آخر الأخبار

من الهيمنة إلى الانحدار ـ كيف أدخل ترامب الدولار في نفق الشك

شارك
صورة رمزية ـ مناصرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحمل لافتة تمثل العملة الأمريكية توسطها صورة ترامبصورة من: Brian Cahn/ZUMA Press/picture alliance

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، صار الدولار العملة الاحتياطية العالمية، وكان لمؤتمر بريتون وودز الدولي في يوليو 1944 دور حاسم في هذا الصدد، إذ كان هدفه: وضع هيكل جديد للاقتصاد العالمي يضمن سلاما دائما من خلال زيادة التجارة، وخفض الرسوم الجمركية، ونظام صرف أكثر استقرارا.

وقد أنشأت الولايات المتحدة نظاما لأسعار الصرف الثابتة في بريتون وودز بسبب هيمنتها حسب تقرير لصحيفة دويتشلاند فونك الألمانية، وكان على جميع الدول تثبيت سعر صرف عملاتها مقابل الدولار الأمريكي. وفي المقابل، التزمت الولايات المتحدة بتغطية قيمة الدولار باحتياطياتها من الذهب.

في أوائل سبعينيات القرن الماضي، انهار نظام بريتون وودز، فلتمويل ديونها، طبعت الولايات المتحدة كميات هائلة من الدولارات لم تعد قادرة على تغطيتها باحتياطياتها من الذهب. ومع ذلك، حتى بعد انتهاء اتفاقية بريتون وودز، حافظ الدولار الأمريكي على مكانته كعملة رائدة عالميا.

وتعود أسباب ذلك بالدرجة الأولى إلى قوة الاقتصاد الأمريكي الهائلة وثقة المستثمرين في القوة المالية والجدارة الائتمانية للولايات المتحدة. كما كان يُنظر إلى الدولار الأمريكي وسندات الخزانة الأمريكية على أنها "ملاذ آمن"، إلى غاية الثاني من أبريل/نيسان 2025.

ما هي تبعات سياسات ترامب على الدولار الأمريكي؟

في الثاني من أبريل/نيسان 2025، أعلن الرئيس الأمريكي ترامب فرض رسوم جمركية مرتفعة على الواردات تتراوح بين 10 و49 بالمئة لمعظم شركائه التجاريين. وبرر ترامب قراره بالقول إن الرسوم الجمركية الأمريكية السابقة، التي كانت غالبا أقل من 5 بالمئة، لطالما أضرت بالاقتصاد المحلي. وكان من المفترض أن يمثل الثاني من أبريل/نيسان، الذي أطلق عليه الرئيس الأمريكي اسم "يوم التحرير"، نقطة تحول.

لكن ما حدث كان عكس ذلك تماما، إذ يشير تقرير لصحيفة دويتشلاند فونك إلى أن مؤشر داو جونز الصناعي قد انخفض بأكثر من 1600 نقطة، أي بنسبة تقارب 4 بالمئة. كما انهارت أسعار الأسهم في بورصات أخرى حول العالم. وتخوّف العديد من المستثمرين من حرب تجارية دولية قد تُغرق الاقتصاد العالمي في ركود.

هكذا، ألحقت إعلانات ترامب بشأن الرسوم الجمركية ضررها بالولايات المتحدة: عزوفٌ عن السندات الأمريكية، وعزوفٌ عن الدولار، وزيادةٌ في أعباء الفائدة. ويبدو أن الفريق الاقتصادي لترامب لم يتوقع هذه الكارثة في سوق السندات، ربما بناءً على افتراض أن الدولار الأمريكي سيظل العملة الرائدة.

هل يحاول ترامب خفض قيمة الدولار الأمريكي؟

إن قوة العملة المحلية تجعل السلع والخدمات الأمريكية أغلى ثمنا للتصدير، مما يقلل من قدرتها التنافسية الدولية. أما ضعف الدولار فيؤدي إلى عكس ذلك، إذ يصبح شراء المنتجات الأمريكية أرخص بالنسبة للدول الأجنبية. وفي الوقت نفسه، ترتفع أسعار الواردات من الخارج في الولايات المتحدة. وهذا يتوافق تمامًا مع أهداف ترامب ، إذ يسعى إلى تشجيع شراء المنتجات الأمريكية.

ويعتبر خبراء ماليون نقلت دويتشلاند فونك الألمانية تحليلهم في تقاريرها، مثل آرثر برونر، تاجر السندات في بنك تداول الأوراق المالية ICF، هذا رهانًا محفوفًا بالمخاطر، لأن ضعف الدولار الأمريكي يرسل إشارةً مفادها: "إذا كنت تؤمن بقوة دولة ما، فإن ذلك ينعكس أيضًا على عملتها"، كما يوضح برونر. إن حقيقة أن الدولار فقد الكثير من قيمته مقابل اليورو تعني: "أن الناس فقدوا بعض الثقة في أمريكا".

يؤدي فقدان الثقة، الذي ينتج عنه أيضاً ارتفاع أسعار الفائدة على سندات الخزانة الأمريكية، إلى تفاقم الوضع. ونظراً لارتفاع الدين القومي الأمريكي، الذي تفاقم بفعل سياسات ترامب، فإن هذا لا يصب في مصلحة الحكومة الأمريكية.

هل يكون اليورو بديلا للدولار؟

إذا استمرت سياسات دونالد ترامب التجارية التصادمية في السنوات القادمة، سيفقد الدولار الأمريكي موقعه المهيمن الحالي كعملة احتياط عالمية. وسيكون لليورو فرصة جيدة ليحلّ محلّه.

إن مجرد توقع التضخم قد يدفع أسواق رأس المال إلى تجاهل انخفاض أسعار الفائدة، بل والمطالبة برفعها للتخفيف من حدة الانخفاض المتوقع في قيمة الدولار الأمريكي . كما أنه من المرجح أن يُثير الضغط السياسي الذي يمارسه الرئيس ترامب على بنكه المركزي، الاحتياطي الفيدرالي، مخاوف المستثمرين.

إذا أضعف ترامب استقلالية الاحتياطي الفيدرالي أمام الجميع، فقد يُؤجج ذلك المخاوف من أن تصبح السياسة النقدية الأمريكية ورقة سياسية وتفقد استقلاليتها. وستكون النتيجة عملة مُعرّضة للتضخم المزمن. وبذلك، صارت أمام اليورو فرصة ليصبح عملة احتياطية عالمية.

تكمن الميزة الحاسمة لليورو على عملات أخرى كاليوان الصيني أو الدولار الأمريكي في أن استقلالية البنك المركزي الأوروبي المكفولة قانونيا، وما يترتب عن ذلك من حماية من التأثير السياسي. هذا الاستقرار السياسي والمؤسسي تحديدا هو ما يجعل اليورو بديلا محتملا للدولار الأمريكي كعملة احتياطية عالمية.

أين يقف الاقتصاد الأمريكي حاليا؟

تتراوح أسعار الفائدة الرئيسية للاحتياطي الفيدرالي حاليًا بين 3.5 و3.75 بالمئة. وبلغ معدل التضخم 2.7 بالمئة العام الماضي. ويهدف الاحتياطي الفيدرالي، شأنه شأن البنوك المركزية الأخرى، إلى الوصول إلى 2 بالمئة.

يتوقع المواطنون الأمريكيون أن تبقى معدلات التضخم مرتفعة في المستقبل، بمتوسط يزيد عن 6 بالمئة، وفقًا لاستطلاعات جامعة ميشيغان حسب تقرير لصحيفة دير شبيغل الألمانية.

كما أن نسبة كبيرة من المشاركين في الاستطلاع تتوقع معدلات تضخم مرتفعة للغاية تبلغ 15% أو أكثر في المستقبل. ورغم انخفاض هذه الأرقام في الأشهر الأخيرة، إلا أن الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها ترامب لم يكن لها حتى الآن تأثير يُذكر على تطورات الأسعار بشكل عام.

معدل البطالة منخفض ومستقر إلى حد كبير. وعلى عكس البنك المركزي الأوروبي، فإن الاحتياطي الفيدرالي مُلزم بالسعي أيضا لتحقيق مستوى عال من التوظيف. إلا أن سياسات إدارة ترامب الصارمة بشأن الهجرة والترحيل تُؤثر على الوضع.

ويُشير تحليل أجرته مؤسسة بروكينغز إلى أن صافي الهجرة سينخفض إلى حوالي الصفر بحلول عام 2025، لأول مرة منذ قرن على الأقل. ويتوقع باحثو بروكينغز أنه بحلول عام 2026، ستُصبح الولايات المتحدة دولة مُصدِّرة للمهاجرين. وهذا يُشير إلى سوق عمل مُزدحم مع ميل نحو ارتفاع تكاليف العمالة بسرعة، مما سيُؤدي إلى زيادة التضخم.

تحرير: حسن زنيند

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا