تتزايد المؤشرات وتتقاطع تقارير الصحف الدولية حول حجم العقبات الحرجة التي تواجهها الولايات المتحدة وحلفاؤها في إطار مواجهتها المفتوحة مع إيران، فخلف حشدها العسكري في الشرق الأوسط تدور حرب من نوع آخر لا تقل ضراوة، وهي "حرب المخازن".
لقد كشفت وتيرة العمليات العسكرية الأخيرة ومساعي واشنطن لتدمير قدرات طهران العسكرية عن ثغرة عميقة تُعرف بـ"عقدة عمق المخزون".
وهنا يبرز السؤال في أروقة البنتاغون، هل تستطيع المصانع الحربية تعويض ما يتم إطلاقه في دقائق، أم أن استنزاف الصواريخ في الشرق الأوسط سيترك "الخاصرة الأمريكية" مكشوفة أمام طموحات الصين المتصاعدة في المحيط الهادي؟
لم تعد تقتصر الحروب على التفوق التكنولوجي، بل أصبحت كلعبة الأرقام، إذ تؤكد مصادر لصحيفة وول ستريت جورنال أن الحجم الدقيق للمخزون الأمريكي من الصواريخ الاعتراضية يُعد سرا عسكريا، لكنّ النزاعات المتكررة مع طهران وحلفائها استنزفت هذه الإمدادات بشكل حاد.
وكان نقص المخزون الأمريكي من الذخائر من أبرز التحذيرات التي وُجهت للرئيس الأمريكي دونالد ترمب عندما تحدث مع كبار جنرالات الجيش الأمريكي بخصوص شن هجوم واسع ومطول على إيران.
الآن، وُضعت هذه المسألة تحت الاختبار، حيث تُسابِق الولايات المتحدة الزمن لتدمير الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية قبل أن ينفد ما لديها من صواريخ اعتراضية لصد رد طهران الانتقامي، وفقا لما نقلته الصحيفة عن مسؤولين ومحللين حاليين وسابقين.
فالولايات المتحدة تضطر لاستخدام صواريخ اعتراضية باهظة الثمن (مثل باتريوت وثاد) لمواجهة مسيّرات وصواريخ إيرانية أرخص بكثير.
وتشير الباحثة كيلي غريكو في مركز أبحاث "ستيمسون" للصحيفة، إلى أن معدل الاستخدام الحالي يفوق قدرة المصانع على الاستبدال والتعويض بسنوات، مما يخلق فجوة استنزاف قد تستغلها إيران في موجات هجومية لاحقة.
عمدت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن إلى نشر منظومة "ثاد" المضادة للصواريخ في إسرائيل عام 2024، إلى جانب قوات من الجيش الأمريكي لتشغيلها، للتصدي لأي هجمات إيرانية.
وشملت التوسعة أيضا الأردن، حيث توجد حاليا العديد من الطائرات القتالية الأمريكية، ويواجه البنتاغون تحديا رئيسيا يتمثل في الحفاظ على مخزون كاف من هذه الصواريخ الاعتراضية، خاصة وأن نفس المنظومة تعمل أيضا في كوريا الجنوبية وغوام لمواجهة كوريا الشمالية والصين.
في الوقت نفسه، يسعى الجيش الأمريكي لتجديد مخزونات صواريخ "باتريوت" وصواريخ "ستاندارد" الاعتراضية، والتي تُستخدم للتصدي للتهديدات الجوية والدفاع ضد الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.
وكذلك، تحتاج الولايات المتحدة لإنتاج المزيد من صواريخ توماهوك والأسلحة الدقيقة من قبيل تلك التي استخدمتها في هجماتها ضد الحوثيين في اليمن، مثل الحملة التي شنت العام الماضي، واستخدمت فيها الولايات المتحدة أسلحة دقيقة بعيدة المدى.
ويشير مراقبون إلى أن "كل صاروخ إيراني يسقط أو يتم اعتراضه هو في الحقيقة يشكل انتصارا تكتيكيا لإيران إذا أدى لنفاد مخزون الاعتراض الأمريكي"، لأن هذا يمهد الطريق لهجمات أكبر لاحقا لا تجد من يصدها.
حدود الأزمة لا تقف عند تأمين الأجواء، بل تمتد لتطال الجاهزية الأمريكية في مواجهة قوى عظمى كالصين، إذ تشير تحليلات وول ستريت جورنال إلى أن الصواريخ التي أطلقتها إدارة ترمب في الشرق الأوسط ضد إيران والحوثيين مناسبة تماما لضرب البنية التحتية وسيكون الطلب عليها مرتفعا في الأسابيع الأولى من أي صراع محتمل مع الصين.
ونقلت الصحيفة عن الباحثة في "مركز الأمن الأمريكي الجديد" بيكا واسر قولها إن " صواريخ توماهوك غالبا ما تكون من أولى الذخائر التي تنفد خلال الأسبوع الأول في أي محاكاة لصراع محتمل بين الولايات المتحدة والصين"، مشيرة إلى أن تعويض هذا النقص سيدفع البنتاغون لمضاعفة جهوده في عمليات الشراء والإنتاج.
ويبدو أن الحملة الجوية المستمرة ضد إيران لم تتضمن استخدام الصواريخ الأمريكية بعيدة المدى المضادة للسفن، وهي الصواريخ التي ستحتاجها الولايات المتحدة أيضا في حال نشوب صراع مع الصين، وفقا للصحيفة.
ومن التطورات التي ستخفف الضغط عن مخزون الذخائر الهجومية الأمريكية مشاركة الجيش الإسرائيلي، الذي أعلن تنفيذه لضربات ضد القيادات العسكرية الإيرانية.
لكنّ لإسرائيل مخاوف أيضا بشأن إمداداتها من الذخائر، إذ لا يزال مخزونها من صواريخ "أرو 3" الاعتراضية منخفضا، وفقا لمسؤول أمريكي.
وقد نقلت الولايات المتحدة كميات كبيرة من الصواريخ والوسائل الاعتراضية إلى المنطقة، بما في ذلك من شركاء يمتلكون هذه الصواريخ. وقال مسؤول أمريكي إنه إذا طال أمد الحرب وكانت هناك حاجة لمزيد من الصواريخ الاعتراضية، فسيتعين على البنتاغون اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان سيسحب من المخزونات المخصصة لمنطقة المحيط الهادي.
وبناء على ذلك، فإن الاستنزاف الأمريكي المتسارع للصواريخ في الشرق الأوسط، قد يمنح إيران فرصة لخدمة حليفتها الصين بجعل "الخاصرة الأمريكية" في المحيط الهادي مكشوفة وضعيفة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة