آخر الأخبار

تونس: روح مدينة قابس تئن تحت وباء التلوث ومطرقة العدالة

شارك
توثق هذه الصورة التلوث البيئي المستمر في تشات سالم، وتُظهر تأثير الأنشطة الصناعية على النظم البيئية المحلية.صورة من: Islem Zrelli/Pollution Movement in Gabes

التداخل الفريد بين البحر والواحة لم يكن مجرد عنصر جغرافي أو خصوصية طبيعية عابرة، بل كان يمثل هوية متكاملة لمدينة قابس ، هوية اقتصادية واجتماعية وثقافية في آن واحد. فالبحر كان مصدر رزق للصيادين، والواحة كانت عماد النشاط الفلاحي، وبينهما تشكلت أنماط عيش متوازنة استمرت لعقود. غير أن هذه الهوية بدأت تتآكل تدريجيًا تحت تأثير الانبعاثات الصناعية التي غيّرت ملامح المكان بشكل عميق .

رائحة الكبريت التي تملأ الأجواء، والغبار الذي يغطي أوراق النخيل، والمياه التي لم تعد صافية كما كانت، كلها تفاصيل قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها في الواقع تعكس تحوّلًا هيكليًا في علاقة الإنسان ببيئته. لم يعد التلوث حدثًا استثنائيًا، بل أصبح جزءًا من المشهد اليومي، ومن الإحساس العام بالمكان .

في هذا السياق، لم يعد القلق مجرد إحساس عابر أو رد فعل ظرفي، بل تحوّل إلى حالة دائمة من الترقب. الأهالي يعيشون في حالة يقظة مستمرة، يراقبون التغيرات من حولهم، ويتساءلون عن المستقبل في ظل واقع يبدو أنه يزداد تعقيدًا. الأسئلة ذاتها تتكرر منذ سنوات: ماذا تبقّى من قابس التي عرفوها؟ وهل ما يحدث قابل للإصلاح، أم أن المدينة تجاوزت نقطة العودة؟

صدمة في الشارع القابسي

قبل أسابيع، جاء الحكم القضائي الذي أسقط القضية الاستعجالية ضد الوحدات الصناعية ليعيد النقاش إلى نقطة مفصلية في هذا الملف. المحكمة اعتبرت أن الضرر لم يثبت بشكل مباشر، وأن العلاقة السببية بين النشاط الصناعي والتلوث لا تزال غير مؤكدة من الناحية القانونية، وهو ما يعكس طبيعة التعقيد الذي يميز القضايا البيئية، خاصة عندما تكون آثارها تراكمية وممتدة زمنياً .

هذا القرار، رغم التزامه بالإطار القانوني الصارم، أحدث صدمة واضحة في الشارع القابسي. فبالنسبة للسكان، لا يُنظر إلى التلوث كفرضية قابلة للنقاش أو كمسألة علمية تحتاج إلى مزيد من الإثبات، بل كواقع يومي معاش، يتجلى في الهواء الذي يتنفسونه، وفي الأعراض الصحية التي يعانون منها، وفي التغيرات التي يلاحظونها في محيطهم .

بالنسبة لأهالي المدينة التونسية ، المسألة تتجاوز الوثائق والتقارير، فهي تجربة متراكمة تمتد لسنوات طويلة، حيث تداخلت فيها المعاناة الصحية مع التحولات البيئية، وأثرت بشكل مباشر على جودة الحياة. هذا التباين بين المقاربة القانونية والواقع الميداني يمثل أحد أبرز عناصر التوتر في هذا الملف .

منذ بداية تشرين الأول/أكتوبر 2025، بدأت مؤشرات الأزمة تتصاعد بشكل لافت، مع تسجيل حالات تسمم جماعي في صفوف التلاميذ، إلى جانب مئات حالات الاختناق الناتجة عن انبعاثات غازية من المجمع الكيميائي. هذه الأحداث لم تكن مجرد وقائع معزولة، بل شكّلت لحظة فارقة أعادت الملف إلى الواجهة، ودفعت إلى تدخل سياسي مباشر .

تونس، خليج قابس 2025 ، التلوث في شاطئ سالم، خليج قابس 2025صورة من: Islem Zrelli/Pollution Movement in Gabes

قيس سعيّد: اغتيال بيئي

في هذا الإطار، وصف رئيس الجمهورية قيس سعيّد الوضع بـ"الاغتيال البيئي" و"الجريمة الصحية"، معتبرًا أن ما حدث هو نتيجة تراكمات طويلة من السياسات غير المتوازنة. هذا التوصيف حمل دلالات سياسية قوية، حيث نقل القضية من مستوى محلي إلى مستوى وطني، وأعاد طرحها ضمن أولويات الدولة .

ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية والإضرابات، تم الإعلان عن إجراءات رسمية، من بينها تشكيل مجموعة عمل متخصصة لمراقبة الانبعاثات والحد من التلوث، مع متابعة مباشرة من رئاسة الجمهورية. غير أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لم تكن كافية لاحتواء الغضب الشعبي، حيث واصل الأهالي المطالبة بحلول جذرية، وعلى رأسها إغلاق الوحدات الصناعية الملوثة .

وهكذا، بقيت قابس عالقة في معادلة معقدة، تتقاطع فيها اعتبارات التنمية الاقتصادية مع متطلبات الصحة العامة، في ظل غياب توازن واضح بينهما .

البحر والصيادون: تغير ملموس يواجه الأرقام الرسمية

على امتداد الساحل، يبدو البحر هادئًا للوهلة الأولى، لكن هذا الهدوء يخفي تحولات عميقة لا يمكن إدراكها إلا من خلال التجربة اليومية للصيادين. فالبحر، الذي كان لعقود مصدر حياة ورزق، لم يعد كما كان في ذاكرة من ارتبطوا به .

يقول أحد الصيادين المحليين: "البحر تغيّر ."

هذه العبارة البسيطة تختصر واقعًا معقدًا، حيث لم يعد التغير مقتصرًا على المظهر الخارجي، بل طال النظام البيئي البحري بأكمله. فبينما تؤكد بعض الجهات الرسمية أن الأنشطة الصناعية تحترم المعايير البيئية، يلاحظ الصيادون تراجعًا في كميات الصيد، وتغيرًا في أنواع الأسماك، إضافة إلى تدهور جودة المياه . هذا التناقض بين المعطيات الرسمية والتجربة اليومية يخلق حالة من عدم الثقة، ويعزز الشعور بأن الواقع الميداني لا ينعكس بالضرورة في التقارير الرسمية .

داخل الأحياء القريبة من المنطقة الصناعية، أصبحت النوافذ المغلقة جزءًا من الحياة اليومية، حيث يلجأ السكان إلى عزل أنفسهم عن الهواء الخارجي الملوث. هذا السلوك يعكس إدراكًا جماعيًا للخطر، حتى وإن لم يكن دائمًا مثبتًا في الأرقام أو التقارير . هذا الوضع يطرح إشكالية جوهرية: كيف يمكن للقانون أن يتعامل مع ضرر تراكمي وغير مرئي بشكل مباشر؟ وكيف يمكن ترجمة المعاناة اليومية إلى أدلة قانونية قابلة للاعتماد؟

الحراك المدني: صمود وإصرار

في مواجهة هذا الواقع، برز الحراك المدني كأحد أهم الفاعلين في هذا الملف. على مدى سنوات، تشكل في قابس نسيج من الجمعيات والنشطاء البيئيين الذين عملوا على إبقاء القضية حية في الفضاء العام .

حراك "أوقفوا التلوث" كان من أبرز هذه المبادرات، حيث نجح في نقل القضية من مستوى محلي إلى نقاش وطني، بل وحتى دولي. لم يقتصر نشاط الحراك على الاحتجاج، بل شمل أيضًا التوثيق الميداني، وتنظيم الحملات التوعوية، ونشر المعطيات العلمية المتعلقة بالتلوث .

وقد شكّلت المسيرة الكبرى يوم 21 تشرين الأول/أكتوبر، التي شارك فيها حوالي 135 ألف مواطن ، لحظة فارقة في هذا المسار، حيث عبّرت عن حجم الغضب الشعبي، وأظهرت قدرة الحراك على التعبئة .

بعد الحكم القضائي الأخير، لم يتوقف الحراك، بل دخل مرحلة جديدة من إعادة التموضع. في هذا السياق، يقول الناشط البيئي إسلام الزرلي: "القضية لم تنتهِ، بل ربما بدأت من جديد، ولكن بأدوات مختلفة." و هذا ما عبر عنه كل من تحدثنا معهم في مقالنا هذا لـ DWعربية.

هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن المعركة لم تعد تقتصر على الشارع، بل تمتد إلى المحاكم، وإلى الفضاءات العلمية والإعلامية، ما يستدعي تنويع الأدوات وتطوير الاستراتيجيات .

طائر ميت في شاطئ خليج قابس 2025، التلوث في شاطئ سالم صورة من: Islem Zrelli/Pollution Movement in Gabes

قابس: اختبار القانون على محك الواقع

في هذا السياق، يبرز البعد القانوني كأحد أكثر الجوانب تعقيدًا في هذا الملف. فإثبات الضرر البيئي، خاصة عندما يكون تراكميًا وممتدًا على سنوات، يظل تحديًا كبيرًا .

وفي قراءة قانونية، يوضح المحامي منير العدوني: "القضية الأصلية ما زالت جارية، والمحكمة طالبت بإجراء اختبارات فنية دقيقة. الجلسة القادمة مرتقبة في شهر أبريل/نيسان، حيث سيُطلب من المجمع الكيميائي تقديم معطياته المفصلة ."

هذا المسار يعكس بطء الإجراءات القانونية مقارنة بسرعة تطور الوضع البيئي، ما يخلق فجوة واضحة بين الزمن القانوني والزمن الاجتماعي .

ويضيف العدوني: "هناك أشياء لا تتطلب اختبارات. القرار كان صدمة كبيرة. لم يكن هناك موجب لهذا القرار الصادم، ونعتقد أنه راعى الموازنات المالية و الجانب الاقتصادي حتى لا يتوقف الإنتاج ." ورغم ذلك، يبقى الأمل قائمًا: "ما زلنا متشبثين بحقنا وبحقوق الأجيال القادمة، ونحن على ثقة بعدالة القضاء ."

شهادات من الشارع: الواقع الحي

يقول الناشط البيئي إسلام الزرلي: "عبارة 'عدم ثبوت الضرر' ليست مجرد حكم قضائي، بل إهانة صريحة لسكان المدينة، الذين عاشوا مع التلوث وعانوا من أمراض مزمنة وسرطانات وتشوهات خلقية، وكل هذا موثق علميًا ." ويضيف: "ما يعتبره القضاء غير مثبت هو في الواقع جزء من حياتنا اليومية " . كما يؤكد: "عدم ثبوت الضرر عبارة تُعد إهانة صريحة لسكان قابس، الذين عاشوا أكثر من نصف قرن تحت وطأة هذا التلوث".

ويطرح تساؤلًا مباشرًا: "من يحمي المجمع الكيميائي التونسي من العقاب؟ وهل العائد المالي فعلًا أهم من صحة المواطنين؟ "

كما يشير إلى مسار القضية: "بعد أن أُجّلت هذه القضية الاستعجالية ثماني مرات، الشعب قرر تفكيك الوحدات، ولا تراجع عن ذلك !"

معركة مستمرة: من القانون إلى الشارع

في البرلمان، يؤكد النائب عصام البحري جابري: "ملف قابس قضية سياسية بامتياز… الشعار الوحيد لنا هو تفكيك الوحدات الصناعية التي تلوث المدينة . ويضيف: "تجاهل الضرر البيئي في قابس يمثل إخلالاً صريحاً بحقوق المواطنين ".

ومن جهته، يوضح الصحفي نزار الهدوي: "لعب الإعلام دورًا محوريًا في إبراز قضية التلوث في قابس". ويضيف: "قابس تعاني منذ أكثر من خمسين عاماً من تلوث الهواء والمياه".

رغم كل التعقيدات، لا يبدو أن هذا الملف يقترب من نهايته. فالحراك مستمر، والمسار القانوني لا يزال مفتوحًا، والنقاش العام يتوسع، ما يعكس عمق الأزمة وتشعبها . تحولت القضية إلى معركة شاملة تتجاوز الأبعاد البيئية، لتشمل قضايا العدالة الاجتماعية، والحق في الصحة، ونموذج التنمية المعتمد .

ويؤكد الناشط إسلام الزرلي: "كل المسارات مفتوحة، وكل الوسائل القانونية متاحة. الشعب قرر تفكيك الوحدات، ولا تراجع عن هذا القرار ." ويختم قائلاً: "لن تتوقف المسيرة إلا حين تتحقق العدالة البيئية لقابس… لأهلها، ولما تبقّى من روحها ."

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا