ما بدأ حملةً أمنية مشددة على الهجرة غير النظامية، تحوّل سريعا إلى مواجهة مفتوحة في شوارع مدينتي مينيابوليس وسانت بول عاصمة الولاية، أعقبتها أعمال عنف وسقوط قتلى، وأطلق تحذيرات صريحة من انزلاق البلاد نحو صراع داخلي أوسع.
وبحسب موقع "ذا هيل" الإخباري الأمريكي، أثار انتشار الآلاف من عناصر إنفاذ قوانين الهجرة الفدراليين، ضمن ما سُمّي "عملية الاندفاع الحضري"، حفيظة سلطات ولاية مينيسوتا التي اعتبرته "غزوًا فدراليا".
وجاءت هذه المواجهة على خلفية فضيحة احتيال في برامج الرعاية الاجتماعية، لكن تداعياتها تجاوزت بكثير الإطار الأمني، خصوصا بعد مقتل الممرض أليكس بريتي، وقبله رينيه غود، في حادثتين مرتبطتين بمواجهات مع قوات تابعة لوكالة الهجرة والجمارك الفدرالية.
وأشارت مراسلة الموقع، إيللا لي في تقريرها، إلى أن هذه المواجهات تستمد خطورتها من رمزيتها التاريخية؛ فالمقارنة التي عقدها حاكم مينيسوتا، تيم والز، مع "لحظة فورت سومتر" عام 1861 التي أشعلت الحرب الأهلية الأمريكية، لم تكن مجرد بلاغة سياسية، بل هي توصيف دقيق لحالة الانقسام العنيف بين "قوة مسلحة" فدرالية تقتل المواطنين، وسلطة ولاية تحاول حماية سيادتها وسكانها.
ورغم تحذيرات مؤرخين من المبالغة التاريخية، فإنهم أقرّوا بأن جذور الأزمة تعكس صراعا أمريكيا قديما حول حدود السلطة، شبيها بما رافق قانون العبيد الهاربين في القرن الــ19.
وفي هذا الصدد، ينقل التقرير عن كيفن وايت، مؤرخ عصر الحرب الأهلية والأستاذ بجامعة تكساس في دالاس، اعتقاده أن الطريق إلى الحرب الأهلية ليس حتميا ولا يفتقر إلى مخارج الطوارئ.
وعلى الصعيد القانوني، أعادت الأزمة الجدل حول قدرة الحكومة الفدرالية على إلزام الولايات بتنفيذ سياساتها، لا سيما في ملف الهجرة.
وأوضح التقرير أن ولاية مينيسوتا لجأت إلى القضاء، لكن مسؤولين محليين حذروا من الإفراط في التعويل على المحاكم، في ظل ما يرونه استعدادا من الإدارة لتجاهل الأحكام القضائية، مستشهدين بسوابق تتعلق بنشر الحرس الوطني في مدن يسيطر عليها الحزب الديمقراطي.
ووفق "ذا هيل"، لطالما كان التجاذب بين سلطات الولايات المحلية والحكومة الاتحادية سمة من سمات رئاسة ترمب، وسط حملات تستهدف المهاجرين ومنع تفشي الجريمة في المدن والولايات التي يقودها الديمقراطيون.
وقد رفعت ولاية مينيسوتا والمسؤولون المحليون دعاوى قضائية لإخراج وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك من مدنها، حيث ينظر القضاء حاليا فيما إذا كان سيوقف هذا الاندفاع الأمني.
وقال عمدة مينيابوليس جاكوب فراي (ديمقراطي) إن مدينته لن تنفذ قوانين الهجرة الفدرالية، وهو ما وصفه ترمب بأنه "لعب بالنار".
واعتبر المؤرخ ماثيو بينسكر أن هذا السجال مثال على "النقاش المتجذر بعمق" حول ما إذا كان يحق للحكومة الفدرالية إلزام مسؤولي الولايات والمدن بتنفيذ قوانينها، وهو نقاش يعود إلى عقيدة "عدم الإكراه" المنصوص عليها في التعديل العاشر للدستور.
ولفت التقرير إلى أن غياب الثقة في القضاء زاد من حدة الاحتقان؛ فبينما تحاول المحاكم موازنة السلطات، تتحرك الأحداث الميدانية بسرعة تفوق الإجراءات القانونية.
وما يزيد الطين بلة -بحسب الموقع الإخباري- هو الخطاب السياسي الذي يتبنى فكرة "الطلاق الوطني" أو الانفصال، مما يضفي شرعية على النزاعات العنيفة ويجعلها خيارا مطروحا في النقاش العام.
وعلى الرغم من أن الخبراء العسكريين والسياسيين يفرقون بين العنف المتقطع والحرب الأهلية الشاملة التي تتطلب طرفين منظَّمَين، فإنهم يحذرون من أن استمرار العنف المتقطع، إلى جانب الخطاب السياسي المتطرف، قد يوجِد مسارا تصاعديا يصعب احتواؤه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة