آخر الأخبار

"الشانغل" الهجين.. الولد الشقي الذي صنع الفكاهة والاندماج بكوبلنز الألمانية

شارك

كوبلنز- ما إن تقترب منه عند مدخل البلدة القديمة لتحييه حتى يفاجئك بزخة ماء تخرج من فمه، ليخبرك ذلك "الولد الشقي" عن قصة الروح الفكاهية التي قاومت بها تلك المدينة المستعمر الفرنسي، بل وساهمت في اندماجه.

إنها قصة "الشانغل" (Schängel) التي تحولت من لقب محلي لأهل مدينة كوبلنز الألمانية إلى فلسفة بقاء وهوية، صاغتها رياح التاريخ المتقلبة في هذه المدينة المتمركزة عند نقطة التقاء نهريْ الراين والموزيل.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 صرخة الجني وإرث بخارى.. حكايات لم تُرو عن حضارات طريق الحرير
* list 2 of 2 بلوزيوم الأثرية.. اكتشاف بقايا معبد يعود لأكثر من ألفي عام في "بوابة مصر الشرقية" end of list

تعود بذور هذه الهوية إلى نهاية القرن الـ18 وتحديدا عام 1794، عندما سقطت كوبلنز تحت قبضة القوات الثورية الفرنسية.

استمر الوجود الفرنسي فيها 20 عاما، وهي فترة لم تكن مجرد احتلال عسكري، بل كانت عملية "فرْنسة" ثقافية واجتماعية شاملة. وخلال تلك العقود، نشأت علاقات بين الجنود الفرنسيين وفتيات المدينة، نتج عنها جيل من الأطفال بملامح مختلطة.

كان الاسم الفرنسي "Jean" (جان) هو الأكثر شيوعا بين هؤلاء الأطفال، ولأن لسان أهل كوبلنز الألماني وجد صعوبة في نطق "جان" برقتها الفرنسية، فقد حوّروها بلهجتهم الخشنة إلى "شانغ"، ومع مرور الوقت ولإضفاء لمسة من التدليل أو السخرية، وُلدت كلمة "شانغل".

من "وصمة" إلى "وسام"

ارتبط المصطلح في جذوره الشعبية بالدرجة الأولى بهؤلاء الأطفال الذين وُلدوا نتيجة هذه العلاقات بين أفراد الجيش الفرنسي والفتيات الألمانيات، والذين لم يعترف بهم الآباء الفرنسيون رسميا في كثير من الأحيان بعد انسحاب الجيش أو انتقال الوحدات العسكرية.

وهو السبب الذي جعل المصطلح في البداية يحمل نوعا من "الوصمة" أو الانتقاص الاجتماعي، كون الأطفال نصف فرنسيين ونصف ألمانيين عند شعب كان يمجد عرقه بشكل كبير.

مصدر الصورة التقاء نهريْ الراين والموزيل في مدينة كوبلنز الألمانية (الجزيرة)

ومع تعاقب الأجيال، استطاع سكان كوبلنز -بذكائهم الفطري- أن يتبنوا الاسم ويمنحوه دلالة إيجابية. أصبح "الشانغل" يرمز للمواطن الذكي والسريع البديهة، الذي يواجه تقلبات القدر من احتلال وحروب وفقر بروح ساخرة لا تنكسر.

إعلان

اليوم، لا يعتبر "شانغل" حقيقيا إلا من يولد في النطاق التاريخي للبلدة القديمة. وقد تخلدت هذه الروح في "نافورة الشانغل" التي تتوسط ساحة مجلس المدينة.

هذا التمثال البرونزي -لطفل مشاكس يباغت المارة برذاذ من الماء كل بضع دقائق- هو في الحقيقة رسالة سياسية وثقافية صامتة تقول: "لقد رحل الأباطرة والجنود، وبقينا نحن نضحك ونلهو عند ملتقى النهرين". ومن رحم الحروب أثبت الشانغل أن التعايش هو المنتصر الوحيد بعد أن تصمت المدافع.

مصدر الصورة الفرنسيون أدخلوا تحسينات على البنية التحتية والملاحة النهرية بمدينة كوبلنز (الجزيرة)

أيقونة ثقافية معاصرة

تجاوز "الشانغل" حدود القصص القديمة ليصبح علامة تجارية؛ فمن "نشيد الشانغل" الذي يُغنى في الكرنفالات، إلى تسمية أندية رياضية ومنتجات محليّة باسمه، يظل هذا المصطلح هو الخيط السُّرّي الذي يربط ماضي كوبلنز الفرنسي بحاضرها الألماني الموحد.

لم يترك الفرنسيون وراءهم "الشانغل" فحسب، بل تركوا بصمة غيرت وجه كوبلنز للأبد. فخلال حكمهم، طُبق "قانون نابليون المدني" -الذي جلب معه مفاهيم المساواة أمام القانون والحريات المدنية- لأول مرة في تاريخ المنطقة.

كما أعاد الفرنسيون تنظيم الإدارة المحلية، وأدخلوا تحسينات على البنية التحتية والملاحة النهرية، مما وضع حجر الأساس لكوبلنز كمدينة تجارية حديثة.

حتى اليوم، يلاحظ الزائر تأثرا فرنسيا خفيا في "المطبخ الرايني" بلمساته الأنيقة، وفي ميل سكان كوبلنز للحياة المنفتحة التي تميزهم عن جيرانهم في شمال ألمانيا. لقد تحول الوجود الفرنسي من ذكرى "عدو" قديم إلى جزء من النسيج الجيني للمدينة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا اسرائيل أمريكا إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا