في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
فجَّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أزمة دبلوماسية غير مسبوقة بتهديده بفرض رسوم جمركية مشددة على الدول الأوروبية وسيلة ضغط لإجبار الدانمارك على التنازل عن جزيرة غرينلاند أو بيعها للولايات المتحدة.
هذا المشهد الذي يمزج بين "الطموحات الإمبراطورية والابتزاز التجاري" أثار عاصفة من الردود في كبريات الصحف العالمية، التي أجمعت على أن "سياسة الاحتواء" تجاه ترامب قد انتهت بالفشل، مفسحة المجال لمرحلة من الصدام المفتوح.
وكان الرئيس الأميركي قد أعلن، السبت الماضي، فرض رسوم جمركية عقابية بنسبة 10% على صادرات 8 دول أوروبية هي الدانمارك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وهولندا والنرويج والسويد وبريطانيا.
وفي مقال نشرته لو فيغارو الفرنسية، كتب نائب مدير تحرير الصحيفة فيليب جلييه أن إستراتيجية الاحتواء التي انتهجتها أوروبا تجاه الرئيس الأميركي فشلت فشلا ذريعا، بل شجعته على التمادي في الدوس على هذه القارة الهشة والمنقسمة.
وقال جلييه إن الأمر لم يستمر سوى عام واحد فقط حتى وجدت أوروبا نفسها في المكان الذي كانت تخشاه منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في 20 يناير/كانون الثاني 2025.
ووصف أوروبا بأنها قارة محرومة من حليف قوي اعتمدت عليه طويلا أكثر مما ينبغي، لكنه يعاملها الآن علنا كأنها عدو تُفرض عليه عقوبات.
وشدَّد الكاتب على أن الاتحاد الأوروبي في هذا العالم "المفترس" لا يحتاج إلى شركاء محايدين، بل يجب أن يلتف حول نواة صلبة من الدول السيادية لمواجهة معركة سياسية يشنها ترامب ضد "الديمقراطيات المريضة" في القارة العجوز، التي أصبحت عرضة للانزلاق نحو القومية الشعبوية التي يمارسها هو في بلاده.
من جانبها، وصفت صحيفة لوموند الفرنسية إعلان الرئيس الأميركي فرض تلك الرسوم الجمركية بأنه "موقف غير مألوف" دفع الحكومة البريطانية إلى التخلي عن حذرها.
وأشارت إلى أن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي ظل عاما كاملا يتجنب انتقاد ترامب علانية حرصا على "العلاقة الخاصة" والتعاون الاستخباري، قد نفد صبره أخيرا.
وتتساءل لوموند: هل لا تزال إستراتيجية الاسترضاء البريطانية مجدية؟ خصوصا بعد أن وصفت لندن التهديد بفرض رسوم جمركية بأنه "أمر غير مقبول تماما"، وبدأ ستارمر يجرؤ على مقاومة تكتيكات الترهيب التي يمارسها ترامب.
أما صحيفة لوتان السويسرية فترى أن قوة الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو) أمام اختبار هو الأصعب على الإطلاق.
وفي تحليلها للمشهد، تتساءل الصحيفة "كيف يمكن الرد بعقلانية عندما تصطدم مباشرة بالحماقة وعدم الاحترام؟". وتلفت لوتان إلى أن ردود الفعل الأوروبية تراوحت بين الغضب الشديد والصدمة، وبين الرغبة في الرد العنيف والاحتياج إلى تهدئة الأمور، في وقت يدعو فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تفعيل "أداة مكافحة الإكراه" التابعة للاتحاد الأوروبي، مع الدعوة إلى قمة أوروبية استثنائية لمواجهة هذا المنطق الابتزازي.
وفي إسبانيا، أكدت صحيفة إل باييس أن أوروبا قررت الوقوف في وجه ترامب، وتدرس ردودا تجارية قوية. وبحسب الصحيفة، فإن الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد الأوروبي تعقد اجتماعات طارئة لبحث تفعيل آلية مكافحة الإكراه، إضافة إلى إنهاء تعليق الرسوم الإضافية المفروضة على واردات أميركية بقيمة 93 مليار يورو.
وترى الصحيفة أن أوروبا أدركت أن زمن التردد الغربي يجب أن ينتهي ويصبح من الماضي.
وفي سياق متصل، نقلت صحيفة ديلي تلغراف اللندنية عن مصادر دبلوماسية أن الاتحاد الأوروبي يجهز بالفعل لرسوم انتقامية تستهدف الصادرات الأميركية.
وكشفت الصحيفة أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حث الدول الأعضاء خلال محادثات طارئة في بروكسل على استخدام "البازوكا التجارية" لتقييد وصول الشركات الأميركية إلى السوق الأوروبية الموحدة.
وحثت تلغراف في افتتاحيتها كير ستارمر على الوقوف بحزم ضد ترامب، مؤكدة أن الشعب البريطاني ينحاز بوضوح إلى الدانمارك في قضية غرينلاند، وأنه لا يوجد مبرر لاستخدام "القوة الغاشمة" والابتزاز الذي يمارسه الرئيس الأميركي، والذي رأته "خطوة تجاوزت كل الحدود" حتى بمعايير ترامب الخاصة.
ومن جهتها، انتقدت صحيفة غارديان بشدة الاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى أن الصدمة التي أحدثها إعلان ترامب فرض الرسوم الجمركية على عدد من دوله تنُم عن فشل إستراتيجيته القائمة على "التملق والاسترضاء".
وتوقعت في تحليلها أن الأسابيع القليلة المقبلة ستكشف ما إذا كان ترامب قد تجاوز الحدود في مسألة الرسوم الجمركية، مع تزايد الدعوات إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة من قِبل الاتحاد الأوروبي.
لم يكن الداخل الأميركي بعيدا عن هذه الانتقادات، ففي مقال مشترك بمجلة ناشونال إنترست، يرى مدير دراسات الدفاع والسياسة الخارجية جاستن لوغان، والباحث في مجال الأمن القومي بمركز ناشونال إنترست للدراسات سومانترا مايترا، أن الولايات المتحدة يمكنها حماية مصالحها في القطب الشمالي عبر "دبلوماسية الدولار" وليس من خلال "دبلوماسية الزوارق الحربية".
وأوضح الكاتبان أن الخطاب الحالي بشأن غرينلاند سيؤدي إلى نتائج عكسية، وبدلا من التلويح بضم الجزيرة، يجب على واشنطن فتح باب التعاون الأمني والاستثمار، بما يخدم الطرفين على المدى الطويل.
واستعرض المقال 3 مصالح أميركية رئيسية في القطب الشمالي: أولها أن تلك المنطقة تحولت بفعل الاحتباس الحراري إلى طريق تجاري وعسكري بالغ الأهمية، ومن ثَم لا ينبغي لواشنطن السماح لقوى كبرى منافسة أن تنصب طوقا أمنيا حول تلك المسارات.
وثانيها يتمثل في الحاجة إلى تأمين سلاسل إمدادات مستقرة للمنتجات العالية التقنية والمعادن النادرة والمعادن الإستراتيجية. والمصلحة الأخيرة تكمن في ضرورة أن تسعى الولايات المتحدة لتوفير فرص عمل واستثمارات جديدة.
وخلص الكاتبان إلى أن ضم غرينلاند غير واقعي وغير قابل للاستمرار، وسيواجه معارضة داخلية وقانونية ساحقة، كما أن أي نزاع إقليمي مع حليف في الناتو سيكون "غير مقبول سياسيا".
وبدورها، حذرت هيئة تحرير صحيفة واشنطن بوست من أن الشركات والمستهلكين الأميركيين هم من سيدفعون الثمن في النهاية عبر ارتفاع الأسعار، لأن الدانمارك -الحليف القوي الذي يستضيف قوات أميركية واستثمارات في غرينلاند- لن يتنازل عن أراضيه.
كما طرحت الصحيفة تساؤلا قانونيا بشأن ما إذا كان ترامب يملك أصلا سلطة فرض هذه الرسوم دون موافقة الكونغرس، مشيرة إلى أن المحكمة العليا قد تحسم قريبا ما إذا كان الرئيس يسيء استخدام قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية، الذي لا يذكر كلمة "رسوم جمركية" أصلا.
أما موقع أكسيوس الأميركي فذكر أن تعهد الرئيس الأميركي بفرض رسوم على 8 دول أعضاء في الناتو لإجبارها على إبرام صفقة بشأن غرينلاند أثار ردود فعل غاضبة في أوروبا، وهدد اتفاق التجارة المبرم بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الذي كان ترامب نفسه قد وصفه بأنه "أكبر صفقة على الإطلاق".
وفي تفصيل للأثر الاقتصادي، نشرت وول ستريت جورنال تحليلا لمراسلتها في نيويورك شاو دينغ، أوضحت فيه أن رسوم ترمب البالغة 10% على حلفاء أوروبيين عدة ستصيب طيفا واسعا من السلع الفاخرة والمتخصصة.
ومن أبرز تلك السلع النبيذ والجبن الفرنسي، والسلمون النرويجي، ومكبرات الصوت الدانماركية ماركة "بانغ آند أولفسن"، إضافة إلى علامات تجارية شهيرة مثل "لوي فيتون" و"هيرميس" و"لو كروزيه" و"لايكا".
ولن يتوقف الأمر عند السلع الاستهلاكية، بل سيمتد إلى الصناعات الثقيلة مثل سيارات فولكس فاجن وأودي وبورش الألمانية، وسيارات فولفو السويدية، وطائرات إيرباص الفرنسية، وصولا إلى قطاع الأدوية الحيوي الذي تستورد الولايات المتحدة كميات ضخمة منه من أوروبا.
المصدر:
الجزيرة