آخر الأخبار

تنظيم القاعدة.. سيرة ذاتية

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في السابع من فبراير/شباط عام 2026، بدت دمشق وكأنها تنفض عن كاهلها غبار نصف قرن من الصمت الإجباري. في "معرض دمشق الدولي للكتاب"، وفي دورته الاستثنائية الأولى بعد سقوط نظام الأسد وتولي الإدارة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، امتد الزحام أمام جناح دار نشر موريتانية نشرت مذكرات محمد المحفوظ بن الوالد، المفتي السابق لتنظيم القاعدة، الملقب بـ "أبي حفص الموريتاني".

كان ابن الوالد الذي يقيم في نواكشوط، قد كتب قبل أسابيع منشورًا على صفحته على فيسبوك يعلن فيه عن توافر كتابه الضخم في دمشق، وفي نفس الوقت، كانت مسيرات "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" -الذراع الأفريقية للقاعدة- تضرب طوقاً محكماً حول العاصمة باماكو في مالي، لتقطع عنها شرايين الوقود والغذاء في حصار يهدف لخنق النظام العسكري هناك، وكان أصدقاؤه في طالبان يناقشون موقف الحكومة الأفغانية من التهديدات الأمريكية لإيران.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 لماذا يريد سفير أمريكا منح النيل والفرات لإسرائيل؟
* list 2 of 2 مصر وتركيا.. "التحالف الإسلامي" الذي تخشاه إسرائيل end of list

نحن هنا أمام نسخة جديدة من المدرسة الفكرية التي رسختها القاعدة، نسخة لم يكن يدر بخلد أكثر المحللين السياسيين تشاؤمًا في وزارة الدفاع الأمريكية (Department of Defense) أن يكون عليها الجهاديون بعد ربع قرن من حرب الاستئصال التي أعلنتها واشنطن على تنظيماتهم وأفكارهم. نسخة تدير الحكومات في الشام، وتحاصر عاصمة مملكة الذهب في أفريقيا، وتصوغ التحالفات في أفغانستان، وتصدر المذكرات في معارض الكتب.

في عام 2001، وفي خطاب أمام الكونغرس، تعهد الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بأن الحرب "لن تنتهي حتى يتم العثور على كل جماعة إرهابية ذات انتشار عالمي وإيقافها وهزيمتها". كانت لغة الرجل حينها عقائدية لا سياسية تقبل التوسط: "إما أن تكونوا معنا، أو مع الإرهابيين"، مع توجيه إنذار لطالبان بأنها ستشارك القاعدة في "مصيرها" إن لم تسلم قادتها.

إعلان

لكن الآن، في عام 2026، أبسطُ أمامكَ الخريطة وستجد أن الإمبراطورية أعادت تعريف الهزيمة لتقبل بواقع يختلف كليا عن مشيئتها. فبينما وصف جو بايدن الانسحاب من كابل بأنه "نجاح استثنائي" رغم عودة طالبان، نجد اليوم أن فروع القاعدة في مالي قد تحولت إلى قوى إقليمية قادرة على شل العواصم، وفي دمشق، يُرفع الحصار الدبلوماسي وتُشطب أسماء قادة جبهة النصرة، التي ورثت القاعدة في سوريا، من قوائم الإرهاب بعد أن باتوا شركاء في خريطة طريق سياسية تتجاوز سوريا إلى الإقليم والعالم. الفجوة هائلة بين إرادة الإمبراطورية وواقع الجهاديين.

قبل أن ندخل فيما ترويه هذه المذكرات، تجدر الإشارة إلى أنها رواية من داخل التنظيم، لا غنى عنها، فكاتبها ليس مراقبًا خارجيًا، بل شخصية رئيسية وازنة داخل مطبخ القاعدة الذي راح يحضّر أطباقًا ثورية للعالم. ومع ذلك فإنه اختار في مذكراته أن يقدّم نفسه شاهدًا على المرحلة لا شريكًا في صناعتها. وهذا يوجب على القارئ أن يضع عدسته النقدية وهو يقرأ هذه المذكرات.

عاش أبو حفص الموريتاني عقدا في مواقع القرار داخل القاعدة، ثم قضى عقدا آخر في إيران بين الاحتجاز والإقامة الجبرية، قبل أن يعود إلى موريتانيا عام 2012 معلنًا انفصاله القديم عن التنظيم.

مصدر الصورة محفوظ ولد الوالد يستقبل نسخا من مذكراته ذات الثلاثة أجزاء (فيسبوك)

من المحظرة إلى المعسكر

قد يبدو تنظيم القاعدة لمن لم يتسمّر أمام التلفاز يوم 11 سبتمبر/أيلول 2001، تاريخًا سحيقا، ولكننا اليوم نقف على وثيقة أساسية لسرد حكايته من أحد أعضائه السابقين والذي احتلَّ مرتبة متقدمة فيها كمفتي لها ومستشارًا شرعيًا لقائدها أسامة بن لادن. قدم محمد المحفوظ بن الوالد أو أبو حفص الموريتاني كما كان يناديه أصحابه في جبال أفغانستان قصة القاعدة من خلال مذكراتِه الحافلة التي جاءت في 3 أجزاء تزيد صفحاتها على الألف صفحة.

حاولت هذه المذكرات أن تضع بين يدي القارئ سيرة صاحبها عبر محطّاتها الأساسية، سيرة تتقدّم زمنًا بعد زمن، ومرحلة بعد أخرى، وتنتقل بين أحوال متباعدة، يجمعها خيط التجربة الشخصية.

حكاية محمد المحفوظ بن الوالد من خيمة في أقصى بادية موريتانيا، حيث وُلد طفلاً في حاشية جغرافية، ثم صبيًّا يتعلّم كتابة ومحو الحروف على لوح خشبي، ثم غلامًا ينتقل بين المدن والقرى والأرياف، يحفظ القرآن، ويقرض الشعر، ويتلقّى علوم الشرع واللغة مترقيًا في المحظرة الشنقيطية، دون أن يستوفي سلّمها. "المحظرة" التي لا تمنح شهادات جامعية لكنها تقدم عقولاً ذات تكوين شرعي أصيل. هذا التكوين الشرعي واللغوي هو ما منح أبا حفص لاحقاً مقعده المميز بجانب أسامة بن لادن باعتباره "بوصلة شرعية" في بحر من الثورية المشتعلة.

تتقدّم السيرة الذاتية إلى مراهقة يتعرّف فيها على التجارة، ويختبر إغراء الثراء، ثم إلى طالب جامعي ينافس على المراتب الأولى، قبل أن يجرّب الالتزام الحركي، منخرطًا في واحدة من أبرز الحركات الإسلامية المعاصرة، مشاركًا في دعوتها، ومعبّرًا عن خطابها.

مصدر الصورة يحفظ الصبيان القرآن مناللوح الخشبي في محاظر موريتانيا (الجزيرة)

ومن هناك، ينتقل إلى مرحلة أكثر حدّة، مغامرة محفوفة بالمخاطر، ومشاركة في أحد أشهر ميادين الجهاد في العصر الحديث، ثم إلى موقع قيادي داخل واحدة من أخطر التنظيمات الجهادية المعاصرة وأكثرها شهرة.

إعلان

يتهرّب المؤلف من سؤال المنهجيّة التي قد يحاسبه القارئ الدارس عليه، مبكرًا، فيصارحنا في البداية بأن "عدم المنهجية" كان خيارًا واعيًا. فمذكراته لا تقدم سردًا منتظمًا، ولا أطروحة مكتملة، بل يتحرك النص فيها كما تحرّكت الحياة بكاتبها في خطوط متعرجة ومتقلّبة.

حين غادر الفتى الشنقيطي في يوليو/تموز 1991 متجهاً إلى إسلام آباد، لم يكن يحمل معه سوى إيمانه بفتوى عبد الله عزام بأن "الجهاد فرض عين يلزم كل مسلم". وبالتالي لم يستجب لرغبة والده الذي راح يحاججه في أولويّة بقائه وبرّه به على الخروج للجهاد.

عند وصوله إلى "معسكر الفاروق"، استقبلت البيروقراطية الجهادية الوافد البدويّ؛ كان يُطلب من كل قادم كتابة سيرته الذاتية، ومستواه العلمي، وانتماءاته السابقة، وحتى علاقاته بالشخصيات المعروفة. كان التنظيم يبني قاعدة بيانات ضخمة ولابد فيها من رسم خريطة كاملة للمجاهد المستجد.

لم تقدم لهم البنادق في البداية، بل طولبوا بتفريغ الحقائب والخضوع لتفتيش دقيق. فالمعسكر يمنع آلات التصوير، وأجهزة التسجيل، والمواد الغذائية (بسكويت، عصير، شوكولاتة). وهذا المنع كان إجراءً أمنيًا وجزءًا من سياسة تجويع مقصودة، فكميات الطعام، ونوعه، تحدده الإدارة. الجوع هناك كان أداة تدريب، ووسيلة لإعادة تشكيل علاقة الجسد بالصبر والتحمّل.

بعد التفتيش، يُقسَّم الضيوف القادمون على برامج تناسبهم؛ من جاء لإجازة قصيرة لا يبقى في معسكر الفاروق، الذي يمتد برنامجه لقرابة شهرين، بل يُحوَّل إلى معسكر الصدّيق الذي أُنشئ خصيصًا لهذه الفئة. وإذا ازدادت الأعداد، تزداد المعسكرات.

التربية بالجوع من رواسخ التدريب في معسكر الفاروق. في إحدى الليالي، استيقظ أبو حفص على أفعى تشاركه فراش النوم داخل المسجد. قتلها وألقاها خارج المكان. في الصباح، اكتشف أن مقاتلاً آخر تسلل وأخذ الأفعى وأكلها من شدة الجوع، ثم عاد ليسأل عن الحكم الفقهي لأكل الأفاعي في المذهب المالكي.

داخل المعسكر، لم يكن منهج الإعذار للمخالفين من الجماعات مبدأ معتبرًا لدى الشباب الذي يتقد حماسةً. كان المعسكر يمور بالسجالات وأوصاف الطعن والتخوين. يلاحظ صاحب المذكرات أن جماعة الإخوان المسلمين كانت الأكثر تعرضًا للقدح، وهو ما فاجأه لنشأته البعيدة عن مصر والخليج، حيث تشكّلت السلفية الحركية فيهما على الخصومة مع الإخوان.

مصدر الصورة أعضاء من تنظيم القاعدة يتدربون في أحد معسكرات التدريب بأفغانستان (الجزيرة)

يقدم أبو حفص صورة لأسامة بن لادن تختلف جذريًا عن الصورة النمطية التي رسمها له الإعلام. ففي أول لقاء مع الرجل النحيل ذي اللحية الطويلة الذي جُمع له القادمون الجدد ليروي تفاصيل ما يعتبره لحظات تأسيسية لتنظيم القاعدة لم يكن اسم أسامة يرنّ في الآذان رنينه بعد سنوات. تحدث أسامة للمقاتلين الجدد عن البدايات الأولى لوجود المجاهدين العرب في أفغانستان، وعن أول مركز خاص بهم المعروف باسم "مأسدة الأنصار". يستعيد معركة جاجي في رمضان 1407/مايو 1987، التي خرجت من رحمها القاعدة، ثم معركة جلال آباد في ذي الحجة 1409/يوليو 1989 بوصفهما نقطتين فاصلتين في مسار الجهاد العربي هناك.

البداية في مأسدة الأنصار

في أواخر عام 1979، ومع بدء الغزو السوفييتي لأفغانستان، بدأت أولى ملامح الحضور العربي في ساحة الجهاد الأفغاني. لم يكن هذا الحضور، في بدايته، تيارًا منظّمًا ولا ظاهرة واسعة؛ اقتصر على أفراد قلائل، وصلوا بدافع شخصي، وتحرّكوا في مساحات غير واضحة المعالم. لكن مع مرور الوقت، ومع تصاعد الحرب وتكثّف الخطاب الداعم لها في العالم العربي والإسلامي، بدأت الأعداد تتزايد، وتحوّل التوافد الفردي إلى ظاهرة متنامية.

اتخذ الدعم العربي للجهاد الأفغاني أشكالاً متعددة. فشارك بعض العرب في القتال ضمن الأحزاب الجهادية الأفغانية، وآخرون انخرطوا في العمل الخيري والإغاثي، أو في مجالات الدعوة والتعليم، أو في النشاط الإعلامي والصحفي. غير أن هذه الجهود، على تنوّعها، كانت تفتقر في مرحلتها الأولى إلى إطار تنظيمي جامع، وإلى إدارة قادرة على التنسيق بين الموارد البشرية والمالية المتدفقة إلى الساحة.

إعلان

مع ازدياد أعداد الوافدين، وتدفّق الأموال الداعمة، بدأ التفكير داخل الأوساط العربية الجهادية في إنشاء بنية تنظيمية تضبط هذا الحضور وتستثمره بصورة أكثر فاعلية. في هذا السياق، أسّس أسامة بن لادن عام 1984 ما عُرف بـ"بيت الأنصار"، وهو عبارة عن مضافة مخصّصة لاستقبال المجاهدين العرب القادمين إلى أفغانستان. لم تكن المضافة مجرّد مكان إقامة، بل نقطة فرز وتوجيه: منها يُحدَّد مسار القادم، أهو للتدريب العسكري، أم للالتحاق بالجبهات، أم للعمل في مجالات التعليم، أو الدعوة، أو الإغاثة.

احتفظ بيت الأنصار بسجلات تفصيلية عن نزلائه: مؤهلاتهم، خبراتهم، إمكاناتهم، ومسارات تحرّكهم داخل الساحة الأفغانية. كان الهدف المعلن هو وضع “الشخص المناسب في المكان المناسب”، ومنع تكرار ما كان يحدث في المراحل الأولى، حين كان بعض المجاهدين يختفون أو يُقتلون دون أن تملك أي جهة معلومات دقيقة عن مصيرهم، وتحار عائلاتهم أمام تباين الإجابات.

في العام نفسه (1984)، جرى تأسيس "مكتب الخدمات" بقيادة عبد الله عزّام، وبتمويل أساسي من أسامة بن لادن، الذي شارك أيضًا في إدارته. مثّل المكتب نقلة نوعية في تنظيم الدعم العربي للجهاد الأفغاني. لم يعد دوره مقتصرًا على جمع التبرعات وتوزيعها عبر قادة الأحزاب في بيشاور، بل بات يسيّر قوافله العسكرية بنفسه إلى داخل أفغانستان، ويسلّم الدعم مباشرة إلى القادة الميدانيين.

مصدر الصورة الداعية الفلسطيني الشيخ عبدالله عزام

توسّع نشاط المكتب ليشمل مجالات أخرى مثل التعليم والدعوة في مخيمات اللاجئين الأفغان في باكستان، وداخل أفغانستان نفسها، متمددًا إلى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. عبر قسم الترجمة، جرى نقل وتهريب عدد من الكتب الإسلامية باللغة الروسية، في محاولة لمدّ جسور فكرية ودعوية خلف الحدود المغلقة. إلى جانب ذلك، لعب المكتب دورًا بارزًا في العمل الخيري والإغاثي، وأصدر "مجلة الجهاد"، التي شكّلت آنذاك أبرز منبر إعلامي عربي ينقل أخبار الساحة الأفغانية، وأسهمت بفاعلية في تعبئة الرأي العام العربي والإسلامي.

في ذلك اللقاء الأول، روى لهم أسامة – ذو الأربعة والثلاثين عاما – قصة تأسيسه للقاعدة. كان الأفغان ينظرون إلى العرب بوصفهم ضيوفًا، لا يكلّفونهم بمهام قتالية. كان ذلك التكريم يسبّب حرجًا وأذًى نفسيًّا لبعض العرب، ومنهم راوي القصة، الذين جاءوا للمشاركة لا للفُرجة. من هنا جاءت فكرة إنشاء مكان خاصّ يستقبل الشباب العربي ويدرّبهم ليقذف بهم إلى الميدان.

ابتداء من عام 1984 شرع أسامة بن لادن في تأسيس أول موقع عسكري خاص به داخل أفغانستان، بعد أن استأذن عبد ربّ الرسول سياف، زعيم الاتحاد الإسلامي، لإقامة هذا الموقع في منطقة جاجي الجبلية الوعرة قرب الحدود الباكستانية. كان هذا الموقع نواة تجربة جديدة، ستتحوّل لاحقًا إلى محطة مفصلية في تاريخ المجاهدين العرب.

في بدايته، التحق به نحو مئة شاب في فصل الصيف، لكن مع بدء الدراسة تقلّص العدد إلى أقلّ من عشرة. تكرّر المشهد في العام التالي: كان الشباب العربيّ يتعامل مع المعسكر كأنه مركز للنشاط الصيفي. "لم يكن الوعي بأولوية الجهاد راسخًا لدى معظمهم، إذ كانت الدراسة والعمل يتقدّمان على ما سواهما" قال أسامة للمقاتلين الجدد.

وفي عام 1986، قرر المؤسس البقاء مع أحد عشر شخصًا فقط، معظمهم من شباب المدينة المنورة، في منطقة جاجي داخل أفغانستان. كان العمل شاقًا، فقد عملوا على شق طرق، وحفر خنادق. وخلال العمل، اكتشفوا جبلًا ذا أهمية استراتيجية، يطل على مواقع القوات الشيوعية الأفغانية لكن لم يكن للمجاهدين وجود فيه بسبب صعوبة الوصول وكثافة القصف.

اتخذ القرار بتهيئة الجبل وفتح الطريق إليه. عندما بدأ التنفيذ، لم يبقَ مع المؤسس سوى اثنين. ثلاثة رجال فقط يعملون تحت القصف. مع الوقت، ارتفع العدد إلى أربعين خلال شهرين، وبدأ المكان يكتسب وزنًا. فسماه أسامة بـ"المأسدة"، الاسم الذي دخل لاحقًا قاموس الجهاد الأفغاني.

بلغت هذه التجربة ذروتها في معركة جاجي، التي وقعت في رمضان 1407/مايو 1987، وواجه فيها المجاهدون العرب القوات الخاصة السوفييتية والقوات الشيوعية الأفغانية. شكّلت المعركة، بما حملته من نتائج غير متوقعة، نقطة تحوّل حاسمة. فقد اعتُبرت بداية فعلية لمرحلة جديدة، وأساسًا لانتقال المجاهدين العرب من موقع التابع إلى موقع الفاعل المستقل.

في أعقاب معركة جاجي، قرّرت القيادة التي برزت خلال المعركة استثمار هذا "النصر" عبر إنشاء كيان مستقل عن مكتب الخدمات، وعن الأحزاب الجهادية الأفغانية، مع الحفاظ على علاقات ودّية معها. وُلد تنظيم القاعدة، بإمارة أسامة بن لادن وتمويله. الاسم نفسه لم يكن ثمرة تخطيط مسبق، بل استُوحي من المكان الذي كان يجتمع فيه المؤسسون للإعداد والتخطيط، وكان أبو عبيدة البنشيري الشرطي القادم من مصر للمشاركة في الجهاد الأفغاني يسمي مكان الاجتماع بالقاعدة، فسرت التسمية إلى ألسن الناس لتصبح عنوانًا للتنظيم.

إعلان

حدّد التنظيم الجديد أهدافًا تتجاوز الساحة الأفغانية. في مرحلته الأولى، سعى إلى توحيد وتنظيم الجهود الجهادية داخل أفغانستان، لكنه حمل منذ البداية فكرة "عالمية الجهاد"، باعتبار أفغانستان ساحة من بين ساحات عديدة. انعكست هذه الفكرة على تركيبته البشرية، التي ضمّت عناصر من جنسيات متعددة من العالم العربي والإسلامي، ومن آسيا، وأفريقيا، وأوروبا، والأمريكيتين، وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.

أسس التنظيم عددًا من المعسكرات ذات مستوى تدريبي مرتفع، لا سيما في المنطقة التابعة لمدينة خوست، ما بين عام 1988 وبداية التسعينيات. وتولّى لاحقًا فتح وقيادة جبهة جلال آباد، التي عُدّت من أكثر الجبهات شراسة، وظلّت مفتوحة بين عامي (1989–1992)، وسقط فيها عدد كبير من المقاتلين العرب.

بعد قضاء نحو ثمانية أشهر ونصف في التنقّل بين أفغانستان وباكستان، قرّرت قيادة تنظيم القاعدة عودة صاحب المذكرات إلى موريتانيا لاستكمال دراسته الجامعية، في إطار تشجيع بن لادن الأعضاء القادرين على متابعة تحصيلهم العلمي. كما أُنيطت به مهمة أخرى: تهيئة الظروف لاستقبال طلاب علم شرعي من الساحة الأفغانية للدراسة في موريتانيا، التي اشتهرت بمحاظرها التقليدية وعلمائها، في مسعى لربط الجهاد بالعلم، والميدان بالمؤسسة التعليمية.

في ضيافة حكومة الإنقاذ

بعد سقوط كابل في أيدي المجاهدين الأفغان وانهيار النظام الشيوعي، لم يضع الفاتحون بنادقهم، بل حوّلوها إلى صدور بعضهم، وبدأ الاقتتال بين الأحزاب المقاتلة طمعًا في السلطة. في هذا المشهد، بدأ زعيم القاعدة يراجع خياراته، فاقتتال المسلمين في أفغانستان انحرافٌ عن الهدف الأساسي، واستقراره في السعودية لم يعد ممكنًا وهو يعارض دخول القوات الغربية إلى الجزيرة العربية، والانتقال إلى باكستان لم يعد خيارًا آمنًا بعد اغتيال رفيقه عبد الله عزّام في نوفمبر/تشرين الثاني 1989.

وجد بن لادن في السودان بيئة سياسية مرحِّبة وفرصًا استثمارية واسعة، فاختار الانتقال إليها لإعادة تنظيم القاعدة في إطار أكثر استقرارًا، بعيدًا عن الفوضى العسكرية في أفغانستان.

وفي أواخر عام 1992، التحق كاتب المذكرات بأميره في السودان. في الخرطوم، بعيدًا عن الجبهات المفتوحة وضجيج السلاح، بدأ طورٌ مختلف من التجربة. أوكل لأبي حفص مهمة بناء برنامج تربوي لأفراد تنظيم القاعدة. في لحظة كان فيها التنظيم يعيد تعريف نفسه خارج شروط الحرب المباشرة. شمل البرنامج المقترح مقررات منتظمة في القرآن الكريم، والتفسير، والحديث، والفقه، والسيرة النبوية، إضافة إلى مواد في الرقائق، والآداب والثقافة والفكر. إلى جانب ذلك، وُضع برنامج خاص بكبار مسؤولي التنظيم، وبرنامج آخر مخصص للشيخ أسامة نفسه.

في حلقات الدرس، كان أسامة الوحيد تقريبًا الذي يدوّن ملاحظاته بانتظام، يكتب الأشعار التي يُستشهد بها، ويقيّد الفوائد العلمية التي تستوقفه. ومع نشأته الحنبلية في السعودية، لم يُظهر تعصّبًا مذهبيًّا؛ فدرس على صاحب المذكرات كتبًا في الفقه المالكي، واطّلع على الفقه المقارن، دون حساسية ظاهرة.

في تلك الفترة كان أسامة يحاول قرض الشعر، ويعرضه بحماسة على أبي حفص، فنصحه الرجل القادم من بلاد مليون شاعر بأن ييأس من الشعر، فلم يكن موهوبًا فيه ولو تكلّفه. استجاب القائد لنصيحة المستشار، ولعلها المرة الوحيدة التي قدّم فيها رأي مستشاره على رأيه. فقد ملأ صاحب المذكرات قصصًا من مخالفات ابن لادن لمشورته في المسائل العظام.

في السودان، لم يكن أسامة مجرّد قائد تنظيم. كان يدير شبكة واسعة من الاستثمارات والشركات مثل شركة وادي العقيق، وشركة الهجرة، وشركة طابا، ومشروع مدينة الخرطوم، إلى جانب أعمال أخرى متفرّقة. إحدى هذه الشركات وهي شركة الهجرة للمقاولات، كانت لها معاملة مالية مع ديوان الزكاة. فكلّف الأمير مستشاره بالنظر في الأمر من زاوية شرعية. وبعد مراجعة الأسس المعتمدة لدى الديوان، تبيّن لأبي حفص أن المبلغ الواجب شرعًا يفوق ما تطالب به الجهة الرسمية. فأبلغ أميره بذلك، فوافق فورًا وقرّر دفع المبلغ كاملًا. فوجئ ديوان الزكاة بالمبلغ المودع، فلعلّها المرة الأولى التي يتلقّى فيها من شركة تجارية أكثر ممّا طُلب منها.

الملياردير الذي لن تطيق معه صبرا

حين تُدعى إلى الطعام في بيت أحد أغنياء المنطقة العربية، فإن خيالك سيمتلئ بالصور الرائعة للرفاهية التي تنتظرك فور وصولك. كان هذا ما يدور في أذهان كثيرين حين تصلهم دعوة من أسامة، الملياردير الخليجي. لكن ما إن يصلوا إلى البيت حتى يحاولوا التأكّد من العنوان.

كان التقشف عند أسامة موقفًا أخلاقيًّا صارمًا. لقد خرج من الراحة إلى الثغور، فلمّا انتهت الحرب عاد بجوّ الثغر إلى الحياة المدنية. على مائدته لا تُقدَّم المشروبات الغازية، فمقاطعة الشركات الغربية المنتجة لها واجب شرعي في نظره. وفي مرحلة لاحقة، تصاعد هذا التوجّه إلى حدّ منع الماء البارد من الثلاجات، باعتباره ترفًا زائدًا. اكتفى بالماء المبرّد في "الزير" الفخّاري التقليدي الموضوع في ركن المجلس. المنع هنا لم يكن حكمًا شرعيًّا عامًّا، بل التزامًا شخصيًّا ألزم به نفسه وأسرته، ونصح به أفراد التنظيم، مع استثناء الضيوف.

الأمر نفسه انسحب على أجهزة التكييف. في حرّ السودان القاسي، كان أسامة وضيوفه يجلسون بين جدران خرسانية دون مكيّفات. قائمة "الكماليّات" التي كان يرى ضرورة التخلّص منها شملت معظم الأجهزة الكهربائية، مثل المراوح، والثلاجات، والغسّالات، والمكاوي، والمكانس الكهربائية. الاستثناء الوحيد كان لأجهزة الاتصال والراديو والتلفاز، التي كان يعتبرها ضرورية لمراقبة العالم الذي يريد تغييره.

مصدر الصورة أسامة بن لادن (مواقع التواصل الاجتماعي)

في البناء، كان وريث أكبر شركة إنشاءات في الشرق الأوسط يرى أن التوسّع في استخدام الإسمنت والخرسانة ترفٌ لا مبرّر له. بيوت الطين المسقوفة بالخشب، في رأيه، أقلّ تكلفة وأكثر ملاءمة للمناخ: باردة صيفًا، دافئة شتاءً، ولا تحتاج إلى تبريد أو تدفئة إضافية.

كان يحتفظ بقوائم تفصيلية يقدّمها لضيوفه، تبيّن حجم الإنفاق السنوي للأمّة على الكماليّات، الآيس كريم (Ice cream)، والشوكولاتة، والمشروبات الغازية، ومستحضرات التجميل، وفواتير التكييف. كان يراها استنزافًا لمليارات من أموال أمّة تفكّر في التحرّر لكنها لا تعمل من أجله.

وحين عرض وفدٌ من حكومة طالبان توصيل الكهرباء إلى قرية المجاهدين العرب قرب مطار قندهار، رفض أسامة بشدّة وقال: "إذا أدخلتم الكهرباء خرجنا من القرية". لكنه استسلم أخيرًا بعد ضغط واسع من أتباعه سكّان القرية.

كان متقشفا حتى في مظهره. اشتهرت صورته بساعة كاسيو (Casio) المقاومة للماء ذات الرباط البلاستيكي، الموصولة ببوصلة يد لا تفارقه. وكان يخشى على أسرته من اعتياد الراحة، فكان يأخذهم بين وقت وآخر إلى الصحراء في تدريبات عائلية لتعويدهم على الحرّ والعطش والجوع والمشي حفاةً لمسافات طويلة. كانت النساء أحيانًا يضعن قطع قماش تحت أقدامهنّ اتّقاءً لحرارة الرمال. الهدف، كما كان يشرحه هو تربية على شظف العيش، استعدادًا لمشاقّ الجهاد. حتى في تفاصيل الزواج، لم يكن يسمح لنسائه بارتداء حذاء جديد يدخلن به بيت الزوجية، كي لا يُجرح شعور النساء الفقيرات.

لم يكن فيلسوف التقشف كارهًا للحياة، بل كان مقبلا عليها بطريقته وتنوّع هواياته. ركوب الخيل كان هوايته الأثيرة، ففي كلّ بلد يقيم فيه يقتني خيولًا. في أفغانستان رافقته خيوله حتى جبهات القتال، وكان لها حضور في معارك جلال آباد.

وفي السودان امتلك مزرعة خيول في ضاحية من ضواحي الخرطوم على ضفاف النيل. كان فارسًا ماهرًا يجيد الركوب بسرج وبدونه، ويسابق ويسبق. وبعد عودته إلى أفغانستان عام 1996، اقتنى خيولًا جديدة وغرس حبّ الرماية وركوب الخيل في أبنائه.

الزراعة كانت شغفه الآخر، وكان مولعا بها إلى حدٍّ دفع أبا حفص الموريتاني لوعظه بالتخفّف منها. لكنه كان ينفلت من الوعظ بتذكّر إنجازاته، والحديث عن نجاحه في إنتاج أكبر بطيخة في السودان، وأكبر قرص دوار شمس، وأكبر كوز ذرة في قندهار، بالحماس نفسه الذي يتحدّث به عن معاركه في جاجي وجلال آباد. فحين أنتج أكبر بطيخة في السودان، أرسلها هدية لمجلس قيادة الثورة، نُقلت في سيارة نقل بالكاد أُغلقت أبوابها. وحين أنتج أكبر كوز ذرة في قندهار، أرسله إلى وزير الزراعة في كابل. ولم تفلح كلّ محاولات إقناعه بتقليل هذا الاهتمام.

مثالب الأمير

يفتح كاتب المذكرات نافذة نقديّة على طريقة أسامة بن لادن في إدارة التنظيم. فابن لادن هو المؤسس والمموّل والأمير، يمسك بكل الخيوط، ويطالب بالسمع والطاعة حتى لو خالفه مجلس الشورى. هذه المركزية التي كانت مفهومة في ظروف الحرب أصبحت إشكالية في السودان، حيث بات التنظيم يمارس أنشطة مدنية وسياسية وإعلامية واستثمارية. ساعتها طالب بعض الأعضاء بتحويل التنظيم إلى كيان مؤسسي، وتفعيل دور مجلس الشورى، وإعطاء اللجان صلاحيات أوسع، وفتح باب التبرّعات الخارجية لكسر احتكار التمويل.

الجهاد أوسع من القتال، وله مقدّمات، منها التربية والمال
– أسامة بن لادن

يقول أبو حفص: "كنّا نشعر بحرج بالغ حين نطالب بصرف مبلغ ما في مجال من مجالات العمل، ولا يوافق عليه الشيخ، فكنّا نطلب من الرجل من ماله الخاصّ. وتلك سلبية أسهم فيها بلا شكّ احتكار تمويل التنظيم الذي أصبح شبيه شركة خصوصية، يملكها ويديرها ويسيّرها الشيخ أسامة". ويضيف أن هذا النمط من المركزية كان يمتدّ إلى شركاته التجارية، حيث يتدخّل في أدقّ التفاصيل، ممّا أضعف روح المبادرة وأدّى إلى فشل عدد من المشاريع. بعض المحاسبين اشتكوا، وبعضهم استقال. وسياسة تقديم الأقرب لا الأكفأ أفرزت حالات قصور وإهمال.

في السودان أيضًا، دار نقاش داخلي حول دعم أسامة لحكومة تُوصف بالإسلامية بينما يُشكَّك في جدّيتها بتطبيق الشريعة. "الشيخ كان يردّ بهدوء: الجهاد أوسع من القتال، وله مقدّمات، منها التربية والمال" يقول أبو حفص، راصدًا بعض الملامح الفكرية لأسامة في فترة السودان.

حسن الترابي العقد المدبر لحكومة الإنقاذ

غير أسامة بن لادن موقفه من العمل المسلّح ضدّ الأنظمة، مقتنعًا بأن نتائجه كانت غالبًا عكسية. فعارض عسكرة الخلاف مع السعودية، ورفض استخدام السلاح ضدّها رغم إنكاره على نظام الحكم فيها. كما أوقف دعمه العسكري لجماعات مثل الجهاد و الجماعة الإسلامية في مصر، وانتقد تفجير السفارة المصرية في إسلام آباد عام 1995، معتبرًا إيّاه عملاً يزيد الأنظمة شراسةً على المسلمين ولا يخدم الإسلام. ونصح الجماعة المقاتلة الليبية بعدم الدخول في مواجهة مسلّحة مع القذّافي.

في فترة السودان، أولى أمير القاعدة أولوية للدعوة والتربية، واقتنى كتبًا عن منهج تربية الجيل الأول من الصحابة، كان يخطّ تحت معظم فقراتها. بدا وكأنه يؤسّس لمشروع طويل الأمد لا لضربة واحدة.

لكن إقباله على التربية والدعوة لم يثنه عن دعم مشاريع ضدّ الأمريكيين، خاصّة في الجارة الصومال. فدعم فصائل صومالية خلال المواجهات مع القوات الأمريكية عام 1993. كانت الضربات التي نفّذها مقاتلون صوماليون مدعومون من القاعدة مؤثّرة، لكن المعركة الحاسمة كانت مواجهة مقديشو بين القوات الأمريكية وقوّات الجنرال محمد فرح عيديد، الذي لم يمنع أسامةَ عدمُ انتمائه الإسلامي من دعمه ضدّ العدوّ الأكبر.

وقعت المعركة يومَي 3 و4 أكتوبر/تشرين الأوّل 1993، وأسفرت عن مقتل 18 جنديا أمريكيًّا وإسقاط مروحيتين، ثم سحل جثث بعض الجنود في شوارع مقديشو، في مشاهد بثّتها وسائل الإعلام عالميًّا. كان لتلك الصور أثر بالغ في تشكيل الخيال الأمريكي تجاه التدخّل العسكري، ويرى كثيرون أنها أسهمت في قرار الرئيس الأميركي كلينتون سحب القوّات من الصومال بعد أشهر قليلة، وهو بالضبط ما أراد بن لادن إثباته، أن أمريكا تنسحب حين يُراق دمها.

عودة إلى جبال أفغانستان

زار وفدٌ من أسرة أسامة بن لادن الخرطومَ عام 1994 في محاولة أخيرة لإقناعه بالعودة إلى السعودية، محمّلين بوعود من السلطات السعودية برفع الإجراءات المتّخذة بحقّه. وكانت السلطات قد جمّدت أمواله ومنعته من السفر بين عامي 1989 و1991، ولم تسمح له بالخروج إلّا مرّة واحدة لتسوية بعض شؤونه المالية، فخرج ولم يعد.

استمع لنصائح والدته وإخوته، وكان شديد التقدير لوالدته خاصّة، لكنه تمسّك برأيه ورفض العودة، معتبرًا أن الرجوع يعني التراجع عن مساره. انتهت الزيارة دون نتيجة، وبذلك أُغلقت آخر محاولات الأسرة والسلطات لإعادته، لتبدأ مرحلة جديدة في التعامل معه.

في مايو/أيار 1996، أُبلغ بن لادن بشكل مفاجئ بوجوب الاستعداد لمغادرة السودان فورًا إلى جلال آباد. لم يصدّق الأمر في البداية، وطلب مقابلة الرئيس

للتأكّد. تمّ اللقاء وأكد الرئيس السوداني له أن القرار صادر منه شخصيا. خرج من الاجتماع متأثّرًا، وكتب رسالة احتجاج للبشير. لكن البشير، مستجيبًا للضغوط الأمريكية والسعودية، أمضى قرار الإبعاد في النهاية.

الرئيس السوداني الأسبق عمر البشير (رويترز)

عاد أسامة مع تنظيمه إلى جلال آباد، مبتعدًا عن كابول التي تعهّد فيها تحالف ربّاني وحكمتيار بتسليمه إذا وقع في أيديهما. ورصدته أمريكا لتصفيته، فقد أشار تقرير لجنة الكونغرس الأمريكي لاحقًا إلى محاولات متكرّرة لاختطافه أو اغتياله في أفغانستان بين 1996 و2001.

في محاولة جديدة، طالبت السعودية المضيف الشيخَ يونس خالص — الذي تجمعه علاقة طيّبة بالحكومة السعودية— بتسليمه. جاء الردّ قاطعًا: "لو استجارت بنا طيور الحرم لأجرناها، فكيف بالشيخ أسامة الذي جاهد معنا بماله ونفسه؟" كانت تلك أوّل نكسة دبلوماسية سعودية في أفغانستان، وستتبعها أخرى حين جاء تركي الفيصل، مدير المخابرات السعودية، مطالبًا حكومة طالبان بتسليم بن لادن ورفاقه. وخرج بعد أن سكب كؤوس الشاي وصحن الفواكه غضبًا من ردّ "أمير المؤمنين" الملا عمر.

قصة "الطلبة"

لاح نجم حركة طالبان نتيجةً للسأم الشعبي من فوضى الاقتتال الداخلي بعد سقوط الحكومة الشيوعية في كابول واقتتال رفاق الأمس على السلطة.

أوّل ظهور لاسم طالبان في وسائل الإعلام جاء عبر خبر اعتراض لصوص لقافلة إغاثة متّجهة من باكستان إلى قندهار والاستيلاء عليها. فتدخّلت طالبان، وحرّرت القافلة، وقتلت قائد اللصوص. كان ذلك في نوفمبر/تشرين الثاني 1994. لاحقًا سيكون عليهم أن يواجهوا "قاطع الطريق الأكبر" على امتداد عشرين عامًا بين 2001–2021.

في ظلّ الاحتراب الداخلي كانت طالبان قد بايعت الملا عمر أميرًا عليها، وبدأت فعليًّا توفير الأمن للناس وإغلاق أوكار الفساد والإجرام في كل مدينة تسيطر عليها. في نوفمبر/تشرين الثاني 1994، استولت طالبان على مدينة قندهار دون مقاومة تُذكر، وأعادت إليها الأمن والاستقرار. في الشهرين التاليين بسطت نفوذها على الولايات القريبة منها: هلمند وأورزكان وزابل، وسيطرت عليها دون مقاومة، لتبدأ الرحلة نحو العاصمة كابل.

وُلدت طالبان من رحم المجتمع البشتوني ولادة طبيعية باعتبارها إجابة عملية على الانفلات الأمني المخيف.

الإستراتيجية التي اتّخذتها طالبان تكرّرت مع كلّ مدينة: توفّر الأمن، وتنزع السلاح من جميع الفرقاء، ثم تشكّل لجانًا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فلقيت قبولاً شعبيًّا واسعًا. هذا التقدّم السريع وانهيار دفاعات الخصوم والتأييد الشعبي دفع خصمين لدودين — حكمتيار وربّاني — إلى التحالف ضدّ طالبان.

في 3 أبريل/نيسان 1996 — أي قبل سقوط كابل بأشهر — بايع 1500 عالمِ من مختلف مناطق أفغانستان، في قندهار مقرّ قيادة الحركة، الملا محمد عمر أميرًا عامًّا، ولقّبوه بلقب أمير المؤمنين. وفي سبتمبر/أيلول 1996، دخلت طالبان مدينة جلال آباد حيث كان أسامة بن لادن ومعه أفراد تنظيمه في قريتهم المعروفة باسم "عرب خيل". وأرسلت إليهم بأنهم آمنون وفي حمايتها وضيافتها، ولن يمسّهم مكروه. وقد أكّدت أحداث السنوات اللاحقة صدق هذا الالتزام، فقد ضحّت الحركة بسلطتها وحكمها ولم تقبل بتسليم ضيفها أو التنازل عن حمايته.

ولم تتأخر القاعدة في رد الجميل الذي بذلته لهم حركة طالبان. فحين تقدّمت قوّات أحمد شاه مسعود نحو كابل في العام نفسه، مهدّدةً بسقوط العاصمة بعد تراجع طالبان السريع، شارك أسامة وعدد محدود من المقاتلين العرب — بطلب من الملا عمر — في القتال إلى جانب طالبان بخطّة محكمة. ورغم الخسائر التي سقط فيها سبعة من العرب وأُسر نحو سبعة عشر، أسهمت المواجهة في وقف الهجوم ومنع سقوط كابل، ممّا عزّز مكانة بن لادن لدى قيادة طالبان. كان ذلك الدَّين الذي لن تنساه طالبان، ولن تنساه القاعدة أيضًا.

إعلان الحرب على الإمبراطورية

بعد أن استقرّ لأسامة المقام في أفغانستان تحت سلطة طالبان وتبدّد سؤال التأمين، اتّخذ خطوته الكبرى فأعلن "الجهاد على الأمريكيين الذين يحتلون أرض الحرمين" في أغسطس/آب 1996 ثم أعقبها بتأسيس "الجبهة الإسلامية العالمية للجهاد ضدّ اليهود والصليبيين" في 23 فبراير/شباط 1998.

حمل البيان التأسيسي توقيعات عدد من التنظيمات: تنظيم القاعدة بقيادته، وجماعة الجهاد المصرية بزعامة أيمن الظواهري، وحركة المجاهدين في كشمير بقيادة فضل الرحمن خليلي، وحركة الجهاد في بنغلاديش بزعامة مير حمزة. كما ورد اسم الجماعة الإسلامية المصرية ضمن الموقّعين، غير أنها أوضحت لاحقًا أنها فهمت النص بوصفه موقفًا من العدوان الأمريكي على العراق، لا تأسيسًا لجبهة عالمية، وأعربت عن ندمها بعد اتّضاح المقصد.

أسامة بن لادن (يمين) يتحدث في مؤتمر صحفي في خوست ، جنوب أفغانستان ، محاطًا بالزعيم الإسلامي المصري أيمن الظواهري (وسط) (الأوروبية)

جاء إعلان الجبهة في لحظة كان ميزان القوى الداخلي في أفغانستان قد حُسم لصالح طالبان، وبات بن لادن يتحرّك في فضاء سياسي أكثر ثباتًا من سنوات المطاردة السابقة. من ذلك الموقع، حاول أن يمنح مشروعه أمميا، جامعًا تحت عنوان واحد قضايا متفرّقة وساحات متباعدة.

وفي موازاة ذلك، وبينما كانت حكومة نواز شريف في باكستان تُظهر تعاونًا متزايدًا مع الولايات المتحدة في ملاحقته، أصدر بيانًا يبارك فيه التجربة النووية الباكستانية. غير أن تهنئته وُجّهت إلى "الشعب الباكستاني المسلم"، لا إلى الحكومة التي انتقد سياساتها. هكذا جمع بين التصعيد السياسي وإعادة التموضع الرمزي، في مرحلة رأى فيها أن الأرض التي يقف عليها أصبحت أكثر صلابة ممّا كانت عليه.

في مايو/أيار 1998، دعا أسامة وسائل الإعلام الدولية والباكستانية إلى معسكر الفاروق في خوست، وعقد مؤتمرا صحفيا أطلق فيه تهديدات جديدة ضدّ الولايات المتحدة ولوّح بتبعات قادمة. فُهمت تلك التصريحات لاحقًا بوصفها تمهيدًا لتفجيرات السفارتين الأمريكيتين في شرق أفريقيا، التي وقعت بعد أقلّ من ثلاثة أشهر. كان أمير القاعدة يفضّل التحذير المسبق عن عملياته، معتبرًا أن الإعلان بعد التنفيذ يعرّض البلاد المضيفة لعواقب أكبر.

في سياق العلاقة مع طالبان، طلب أمير المؤمنين الملا عمر من أسامة تعليق العمليات العسكرية واللقاءات الصحفية ضدّ الأمريكيين حتى تتجاوز الإمارة ظروفها الصعبة. إلّا أن أسامة رفض، واعتبر قتال الأمريكيين "فرض عين". وقال إنه إذا عجزت الإمارة عن حمايتهم فسيتركون لهم النساء والأطفال ويتوجّهون هم إلى الجهاد.

ويذكر صاحب المذكرات أنه بعد ضرب المدمرة يو إس إس كول (USS Cole) في عدن، سمح الملا عمر باستهداف أهداف إسرائيلية ومنع استهداف الأهداف الأمريكية، مبرّرًا ذلك بأن طالبان تستطيع تحمّل ردّ إسرائيلي لكنها لا تستطيع تحمّل ردّ أمريكي. كشف هذا الموقف عن حسابات براغماتية دقيقة لدى الملا عمر تختلف جوهريًّا عن حسابات ضيفه الذي لم يكن يتهيّب من رفع أصبعه في وجه الإمبراطورية الكبرى.

السفارات تشتعل

بعد رصدٍ دقيق لأهداف أميركية في المنطقة، اختارت القاعدة كينيا وتنزانيا لتنفيذ عمليتين متزامنتين استهدفتا سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام، ضمن خطة أعدّتها شبكات التنظيم في شرق أفريقيا. وقد قدّم التنظيم العملية باعتبارها ردًا على الوجود العسكري الأميركي في الجزيرة العربية، وعلى سياسات واشنطن في الشرق الأوسط، ولا سيما ما يتصل بالعراق ودعمها لإسرائيل.

قبل التنفيذ بأسابيع، أُبلغت القيادة بأن ساعة العملية قد اقتربت. جرى إخلاء بعض القواعد العسكرية في أفغانستان، وسافر عدد من المنتسبين للتنظيم في شرق أفريقيا تحسّبًا لحملات اعتقال متوقّعة بعد حدث استغرق الإعداد له عامًا كاملًا من التخطيط والتنسيق.

في الميدان لم يبقَ سوى المجموعة المنفّذة: نائب أمير الفريق الذي تولّى الإشراف حتى اللحظة الأخيرة، وسائقا الشاحنتين عزّام من السعودية وأحمد عبد الله من مصر، وثالثهما محمد العوهلي الذي أُنيطت به مهمة فتح الطريق أمام الشاحنة وإبعاد المدنيين عن محيط السفارة الأمريكية في نيروبي قدر الإمكان لتقليل الإصابات.

عند ظهر السابع من أغسطس/آب 1998، دوّى الانفجاران أمام السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام. كان انفجار نيروبي أشدّ وقعًا: خلّف 213 قتيلا ونحو أربعة آلاف جريح في نيروبي وحدها، و11 قتيلا و85 جريحًا في دار السلام. المجموع: 224 قتيلا وأكثر من أربعة آلاف وخمسمئة جريح. الغالبية الساحقة من الضحايا كانوا مدنيين أفارقة، موظّفين في مبانٍ مجاورة، ومارّة في الشارع، وسائقي سيارات أجرة. وقتل من الأمريكيين اثنا عشر شخصًا.

بهذا الحدث دخلت المواجهة مرحلة جديدة، وببدأت صفحة عمليات مباشرة ضدّ أهداف أمريكية خارج ساحات القتال التقليدية.

تدمير المدمرة

أدّى أسامة وتنظيمه دورًا في حرب الوحدة اليمنية في مايو/أيار 1994 إلى جانب القوّات الحكومية ضدّ الانفصاليين في الجنوب، وهو ما جعل اليمن تُطرح لاحقًا وجهةً محتملة له بعد إبعاده من السودان. وحين عاد إلى أفغانستان في مايو/أيار 1996، كان الحضور اليمني من بين أبرز الدوائر المؤيّدة له وأوسعها.

وقد رأى أمير القاعدة اليمنَ ساحة ذات وزن استراتيجي في مشروعه ضدّ الولايات المتحدة، فهي تقع بمحاذاة السعودية التي ركّز خطابه على إخراج القوّات الأمريكية منها، كما تطلّ على مضيق باب المندب، أحد أهمّ الممرّات البحرية في العالم حيث تمرّ صادرات النفط وتعبر حاملات الطائرات والسفن الحربية. وكان ميناء عدن محطّة تزوّد بالوقود لعدد من السفن العسكرية الأمريكية.

المدمرة كول بعد الاستهداف (رويترز)

بعد عمليات رصد واستطلاع، تقرّر تنفيذ هجوم يستهدف سفينة حربية أمريكية أثناء تزوّدها بالوقود في ميناء عدن. اقترب زورق صغير من المدمّرة يو إس إس كول (

هيئة قارب خدمة، ولوّح طاقمه بالتحية العسكرية التي رُدّت بالمثل. ثم اندفع الزورق نحو السفينة وفجّر حمولته من المتفجّرات في هيكلها. أسفر الانفجار عن مقتل 17 بحارا أمريكيًّا وإصابة 37 آخرين، وأحدث ثقبًا بعرض اثني عشر مترًا في جسم المدمّرة.

ألحقت الضربة أضرارا جسيمة بالمدمّرة، ودفعت الولايات المتحدة إلى جهود مكثّفة لانتشالها من ميناء عدن ونقلها إلى الولايات المتحدة على متن سفينة شحن عملاقة.

الطعنة النجلاء

عند عودة أسامة إلى أفغانستان وإعلانه الجهاد على الولايات المتحدة، طرح عليه بعض العسكريين فكرة عملية نوعية تتلخّص في خطف طائرات مدنية واستخدامها لضرب أهداف داخل الأراضي الأمريكية، من بينها وزارة الدفاع والكونغرس والبيت الأبيض ومقارّ أجهزة أمنية، إضافة إلى برجَي التجارة العالمية ومحطّات نووية.

في البداية لم يُبدِ أسامة حماسًا للفكرة، بسبب تعقيد العملية وضخامة تكلفتها البشرية واللوجستية وصعوبة ضمان نجاحها. غير أن صاحب المقترح أعاد طرحها لاحقًا بعد أن أقنع بها نائب بن لادن والمسؤول العسكري في التنظيم، أبا حفص المصري، الذي بذل جهدًا كبيرًا لإقناع القيادة بتبنّيها.

تزامن ذلك مع حادث سقوط طائرة مصر للطيران فوق المحيط الأطلسي في 31 أكتوبر/تشرين الأول 1999، بعد إقلاعها من نيويورك متّجهة إلى القاهرة وعلى متنها 217 شخصًا بينهم عدد من الضباط المصريين. رجّحت بعض التحقيقات الأمريكية أن مساعد الطيّار جميل البطّوطي تعمّد إسقاط الطائرة، فيما رفضت السلطات المصرية هذا الاستنتاج. وقد أُشير إلى أن آخر عبارة التقطها الصندوق الأسود كانت "توكّلت على الله".

عزّز هذا الحادث لدى أمير التنظيم تصوّر إمكانية استخدام الطائرات المدنية سلاحًا، وهو ما اعتُبر لاحقًا عنصرًا محفزا في تطوير خطّة الهجمات التي عُرفت بأحداث الحادي عشر من سبتمبر.

ووفقا لتقرير لجنة 11 سبتمبر الأمريكية، وشهادات خالد شيخ محمد في التحقيقات، كتب أبو حفص الموريتاني رسالة شديدة اللهجة إلى بن لادن قبل الهجمات، استند فيها إلى القرآن والسنة في تحريم استهداف مدنيين على هذا النطاق. حذّر من أن العملية ستجلب دمارًا على الأمّة الإسلامية بأسرها، وأن الثمن سيكون أفدح بما لا يُقاس من أيّ "نصر" يمكن تحقيقه. طالب بوقف العملية وأعلن براءته الشرعية منها.

لكن بن لادن كان قد حسم أمره. فقد كان أعاد هندسة بنية القرار في التنظيم عبر دمج تنظيم الجهاد المصري بقيادة أيمن الظواهري في القاعدة، ممّا أعطاه كتلة مؤيّدة تتجاوز المعارضة التقليدية. صوت أبي حفص الرافض ذاب في بحر من المتحمّسين الجدد. وفي الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، ضربت الطائرات أهدافها، وتغيّر العالم.

وبعد سقوط نظام طالبان في أواخر 2001 والغزو الأمريكي لأفغانستان، فرّ أبو حفص مع عدد من قيادات القاعدة وعائلاتهم عبر الحدود إلى إيران. ما بدأ كلجوء اضطراري تحوّل إلى ما يشبه الإقامة الجبرية امتدّت نحو عقد كامل، بين عامَي 2003 و2012.

بدأت العلاقة بين إيران والقاعدة، من مبادرة إيرانيّة في فترة السودان، وقتها رفض أسامة التواصل، ثم غيّر رأيه حين عاد إلى أفغانستان فتواصل معهم عبر رسالة شهد عليها كاتب المذكرات.. بيد أن تلك العلاقة تظلّ من أكثر العلاقات غموضًا وتناقضًا. فقد تأرجحت هذه العلاقة بين الاحتجاز والاستضافة، بين استخدام القيادات كأوراق مساومة في مفاوضات أكبر وبين توفير ملاذ آمن لهم. يقول الأمريكيون أنهم كشفوا في وثائق أبوت آباد (Abbottabad)، التي عُثر عليها في مقرّ بن لادن بعد اغتياله في مايو/أيار 2011، عن مراسلات تتعلّق بهذا الملفّ، منها مفاوضات حول تبادل المحتجزين ورسائل تعكس توتّرًا وتبادل منافع في آن واحد.

وصيّة بن لادن

من بين وثائق أبوت آباد التي نشرتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ظهرت وصيّة بن لادن الشخصية. فيها خصّص نسبًا من ثروته، التي قدّرها بنحو 29 مليون دولارِ في حوزة السودان، لعدد من رفاقه. حظي أبو حفص الموريتاني بنسبة واحد بالمئة. وكتب بن لادن أنه يموت راضيًا عن أبي حفص رغم خلافاتهما.

هذه الوصيّة تكشف عن عمق العلاقة بين الرجلين وتعقيدها، فالخلاف العميق حول الأفكار لم يكسر الرابطة الشخصية.

لا تتضمّن المذكرات مراجعة فكرية بالمعنى الدقيق. فالكاتب يقدم نفسه كمنتج فكري ناضج؛ أثّر في القاعدة ولم يتأثر بها. ما يقدّمه هو سردٌ لمعارض من الداخل، أو رجل حاول أن يكبح جماح آلة لم يستطع إيقافها. وهذه الصورة على ما فيها من عناصر صادقة تبقى صورة انتقائية، يرسمها صاحبها بيده."

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا