس الثوري الإيراني والحكومة الحالية، بعد أن دافعا بقوة في بيئة غير متكافئة للغاية، لا يمكنهما أبدا إظهار أي ضعف على طاولة المفاوضات. سيكون ذلك بمثابة ضربة قاضية لهذا النظام، ومن هنا جاء تصميمهما الراسخ ورفضهما التفاوض تحت وطأة التهديدات، وانتهاكات وقف إطلاق النار.

الدول العربية

هناك انقسام واضح داخل دول الشرق الأوسط بشأن النتيجة النهائية لهذه الحرب. فلا تزال قلة منها مرتبطة ارتباطا وثيقا بالأهداف الأمريكية والإسرائيلية؛ لأنها متوجسة من إيران الصاعدة ونفوذها في المنطقة. وهناك دول عربية أخرى تدرك بشكل أفضل تعدد الأقطاب الناشئ، وترغب في التحرر من النفوذ الأمريكي.

كما أن التحالفات الجديدة التي تتشكل بين السعودية، وقطر، وباكستان، وتركيا، ومصر، وغيرها، بتشجيع من الصين وربما روسيا، تعد مؤشرا على فهمها الواقع الجيوسياسي الجديد.

ويلحق الحصار الحالي لمضيق هرمز، والجمود في عملية السلام، ضررا باقتصاداتها. لذا، فإن غالبية القوى الكبرى في الشرق الأوسط ستدعم عملية السلام.

الخلاصة

بالنظر إلى جميع الجوانب المذكورة أعلاه، يبدو منطقيا أن تؤدي اجتماعات وفعاليات ما بعد الحرب إلى وقف دائم لإطلاق النار، بغض النظر عن المعارضين المذكورين. العالم بأسره ينتظر بفارغ الصبر فتح مضيق هرمز، وعودة حركة الملاحة البحرية إلى طبيعتها.

مع ذلك، لا تسير الحروب وفق مسارات متوقعة أو منطقية، خاصة عندما تتدخل شخصيات مثل دونالد ترمب ونتنياهو، ونظامٌ ذو دوافع دينية، وغيرهم.

أما فيما يتعلق بجهود باكستان- المدعومة من جميع الدول المهمة، بما فيها الصين- فإن صدقها وفاعليتها واضحان تماما. أي فشل في التوصل إلى اتفاق دائم سيعزى إلى انعدام الثقة بين الأطراف المتحاربة، ولن يقوض العمل الجاد وصدق الدول التي تسعى إلى إحلال السلام في المنطقة.

فلنعمل، ولنأمل، ولندعو الله أن يكون الأفضل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا إيران أمريكا لبنان

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا