ضمن استعراض اهتمام الصحافة الصينية بقضية تايوان في ظل المتغيرات السياسية الدولية، يتيح تسليط الضوء على الخطاب الإعلامي الصيني فرصة لمقاربة مهمة بشأن تداعيات الحرب الإيرانية على رغبة بعض الأطراف في التدخل فعليا بقضية تايوان.
فمن جهة، تسعى بكين إلى إبراز كلفة الاعتماد على الغرب ومخاطر الاضطراب الجيوسياسي على حياة السكان اليومية في تايوان، ومن جهة أخرى التركيز على تردد أوروبا في خوض حرب آسيوية إلى جانب الولايات المتحدة، مما يظهر عمق الفجوة بين تصاعد الخطاب الأمني الغربي وحدود الاستعداد الفعلي لخوض مواجهة عسكرية حول تايوان.
ويطرح مقال رأي نشرته صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" الصينية سؤالا مفصليا عن استعداد حلف شمال الأطلسي ( الناتو) للانخراط في أي صراع محتمل في مضيق تايوان، مستفيدا من تجربة الحرب على إيران لبيان حدود شهية الحلف للدخول في حروب لا يختارها بنفسه.
ويرى الكاتب أن الهجوم الأمريكي على إيران من دون استشارة الحلفاء الأوروبيين كشف حدود استعداد الناتو لخوض حروب لا تُتخذ قراراتها بصورة مشتركة داخل الحلف، مما دفع بعض عواصم أوروبا لرفض الانخراط في حرب لم تُستشر فيها، الأمر الذي يعني أن الولايات المتحدة لا يمكنها التعويل تلقائيا على دعم الناتو في نزاع محتمل حول تايوان.
ويعقد المقال مقارنة سريعة بين حالتي إيران وتايوان؛ فإيران تقع على تخوم الفضاء الأوروبي وترتبط مباشرة بقضايا الطاقة والهجرة وعدم الاستقرار الإقليمي، بينما تقع تايوان في شرق آسيا ويتعلق أمرها بتوازن القوى في المحيطين الهندي والهادي، غير أن الحالتين تطرحان على واشنطن المشكلة نفسها: التوافق السياسي مع الحلفاء شيء، والاستعداد للمشاركة العسكرية في حملة تصاغ وفق شروط أمريكية شيء آخر.
كما يشير الكاتب إلى أنه رغم ضعف احتمالية اندلاع حرب أمريكية صينية في مضيق تايوان، فإن أهمية هذه المنطقة السياسية والإستراتيجية عالية جدا، بدليل حجم التحضيرات من الطرفين، فالولايات المتحدة وحلفاؤها وسّعوا ترتيباتهم الأمنية في منطقة المحيطين الهندي والهادي عبر تحالفات "أوكوس" و"الرباعية"، بينما كثفت الصين استعداداتها العسكرية في بحر جنوب الصين وتتعامل مع الناتو بوصفه جزءا من سياسة التطويق الغربية.
ويؤكد المقال أن واشنطن عملت لسنوات على تضخيم "الملف الصيني" داخل أجندة الناتو عبر تشديد لغة الحلف تجاه بكين، واعتبار طموحاتها تحديا لمصالح الحلف وأمنه وقيمه، ثم وصفها لاحقا بأنها "مساعد حاسم" للحرب الروسية على أوكرانيا، لكن تجربة الحرب على إيران أظهرت في النهاية أن هذه اللغة المتشددة لا تعني استعدادا أوروبيا تلقائيا لخوض حرب في آسيا تحت القيادة الأمريكية.
وعلى الجانب الآخر، نشرت صحيفة الشعب الصينية -الناطقة بلسان الحزب الشيوعي الحاكم- ما يؤكد المسعى الواضح لإعادة تأطير قضية تايوان في خطاب يركز على الأمن المعيشي، ومن خلال التأكيد أن "الوحدة السلمية" تضمن للتايوانيين استقرار إمدادات الطاقة والمواد الخام وتضع حدا لهواجس النقص المرتبط بتقلبات الأزمات في الشرق الأوسط.
ويتناول مقال صحيفة الشعب تصريحات الناطقة باسم مكتب شؤون تايوان بمجلس الدولة الصيني، التي تؤكد أن تحقيق الوحدة السلمية بين الجانبين سيجعل من الترابط الشامل في البنية التحتية والإمدادات عبر المضيق ضمانا رئيسيا لأمن الطاقة والمواد الخام في تايوان، بحيث لا يعود السكان هناك قلقين من نقص النفط والغاز والمواد الصناعية وغيرها.
وتشير المتحدثة استنادا إلى تقارير إعلامية تايوانية عن توتر إمدادات النفط وتأثيرها في سوق البلاستيك واحتمال حدوث "موجة نقص أدوية"، وأن تطمينات سلطات الحزب التقدمي الديمقراطي التايواني حول إمدادات النفط والغاز آمنة ليست سوى تبرير لعجزها ومحاولة خداع للرأي العام، وأن أداءها إزاء أزمات معيشية متكررة بات يثير استياء واسعا في المجتمع التايواني.
وفي السياق ذاته، يبرز المقال تأكيد المتحدثة أن الجهود المبذولة لتطوير العلاقات بين ضفتي المضيق تهدف إلى تعميق أواصر القربى وتحسين معيشة السكان، وأن "الوحدة الوطنية" تعد اتجاها تاريخيا لا يمكن إيقافه، وأن تحقيقها سلميا سيوفر فرصا كبيرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في تايوان ومكاسب ملموسة لسكانها، مع التشديد على أن إصرار سلطات الحزب التقدمي الديمقراطي على "الاستقلال" يحرم التايوانيين من حقهم في حياة أفضل.
وفي المحصلة، يوحي الخطاب الإعلامي الصيني بأن تايوان قد تتحول إلى الاختبار الحقيقي لإرادة الغرب وقدرته على خوض مواجهة خارج مجاله التقليدي.
ففي حين تحاول واشنطن حشد الدعم لحماية "الديمقراطية التايوانية"، يدرك الرأي العام الصيني -حسب ما تعكسه وسائل الإعلام الرسمية- أن الناتو والدول الغربية يواجهون مأزقا إستراتيجيا بعد سنوات من النزاعات في أوروبا والشرق الأوسط، وهو ما يجعل أي تدخل مباشر مغامرة محفوفة بالمخاطر.
وهذا التقدير هو ما يصرّ الإعلام الصيني على توظيفه لإظهار أن ميزان الردع لم يعد يميل تلقائيا إلى الغرب، وأن الصين باتت تمتلك من أوراق القوة ما يكفي لجعل أي حرب في مضيق تايوان بمثابة اختبار للغرب أكثر مما هو اختبار لها نفسها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة