مع اتساع رقعة التوتر العسكري في الشرق الأوسط، تعود أسواق الطاقة العالمية إلى دائرة القلق، في ظل الارتباط الوثيق بين استقرار إمدادات النفط وتطورات المشهد الجيوسياسي في المنطقة.
وقد تسببت التطورات العسكرية والأمنية المرتبطة بإيران بتوقف حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز تقريباً، ودفعت الهجمات الصاروخية التي شنتها إيران على دول خليجية وطالت منشآت نفطية فيها، إلى تفعيل الأخيرة بنود القوة القاهرة في عقود بيع النفط ومنتجاته.
وحذر الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية، أمين الناصر، الثلاثاء، من التداعيات المحتملة لاستمرار التوترات الجيوسياسية على أسواق الطاقة العالمية، مشدداً على أن استمرار الاضطرابات قد يقود إلى نتائج خطيرة على إمدادات النفط واستقرار السوق الدولية.
وأعلنت قطر والكويت والبحرين بالفعل حالة القوة القاهرة بشأن إنتاج النفط وبيعه.
وخفّضت السعودية والعراق والإمارات والكويت إنتاجها النفطي بنحو الثلث، بحسب بلومبرغ، أي بما يعادل نحو 6.7 ملايين برميل يومياً. ووفقا للوكالة، جاءت نسب الخفض متفاوتة بين هذه الدول، لكنها تمثل مجتمعة نحو 6 في المئة من إجمالي الإنتاج العالمي.
وتشير بلومبيرع إلى أن السعودية خفضت إنتاجها بما يتراوح بين مليوني ومليونين ونصف المليون برميل يوميا، فيما تراوح خفض الإنتاج في الإمارات بين 500 ألف و850 ألف برميل يومياً. كذلك قلصت الكويت إنتاجها بنحو 500 ألف برميل يوميا، بينما بلغ خفض الإنتاج في العراق نحو 2.9 مليون برميل يوميا.
وفي ظل هذا الواقع، وجدت دول الخليج نفسها أمام معادلة معقدة: الحفاظ على تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية، وفي الوقت ذاته حماية اقتصاداتها المحلية من تداعيات التصعيد الإقليمي.
قبل أيام، حذر وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري والعضو المنتدب والرئيس التنفيذي لشركة قطر للطاقة، سعد شريدة الكعبي، من أن استمرار الحرب لأسابيع إضافية قد يدفع جميع المصدرين في الخليج إلى إعلان القوة القاهرة.
ويشرح الاقتصادي الإماراتي حسين القمزي أن مفهوم القوة القاهرة في قطاع الطاقة يشير إلى إعلان شركة النفط أو الجهة المصدرة عن حدوث ظرف استثنائي خارج عن إرادتها، مثل الحرب أو تعطل طرق النقل أو استحالة الشحن، بما يمنعها مؤقتا من الوفاء بالتزاماتها التعاقدية بالكميات أو المواعيد المتفق عليها. ويؤكد، في حديث لموقع “الحرة” أن هذا الإعلان لا يعني إفلاس الشركات أو انهيارها مالياً، بل يعكس تعليق بعض الالتزامات أو تعديلها نتيجة ظروف قهرية.
غير أن انعكاسات هذا الإعلان على سوق النفط تكون عادة حادة، إذ يبعث بإشارة سلبية إلى الأسواق مفادها أن الإمدادات لم تعد مضمونة بالكامل، وأن عمليات التسليم قد تواجه تعقيدات لوجستية، ما يرفع الكلفة ويزيد من تقلبات الأسعار.
وقد بدأت بعض ملامح هذا الوضع تظهر بالفعل مع إعلان الكويت حالة القوة القاهرة وتخفيض الإنتاج، إلى جانب اتخاذ شركات أخرى إجراءات احترازية مماثلة.
ويرى القمزي أن ارتفاع أسعار النفط في مثل هذه الظروف لا يشكل بالضرورة مكسباً لاقتصادات الخليج، قائلاً “صحيح أن السعر الاسمي للنفط قد يرتفع ، إلا أن انخفاض الكميات المصدرة وتعطل قطاعات اقتصادية مرتبطة بالتجارة والنقل والخدمات والتأمين يمكن أن يضغط على الإيرادات غير النفطية، وبالتالي فإن ارتفاع الأسعار في حال تعطل الصادرات قد يتحول إلى تعويض غير كامل عن خسارة الكميات والنشاط الاقتصادي الأوسع”.
في الوقت الراهن، لا يمكن التكهّن بموعد انتهاء الضربات الأميركية والإسرائيلية لإيران والهجمات التي تشنها الأخيرة على إسرائيل ودول خليجية.
فقد قال وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، هذا الأسبوع، إن الولايات المتحدة “بدأت للتو القتال”، مؤكدا أن العمليات العسكرية ستستمر حتى إلحاق هزيمة حاسمة بإيران.
وتأتي هذه التصريحات رغم حديث ترامب، الاثنين، عن تطلعه لإنهاء سريع للحرب، معتبرا أن المهمة العسكرية حققت معظم أهدافها قبل الجدول الزمني المحدد.
وهنا، يبرز تساؤل أساسي: كيف تستعد دول الخليج لحماية اقتصاداتها والحفاظ على مستويات الرفاه التي اعتادت عليها شعوبها في ظل تصاعد المخاطر الأمنية؟
يؤكد الاقتصادي السعودي جمال بنون لـ”الحرة” أن الاقتصاد الخليجي يواجه اليوم أحد أصعب اختباراته منذ عقود. ويشير إلى أن الضربات الإيرانية التي استهدفت بنى تحتية حيوية، مثل مطار دبي الدولي وميناء جبل علي، تمثل تهديدا مباشرا للنموذج الاقتصادي الذي قامت عليه نهضة المنطقة.
“هذا النموذج القائم على الانفتاح والاستقرار وجذب رؤوس الأموال عبر السياحة والتجارة العالمية، يتعرض لضربة مباشرة تهدد أسسه، فوجود 3 من أكبر مطارات العالم وأهم موانئ المنطقة في نطاق ضيق جعل تأثير الضربات بالغاً، وسيناريو إغلاقها المتزامن يشكل سابقة خطيرة في التجارة الدولية”، يقول بنون.
ويشير بنون إلى أن دول الخليج تمتلك احتياطيات وأصولا سيادية تتجاوز 5 تريليونات دولار تمنحها هامشا للمناورة، لكنه يلفت إلى أن “الحرب كشفت بعض مواطن الهشاشة، أبرزها تركّز البنية التحتية الحيوية واعتماد المنطقة على استيراد ما بين 80 و90 في المئة من احتياجاتها الغذائية”.
من جهته، يرى القمزي أن “اقتصادات الدول الخليجية تدخل هذه الحرب بدرجة من المتانة، مدعومة بالاحتياطيات المالية الكبيرة والأنظمة المصرفية ذات الرسملة والسيولة المرتفعة”، غير أنه يؤكد أن الحرب تضغط بالفعل على قطاعات حيوية مثل الشحن والتأمين والطاقة، وأن الاستقرار الاقتصادي ما زال قائما، لكنه يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الحكومات على إدارة الأزمات والتدخّل عند الحاجة.
يتحدث القمزي عن عناصر قوة عدة تتميز بها اقتصادات الدول الخليجية، بينها التنوع والبنية المالية الصلبة والصناديق السيادية وغيرها.
لكن في المقابل، يلفت القمزي إلى أن “اقتصادات الخليج ما زالت شديدة الحساسية تجاه سلامة الملاحة البحرية وحركة الطيران والتأمين الدولي”. يضيف: “حتى الدول التي تمتلك مسارات تصدير بديلة، مثل السعودية عبر خط أنابيب الشرق–الغرب، لا تملك بديلا كاملا يعوض أحجام التصدير المعتادة عبر الخليج، ما يعني أن المنطقة، رغم قوتها المالية، ما زالت تواجه عنق زجاجة جغرافيا ولوجستيا شديد الحساسية”.
ومن هذا المنطلق، يقترح القمزي بناء منظومة خليجية مشتركة لإدارة المخاطر، تشمل إنشاء مخزونات استراتيجية مشتركة لبعض السلع الأساسية، وتعزيز التنسيق في النقل البحري والجوي، ووضع بروتوكولات موحدة لضمان استمرارية الأعمال في حالات الطوارئ، إلى جانب توسيع التعاون بين المصارف المركزية والجهات الرقابية وغيرها.
وإلى أن يتم ذلك، فإن الصورة لا تبدو واضحة تماماُ. فقد أفادت وكالة Fitch Ratings في تقرير حديث أن الدول المصدرة للطاقة، ومنها بعض دول الخليج، قد تستفيد مؤقتا من ارتفاع أسعار النفط، في حين تمنح متانة البنوك الخليجية من حيث الرسملة والسيولة قدرة نسبية على امتصاص الصدمات. لكنها حذرت في الوقت نفسه من أن استمرار الحرب أو تعرض البنية التحتية للطاقة لأي أضرار قد يفرض لاحقا ضغوطا على الأوضاع المالية والتصنيفات السيادية في المنطقة.
ومن جهته، يرى بنون أن الحرب الحالية تتطلب التفكير بجدية في مقاربة خليجية مشتركة للأمن الاقتصادي.
يضيف بنون إن “هذه الحرب أوجدت إرادة سياسية مدعومة بإحساس مشترك بالخطر لدى الدول الخليجية، وإدراك متزايد للهشاشة الجماعية”، داعياً إلى إنشاء منظومة احتياطيات غذائية وطاقوية خليجية مشتركة موزعة جغرافيا، ووضع بروتوكول خليجي للتنسيق في حالات الطوارئ الاقتصادية والدفاعية.
المصدر:
الحرة