آخر الأخبار

بالأرقام والتحليل.. ما الذي يحتاجه النازحون للعودة لبيوتهم؟

شارك

تتصدر السودان المشهد الإنساني العالمي حاليا، بوصفها أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم، بنحو 14 مليون نازح داخلي. حسب ما جاء في تقارير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

هذه الأرقام المذهلة في السودان تدفعنا للنظر إلى الصورة الأوسع عالميا للنزوح القسري الذي بلغ مستويات غير مسبوقة، حيث تشير تقديرات مفوضية اللاجئين إلى أن العدد العالمي للأشخاص المهجرين قسرا قد تجاوز 122 مليون شخص مع نهاية النصف الأول من عام 2025.

وفي ظل تسارع المتغيرات الجيوسياسية التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، تكتسب هذه المعطيات أهمية قصوى من حيث تسليط الضوء على ظاهرة النزوح القسري، إذ فاقمت هذه المتغيرات الجيوسياسية أزمات النزوح في بلدان أخرى مثل سوريا واليمن وفلسطين، حيث تصل ذروتها في قطاع غزة.

فقد شهد القطاع نزوحا كبيرا ومضاعفا شمل أغلب السكان الموجودين وأكثر من مرة نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث يقدر عدد النازحين داخليا بنحو مليوني شخص بحلول منتصف عام 2025، حسب ما جاء على الموقع الإلكتروني لمفوضية اللاجئين.

وحسب التقرير نفسه، فقد انخفض عدد النازحين قسرا بمقدار 5.9 ملايين شخص بحلول منتصف عام 2025، وهو أول انخفاض ملموس منذ عقد من الزمان، وهذا ما يثير أسئلة عدة من قبيل: ما الأسباب التي تدفع النازحين للعودة إلى منازلهم التي نزحوا منها؟ وكيف يتعاملون مع الواقع الجديد ويتغلبون على صعوباته؟

ولفهم أبعاد هذه الظاهرة وتداعياتها، أجرى موقع الجزيرة نت مقابلات معمقة مع خبراء ومسؤولين ومحللين، استعرضوا فيها الأسباب والتحديات والحلول الممكنة، بهدف تقديم تحليل معمق لهذه البيانات والأرقام، مع التركيز على "حالة الخرطوم" كظاهرة واضحة لعودة النازحين، خاصة أن السودان يمثل العدد الأكبر عالميا من حيث النزوح الداخلي، وذلك بالتزامن مع عودة الحكومة السودانية للعمل من العاصمة مؤخرا، مما يبعث رسائل إيجابية حول إمكانية استعادة الحياة وعودة النازحين لمنازلهم.

مصدر الصورة

أزمة النازحين في أرقام

وتؤكد البيانات الصادرة عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمنظمات الدولية الأخرى أن أزمة النزوح العالمي قد وصلت إلى ذروتها في عام 2025، فإلى جانب الرقم العالمي الذي تجاوز 122 مليون نازح قسرا، تبرز أرقام محددة في الشرق الأوسط لتكشف عن عمق المأساة.

إعلان

ففي السودان، أدت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023 إلى تشريد نحو 14 مليون شخص داخليا، مما يجعلها أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم حاليا، وهذه الأرقام تعكس ضغطا هائلا على البنية التحتية والخدمات في جميع الولايات السودانية.

أما في قطاع غزة، فالوضع مختلف عن ذلك، حيث يقدر عدد النازحين داخليا بنحو مليوني شخص، أو ما يمثل أغلب سكان القطاع، وتعدد النزوح أكثر من مرة نتيجة العدوان الإسرائيلي.

ويشير المستشار الإعلامي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( أونروا) عدنان أبو حسنة إلى أن الوضع في غزة فريد، حيث تم تدمير 90% من المنازل والمدارس والبنية التحتية، وأن نحو مليونين ونصف المليون فلسطيني أصبحوا بلا مأوى، مما يجعل عودة النازحين إلى بيوتهم أمرا شبه مستحيل في ظل هذا الدمار الشامل.

كما تسهم أزمات النزوح في دول أخرى مثل سوريا في تضاعف الأرقام القياسية العالمية، حيث تعاني من نزوح داخلي وخارجي كبير نتيجة للنزاع المستمر، ووصل عدد النازحين حتى عام 2025 إلى نحو 12 مليونا.

ولم يستثن اليمن من أزمة النزوح العالمية نتيجة الصراع المستمر، وتجاوز عدد النازحين 5 ملايين شخص.

ما يحتاجه النازحون للعودة لبيوتهم

لعل "السلام النسبي" الذي تحدث عنه من الكونغو الباحث في شؤون الإبادة الجماعية توم ندا هيرو -في تصريحات للجزيرة نت- يمثل النقطة الجوهرية التي يحتاج إليها النازحون للعودة إلى منازلهم، ومع ذلك تتفق آراء الخبراء والمحللين على أن "العودة الآمنة والمستدامة" للنازحين تتطلب حزمة متكاملة من العوامل التي تتجاوز مجرد توقف القتال.

ويمكن تلخيص هذه المتطلبات أساسية في النقاط التالية:


* السلام النسبي: حيث يجب أن يشعر النازحون بأن الوضع قد تحسن بما يكفي لتمكينهم من البقاء، وأنهم مطمئنون على فجر اليوم التالي.
* ا لمأوى: توفير مأوى، حتى لو كان خيمة أو بيتا متنقلا، فليس بالضرورة أن يكون منزلا بالمعنى الحرفي.
* الأمن الغذائي: وهو أمر أساسي، فمن دون ضمان غذائي لا يوجد شيء آخر مضمون.
* قيادة موثوقة: لا بد من توافر قيادة يثق الناس بها لتنظيم إعادة توطينهم، وإلا سادت الفوضى.
* الكهرباء: تعد العامل الحاسم في عودة النازحين واستقرارهم، وهي القادرة على دفع عجلة الحياة في كل تفاصيلها.
* الماء: يرتبط أي تجمع بشري بالقدرة على الوصول للمياه النظيفة، ومن دونها تتوقف مظاهر الحياة.
* العلاج: انهيار الأنظمة الصحية أو عدم توفر المستلزمات الصحية يمثل عائقا أمام استقرار المجتمع.
* ا لتكيف: على النازح تقبل أن الوضع أبعد بكثير مما كان عليه من قبل، والعيش بالقليل المتاح في الوقت الحالي.

الخرطوم: مثال العودة والتحدي الرسمي

تمثل الخرطوم حالة فريدة لعودة النازحين، لا سيما بعد عودة الحكومة السودانية لممارسة أعمالها من العاصمة. ويؤكد الكاتب الصحفي والمدير العام للمركز الأفريقي للاستشارات عادل الباز أن عودة الحكومة إلى الخرطوم تعد "أولى مؤشرات الاستقرار"، والوجود الحكومي في الخرطوم يمثل في حد ذاته دعوة مباشرة لعودة النازحين إلى منازلهم التي نزحوا منها.

في حين يلفت المدير الأسبق لمركز البحوث والدراسات الإستراتيجية بالقوات المسلحة السودانية اللواء أسامة عبد السلام إلى أن عودة المواطنين تسهم تلقائيا في "تعزيز الأمن"، شارحا ذلك بأن امتلاء الأحياء المهجورة بالسكان يقلل مخاطر الظواهر السلبية ويمنع السرقات ويشيع جوا من الطمأنينة بين أفراد الأحياء المأهولة سكانيا وخدميا.

إعلان

وفي ما يتعلق بالموقف الحكومي في السودان فعبر عنه سعد الدين الطيب وزير الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم والمتحدث الرسمي باسم الولاية إلى أن الحكومة تعمل منذ أكثر من عام على إعمار ما دمرته الحرب، بدءا بتنظيف المدن من جثث وعربات محترقة، وإعادة تشغيل محطات المياه، وإعادة تأهيل محطات توزيع الكهرباء وخطوط الضغط العالي والمتوسط والمنخفض .

ويؤكد الطيب -في تصريحات للجزيرة نت- أن الخرطوم تعرضت لأكبر عملية نهب لمكونات البنية التحتية للكهرباء، حيث نُهب النحاس الذي يعد المكون الرئيسي للكابلات الأرضية ومحركات المحولات، مشيرا إلى أن ما يعادل 15 ألف محول كهربائي قد نُهب.

ويضيف المسؤول الحكومي أنه رغم هذه التحديات، فإن الحكومة تعمل على توجيه الكهرباء المتوفرة حاليا إلى المرافق الحيوية مثل محطات المياه والمستشفيات، وتعمل على تشجيع المواطنين والقطاع الخاص على استخدام الطاقة الشمسية.

مصدر الصورة نازحون سودانيون على الحدود مع تشاد بحثا عن مقومات أساسية للحياة (الجزيرة)

شهادات من الميدان

وتجسد الشهادات الميدانية للنازحين أنفسهم عمق التحدي وصدق الرغبة في العودة، وتروي ريماء حامد (طبيبة أسنان وتعمل أيضا صحفية) قصة نزوحها من الخرطوم إلى ولاية الجزيرة، ثم اضطرار عائلتها للسفر إلى مصر فتقول "كان الدافع الأساسي للنزوح هو خوفنا من إغلاق المستشفيات وتدهور الأوضاع الأمنية.

وعن سبب عودتها من النزوح لمنزل العائلة في الخرطوم، تقول ريماء -في تصريحاتها للجزيرة نت- إنه رغم الدمار ونقص الخدمات الذي وجدناه عند عودتنا، فإن "الحنين للبيت" كان الدافع الأساسي للعودة، مشيرة إلى أن "الشخصية السودانية وجدانية"، فالناس عادوا "لأنهم اشتاقوا لبيوتهم".

وتصف ريماء وضع الخرطوم عند عودتها قائلة "عدت فوجدت البيت شبه خالٍ؛ الأغراض الأساسية سُرقت، ولا توجد كهرباء أو مياه". مضيفة "أنه كان هناك مصدر مياه واحد فقط في الحي يأتي إليه الجميع لتعبئة المياه ونقلها إلى البيوت. لكن تدريجيا بدأ الجيران العودة، وبدأ الحي يستعيد ملامحه الاجتماعية، وعادت الحياة شيئا فشيئا، وبدأت بعض الخدمات بالرجوع وتحسن وضع المياه نسبيا".

وعن كيفية التعامل مع مثل هذه الأوضاع، تؤكد ريماء أن المبادرات الشعبية لعبت دورا كبيرا في تجاوز هذه التحديات، وأن الناس "تأقلمت" مع نقص الخدمات، مشيرة إلى أن "تجارب النزوح الصعبة خلقت لديهم مناعة وقدرة كبيرة على التأقلم مع الواقع الجديد".

وفي شهادة أخرى، يلخص الإعلامي رامي محكر احتياجات النازح قائلا "النازح يحتاج إلى مقومات الحياة الأساسية من كهرباء وماء، وقبل ذلك كله يجب أن يكون الوضع الأمني مستقرا". مضيفا أن غياب هذه المقومات يضطر النازح إلى الانتقال لمنطقة أخرى حيث تتوفر مقومات الحياة الأساسية.

وأشار محكر -في تصريحاته للجزيرة نت- إلى ضرورة وجود "المحلات التجارية التي يستطيع من خلالها النازح الحصول على السلع الضرورية والغذائية".

الرؤية المستقبلية

انخفض عدد النازحين قسرا بمقدار 5.9 ملايين شخص بحلول منتصف عام 2025، وهو أول انخفاض ملموس منذ عقد من الزمان، وتشير الدلائل إلى إمكانية استمرار هذا التوجه إذا استمر تحقق متطلبات العودة الدائمة التي تتطلب بناء السلام، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وتحقيق الاندماج، لضمان استقرار مناطق العودة بشكل حقيقي، وتجنب نزوح السكان مجددا بسبب الظروف الصعبة في أوطانهم، حسب ما قالته تقارير مفوضية شؤون اللاجئين.

ففي سوريا، على سبيل المثال، خفت حدة الصراع، رغم أن انعدام الأمن لا يزال قائما في بعض مناطق البلاد، والخدمات الأساسية ما تزال غير كافية.

وفي السودان، كانت عمليات العودة -غالبا- تتم في ظل ظروف قاسية إلى مناطق صغيرة تتمتع باستقرار نسبي، في الوقت الذي استمر فيه القتال والنزوح في مناطق أخرى من البلاد.

إعلان

وتتجه الرؤية المستقبلية للتعامل مع أزمة النزوح نحو حلول مستدامة ترتكز على إعادة الإعمار وتوفير مقومات الحياة، حسب ما قاله اللواء عبد السلام "إن الصورة ستتضح بشكل أكبر خلال شهرين" إذا استمرت الأوضاع في التحسن، وقد نشهد "عودة واسعة" تشمل معظم أحياء العاصمة الخرطوم.

وأشار الباز إلى أن عودة الحكومة نفسها إلى الخرطوم هي "أولى مؤشرات الاستقرار"، وأن عودة المواطنين هي دعوة مباشرة للعودة.

وتؤكد المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أهمية "الحلول الدائمة" التي تشمل العودة الطوعية والآمنة، أو الاندماج المحلي. وفي النهاية، يظل هدف العودة مرتبطا بتحقيق "السلام النسبي" الذي تحدث عنه توم ندا هيرو، وهو ما يتيح للنازحين، كما قالت ريماء حامد، أن يعودوا إلى بيوتهم مدفوعين بـ "الحنين"، ليسهموا بأنفسهم في إعادة بناء ما دمرته الحرب.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا