في تصعيد لافت يمزج بين الدين والسياسة، اتفقت تقارير من واشنطن بوست وأكسيوس ونيوزويك على أن المواجهة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والبابا ليو الـ14 تجاوزت خلافا عابرا.
وقالت إن ذلك تحوّل إلى أزمة متعددة الأبعاد، أخلاقية ودينية وسياسية، قد تنعكس مباشرة على الحسابات الانتخابية داخل الولايات المتحدة، خاصة مع حساسية الصوت الكاثوليكي.
وأوضحت أن الصدام بين البيت الأبيض والفاتيكان لم يعد مجرد خلاف دبلوماسي حول "الحرب العادلة"، بل تحوّل إلى زلزال سياسي يهدد القاعدة الانتخابية للرئيس ترمب.
ففي جوهر التغطيات الثلاث، يظهر أن الخلاف تفجّر على خلفية الحرب والتصعيد ضد إيران، حيث تبنّى ترمب خطابا حادا وتصريحات نارية، في مقابل دعوات البابا للتهدئة ونبذ العنف.
هذا التباين لم يبقَ في إطار اختلاف الرؤى، بل تحوّل إلى هجوم شخصي من الرئيس على رأس الكنيسة الكاثوليكية، ما فتح الباب أمام تداعيات أوسع تمس صورة القيادة السياسية وحدود توظيف الدين في الخطاب العام.
وأجمعت المصادر الثلاثة على أن التصعيد بلغ ذروته خلال ما يسميه المسيحيون "أسبوع الآلام" مع توجيه ترمب انتقادات مباشرة للبابا، من خلال سلسلة من التدوينات "العدائية" على حسابه في منصته "تروث سوشيال" وصلت حد وصفه للبابا بـ"الضعيف" والفاشل في السياسة الخارجية.
واعتبرت المواقع أن التصعيد بلغ ذروته بعدما نشر ترمب صورة له مولدة بالذكاء الاصطناعي يظهر فيها في هيئة "مسيحانية" يرتدي ملابس بيبليّة ويعمل على "رقية" المرضى، وهو ما اعتبره النقاد والكنسيون "تجديفا" صريحا.
لكن البابا وفقا لهذه المصادر، رد بنبرة هادئة وحازمة خلال جولته في أفريقيا، حيث أكد أنه "رسول للإنجيل وليس سياسيا"، معتبرا تهديدات ترمب لإيران بإبادة "حضارة كاملة" أمرا "غير مقبول".
وركّزت واشنطن بوست، عبر مقال لجورج ويجل، على البعد الأخلاقي والفكري للصدام، مشيرة إلى أنه عطّل نقاشا جادا حول مفهوم "الحرب العادلة"، إذ إن البابا يرى أن القوة المسلحة يجب أن تكون وسيلة لتحقيق سلام مستقر، وليس مجرد أداة للتهديد بالإبادة.
وانتقدت الصحيفة بشدة مقارنة وزير الحرب بيت هيغسيث لعملية إنقاذ طيار أمريكي بقيامة المسيح، معتبرة أن الإدارة تسيء استخدام الرموز الدينية لتبرير أهداف سياسية غامضة.
كما وجّهت الصحيفة لوما جزئيا لمكتب الصحافة في الفاتيكان لبطئه في التوضيح، مما سمح للإعلام بحصر تصريحات البابا في إطار "الخصومة الشخصية مع ترمب".
وأبرزت أن الفوضى في خطاب الإدارة الأمريكية بشأن أهدافها العسكرية تضعف أي أرضية لحوار أخلاقي مع الفاتيكان.
من جانبها، ركز موقع أكسيوس على التداعيات السياسية الداخلية، معتبرا أن ترمب يخاطر بخسارة شريحة حاسمة من الناخبين.
وتحدث الموقع بلغة الأرقام ليحذر من المخاطر الانتخابية، موضحا أن الكاثوليك يمثلون خُمس الناخبين في أمريكا، وأنهم الكتلة الأكثر "تأرجحا"، مشيرا إلى أن ترمب، الذي فاز بأصواتهم بفارق كبير في 2024، يواجه الآن خطر نفورهم بعد مهاجمة "رمزهم المقدس".
ولاحظ الموقع كذلك أن كون ليو الـ14 هو أول بابا أمريكي (من شيكاغو) يزيد من حساسية الصدام، إذ يعتبره الكاثوليك الأمريكيون "واحدا منهم".
وأوضح أكسيوس أن ادعاء ترمب بأن الكنيسة اختارت ليو فقط "للتعامل معه" يمس صلب العقيدة الكاثوليكية التي تؤمن بأن اختيار البابا يتم بإلهام من "الروح القدس"، وليس لمصالح سياسية.
أما نيوزويك، فسلّطت الضوء على جانب الرأي العام، كاشفة عبر استطلاعات أن البابا يتمتع بشعبية أعلى بكثير من ترمب داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك بين الكاثوليك أنفسهم، موضحة ذلك بإحصائيات دقيقة.
وقالت إن البابا يتفوق بفارق كبير على ترمب في الناحية الأخلاقية، ناقلة، في هذا الإطار، بعض نتائج استطلاع لـ"إن بي سي نيوز" أظهر تفوق البابا الساحق في القبول الشعبي بنسبة +34، مقابل -12 لترمب.
وعن شواهد الانقسام بين الاثنين، أبرزت الصحيفة تصريح ترمب المثير للجدل حول تفضيله لـ"لويس" (شقيق البابا) لأنه من " ماغا" (من أنصار ترمب)، متهما البابا ليو بأنه لا يفهم طموحات أمريكا.
كما انفردت نيوزويك بالحديث عن ردود الفعل الكنسي، حيث نقلت انتقادات الأسقف روبرت بارون، الذي طالب ترمب بالاعتذار، مما يشير إلى تصدع في الولاء للرئيس حتى بين القيادات الكاثوليكية المحافظة، وفقا للصحيفة.
وبين خطاب ديني يدعو للسلام، وخطاب سياسي يتكئ على القوة والتصعيد، تحوّل الخلاف بين ترمب والبابا ليو الـ14 إلى اختبار معقد تتقاطع فيه العقيدة مع صناديق الاقتراع.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، لا يبدو أن هذا الصدام سيبقى في حدوده الرمزية، بل قد يعيد رسم ملامح التحالفات داخل المجتمع الأمريكي، حيث يصبح الصوت الديني عاملا حاسما في معركة سياسية محتدمة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة