آخر الأخبار

الحرب الخاطفة في العقل العسكري الإسرائيلي

شارك

"توظيف الحرب الخاطفة في الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية" هو عنوان الرسالة التي تقدم بها الباحث ناظم محمد نجم الجبوري لجامعة كركوك، العراق، وحصل بها على درجة الماجستير في العلوم السياسية بالجامعة.

تتناول الرسالة واحدة من أكثر القضايا حساسية في الفكر العسكري المعاصر، وهي كيفية توظيف الكيان الصهيوني لمفهوم الحرب الخاطفة داخل إستراتيجيته العسكرية، ليس بوصفها تكتيكا عابرا ارتبط بحروب كلاسيكية محددة، وإنما باعتبارها عقيدة قتالية متجددة أعيد إنتاجها وتكييفها وفق التحولات السياسية والعسكرية والتكنولوجية التي شهدتها المنطقة منذ قيام الكيان.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 الاحتجاجات الإيرانية بين محرِّك الاقتصاد والمجتمع وحسابات التدخل الأميركي
* list 2 of 2 لماذا تهتم إسرائيل بأرض الصومال؟ end of list

فرضية الرسالة.. جوهر التفكير الإسرائيلي هو الحسم السريع

تنطلق الرسالة من فرضية مركزية مفادها أن الحرب الخاطفة لم تكن مجرد أسلوب قتال لجأت إليه إسرائيل في لحظة تاريخية بعينها، كما هو شائع في الأدبيات التي تحصرها في حرب يونيو/حزيران 1967، بل تمثل جوهر التفكير العسكري الإسرائيلي، الذي قام منذ بداياته على فكرة المبادرة، والمفاجأة، ونقل المعركة إلى أرض الخصم، والحسم السريع قبل أن تتحول الحرب إلى صراع استنزاف طويل لا تحتمله إسرائيل بحكم عوامل الجغرافيا والديمغرافيا والاقتصاد.

البيئة الوجودية.. كيان بلا عمق إستراتيجي

وتؤكد الرسالة أن فهم الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية لا يمكن أن يتم بمعزل عن البيئة الوجودية الخاصة التي نشأ فيها هذا الكيان؛ فإسرائيل كيان محاط بخصوم، يفتقر إلى العمق الإستراتيجي، ويعتمد على التفوق النوعي لا العددي، ما جعله ميّالا بطبيعته إلى أنماط القتال التي تحقق حسما سريعا وتمنع تراكم الخسائر.

الجذور النظرية.. من "البلتزكريغ" إلى النسخة المعدلة

في هذا السياق، تضع الرسالة الحرب الخاطفة ضمن إطارها النظري، متتبعة جذورها المفاهيمية في الفكر العسكري الغربي، خصوصا التجربة الألمانية في الحرب العالمية الثانية، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن إسرائيل لم تنقل هذا المفهوم نقلا حرفيا، بل أعادت صياغته بما يخدم شروطها الخاصة. فالحرب الخاطفة الإسرائيلية ليست نسخة مطابقة لـ"البلتزكريغ" الألمانية، بل صيغة معدلة تقوم على الضربة الاستباقية، والتكامل بين الأفرع العسكرية، والسيطرة الجوية، والعمل الاستخباري المكثف.

الاستباق والوقاية.. الحرب بوصفها دفاعا مسبقا

وتولي الرسالة اهتماما خاصا بمفهومي الاستباق والوقاية في الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، مبيّنة أن إسرائيل سعت دائما إلى تبرير حروبها بوصفها حروبا وقائية أو استباقية، حتى حين تكون هي الطرف المبادر بالهجوم. وتوضح أن هذا المنطق لم يكن مجرد خطاب سياسي، بل كان جزءا أصيلا من العقيدة العسكرية التي ترى أن الانتظار حتى يتبلور الخطر يشكل تهديدا وجوديا لا يمكن تحمله.

خصائص الحرب الخاطفة.. السرعة والمفاجأة وتركيز القوة

وتنتقل الرسالة بعد ذلك إلى تفصيل خصائص الحرب الخاطفة كما توظفها إسرائيل، مبرزة مجموعة من العناصر التي تشكل العمود الفقري لهذا النمط القتالي، وفي مقدمتها السرعة العالية في الحركة، والمفاجأة، وتركيز القوة في نقاط محددة، والتنسيق الوثيق بين القوات البرية والجوية، إلى جانب الاعتماد الكثيف على المعلومات الاستخبارية الدقيقة. وتؤكد أن هذه الخصائص لم تبقَ ثابتة، بل تطورت بتطور أجيال الحروب والتقنيات العسكرية الحديثة.

التفوق الجوي.. الركيزة الأولى للحسم السريع

وتوضح الرسالة أن التفوق الجوي شكّل منذ البداية الركيزة الأساسية للحرب الخاطفة الإسرائيلية، إذ اعتبرت القيادة العسكرية الإسرائيلية السيطرة على السماء شرطا مسبقا لأي حسم سريع على الأرض. ومن هنا جاء الاستثمار الكبير في سلاح الجو، سواء من حيث الكم أو النوع، إضافة إلى تطوير قدرات الاستطلاع والإنذار المبكر، بما يسمح بشن ضربات مركزة تشل قدرة الخصم على الرد.

بنية الجيش والاحتياط.. آلة صُممت للحروب القصيرة

وتفرد الرسالة مساحة واسعة لتحليل البنية العسكرية الإسرائيلية، مبيّنة حجم القوات النظامية وقوات الاحتياط، وتوازنها مع طبيعة المجتمع الإسرائيلي القائم على التعبئة العامة، حيث يشكل الاحتياط عنصرا حاسما في أي حرب قصيرة وسريعة.

إعلان

وتبرز أن هذا النموذج العسكري صُمم خصوصا لخوض حروب خاطفة، لا لحروب طويلة الأمد، وهو ما يفسر القلق الإسرائيلي الدائم من سيناريوهات الاستنزاف.

1967.. النموذج الكلاسيكي للحرب الخاطفة الناجحة

وتنتقل الدراسة إلى التطبيق التاريخي، فتتوقف مطولا عند حرب يونيو/حزيران 1967 بوصفها النموذج الكلاسيكي للحرب الخاطفة الإسرائيلية الناجحة، حيث استطاعت إسرائيل، عبر ضربة جوية استباقية مركزة، أن تحسم المعركة في أيام معدودة، وأن تحقق مكاسب إستراتيجية هائلة مقارنة بزمن الحرب القصير. وتبرز الرسالة كيف جسدت هذه الحرب أقصى تجليات فلسفة الحسم السريع، وأصبحت مرجعا مركزيا في التفكير العسكري الإسرائيلي لاحقا.

1973.. فقدان المبادرة ثم استعادتها

لكنّ الرسالة لا تتوقف عند هذا الحد، بل تؤكد أن حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 مثّلت نقطة تحول مفصلية في مسار الحرب الخاطفة، إذ تعرضت إسرائيل لأول مرة لهجوم عربي منسق ومفاجئ، ما أفقدها زمام المبادرة في الأيام الأولى للحرب.

وتشرح الرسالة كيف وجدت إسرائيل نفسها مضطرة إلى تحويل الحرب من تهديد وجودي إلى فرصة لاستعادة منطق الحرب الخاطفة، من خلال إعادة تنظيم قواتها، والاستفادة من الدعم الأميركي، والقيام بهجمات مضادة سريعة قلبت موازين المعركة.

خلاصة 1973.. الحرب الخاطفة لم تنتهِ بل تغيّرت

وتخلص الرسالة في هذا السياق إلى أن حرب 1973 لم تُنهِ عقيدة الحرب الخاطفة الإسرائيلية، كما يذهب بعض المحللين، بل أدت إلى إعادة تعريفها وتطويرها، بحيث أصبحت أكثر مرونة، وأقل اعتمادا على الضربة الجوية وحدها، وأكثر اهتماما بإدارة المعركة متعددة الجبهات.

مصدر الصورة من اليمين: الرئيس شيمون بيريز (يمين) ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع موشيه يعالون عام 2013 خلال مراسم إحياء الذكرى الأربعين لحرب 1973 (غيتي)

التحول الكبير.. من الجيوش النظامية إلى الحروب غير المتماثلة

تنتقل الرسالة في مراحلها اللاحقة من دراسة الحروب النظامية الكلاسيكية إلى معالجة التحول العميق في طبيعة الصراع العسكري الذي واجهته إسرائيل منذ نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، حيث لم تعد الحرب الخاطفة تُمارس في مواجهة جيوش نظامية فقط، بل وجدت إسرائيل نفسها أمام خصوم من نمط مختلف، يعتمدون على حروب غير متماثلة، ويجيدون استنزاف القوة المتفوقة بدل مواجهتها مباشرة.

لبنان 1982.. ضربة سريعة ومأزق احتلال طويل

وتشير الرسالة إلى أن حرب لبنان 1982 مثلت محاولة إسرائيلية لإعادة إنتاج نموذج الحرب الخاطفة، من خلال توجيه ضربة سريعة تهدف إلى إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وفرض واقع سياسي وأمني جديد.

ورغم النجاح العسكري النسبي في المراحل الأولى، فإن الرسالة تؤكد أن هذه الحرب كشفت مبكرا عن مأزق الاحتلال طويل الأمد، وعجز الحرب الخاطفة عن تحقيق استقرار سياسي دائم، ما أدى لاحقا إلى نشوء مقاومة لبنانية أكثر تنظيما وخطورة.

حزب الله.. كسر فعالية الحرب الخاطفة

وتفرد الرسالة مساحة تحليلية مهمة لدراسة تجربة حزب الله، بوصفه الخصم الذي نجح إلى حد بعيد في كسر فعالية الحرب الخاطفة الإسرائيلية.

وتوضح أن حزب الله، عبر تطوير تكتيكات قتالية مرنة، واستخدام الأرض والبيئة الاجتماعية، واستنزاف القوات الإسرائيلية تدريجيا، أجبر إسرائيل على خوض حروب طويلة نسبيا، تتناقض مع جوهر عقيدتها القائمة على الحسم السريع.

2006.. نموذج صارخ لفشل الحسم السريع

وتتوقف الرسالة مطولا عند حرب يوليو/تموز 2006، معتبرة إياها نموذجا صارخا لفشل توظيف الحرب الخاطفة في مواجهة مقاومة غير نظامية. فإسرائيل، رغم تفوقها الجوي والتكنولوجي، لم تستطع تحقيق حسم عسكري سريع، واضطرت إلى القبول بوقف إطلاق نار دون تحقيق أهدافها المعلنة.

إعلان

وترى الرسالة أن هذه الحرب شكلت صدمة عميقة للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وأجبرت قادتها على مراجعة مفاهيمهم التقليدية.

"إستراتيجية الضاحية".. ضغط نفسي وسياسي بدل الحسم

وفي هذا الإطار، تُبرز الرسالة مفهوم "إستراتيجية الضاحية"، التي تبنّتها إسرائيل لاحقا، والقائمة على توجيه ضربات عنيفة للبنية التحتية المدنية بهدف إضعاف الحاضنة الاجتماعية للمقاومة.

وتوضح أن هذه الإستراتيجية تمثل محاولة لتعويض فشل الحرب الخاطفة الكلاسيكية، عبر تحويل الحسم العسكري إلى ضغط نفسي وسياسي على المجتمع الخصم، وإن كان ذلك على حساب القانون الدولي والاعتبارات الإنسانية.

غزة.. مختبر الحرب الخاطفة داخل المدينة

وتنتقل الرسالة بعد ذلك إلى تحليل الحروب الإسرائيلية على قطاع غزة، معتبرة أنها شكلت مختبرا عمليا جديدا لتوظيف عناصر الحرب الخاطفة في بيئة حضرية كثيفة.

وتوضح أن إسرائيل سعت في هذه الحروب إلى تحقيق حسم سريع من خلال ضربات جوية مركزة، وعمليات برية محدودة الزمن، لكنها اصطدمت مرة أخرى بقدرة فصائل المقاومة على الصمود، وإطالة أمد المواجهة، وفرض معادلات ردع جديدة.

الدمج بين الخاطف وطويل النفس.. أهداف جزئية بدل نصر شامل

وتؤكد الرسالة أن هذه التجارب دفعت إسرائيل إلى تطوير عقيدتها العسكرية باتجاه الدمج بين الحرب الخاطفة والحرب طويلة النفس، بحيث لم تعد تسعى دائما إلى حسم شامل، بل إلى تحقيق أهداف جزئية، كإضعاف القدرات العسكرية للخصم، أو تأجيل المواجهة القادمة، أو ترميم صورة الردع.

التكنولوجيا كبديل.. مسيّرات وسيبرانية واستخبارات تقنية

وتولي الرسالة اهتماما خاصا بتأثير التطور التكنولوجي على توظيف الحرب الخاطفة، مشيرة إلى أن إسرائيل استثمرت بكثافة في مجالات الطائرات المسيّرة، والحرب السيبرانية، والاستخبارات التقنية، بهدف تعويض تآكل فعالية الحسم العسكري التقليدي.

وتوضح أن هذه الأدوات سمحت لإسرائيل بتنفيذ ضربات دقيقة وسريعة، لكنها لم تُلغِ التحديات البنيوية التي تواجهها في صراع طويل الأمد مع خصوم غير تقليديين.

الدعم الأميركي.. سلاح إضافي خارج الميدان

كما تتناول الرسالة دور الدعم الأميركي في الحفاظ على قدرة إسرائيل على توظيف الحرب الخاطفة، سواء عبر تزويدها بأحدث الأسلحة والتقنيات، أو عبر الدعم السياسي والدبلوماسي الذي يمنحها هامشا واسعا للتحرك العسكري.

وتؤكد أن هذا الدعم كان عنصرا حاسما في تمكين إسرائيل من تجاوز إخفاقاتها المرحلية، وإعادة بناء قوتها بعد كل مواجهة كبرى.

مصدر الصورة جنازة جندي من جيش الاحتلال الإسرائيلي كان محتجزا لدى المقاومة في قطاع غزة منذ 2014 (غيتي)

الأمن القومي.. منع نقل الحرب إلى الداخل

وفي سياق أوسع، تربط الرسالة بين توظيف الحرب الخاطفة وبين نظرية الأمن القومي الإسرائيلي، التي تقوم على منع نقل الحرب إلى الداخل، والحفاظ على تفوق نوعي دائم، وعدم السماح للخصوم بفرض قواعد اشتباك طويلة الأمد. وترى أن أي إخفاق في تحقيق هذه الأهداف يُنظر إليه داخل إسرائيل بوصفه تهديدا وجوديا، لا مجرد خسارة عسكرية.

"الحسم" كمفهوم عملياتي لا كشعار

تأتي الرسالة، في جانب لا يقل أهمية عن تتبّع الحروب نفسها، لتشرح البنية المفاهيمية التي تتحرك داخلها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حين تتحدث عن "الحسم". فالحسم هنا ليس شعارا دعائيا، بل مفهوم عملياتي مرتبط بزمن المعركة ومكانها وكلفتها، وبالأخص: كيف تمنع إسرائيل انتقال الحرب إلى عمقها الداخلي، وكيف تُبقي الجبهة الداخلية ضمن حدود الاحتمال السياسي والنفسي. ومن هذا المدخل تميّز الرسالة بين "الحسم العسكري" و"الحسم السياسي"، وتؤكد أن الفجوة بينهما هي التي جعلت كثيرا من الانتصارات الميدانية لا تتحول إلى نتائج مستقرة، بل تُنتج موجات صراع لاحقة.

الخصم القابل للشلل.. شرط مفقود

وتشرح الرسالة أن الحرب الخاطفة، حين تُوظف بوصفها "حلا إستراتيجيا"، تحتاج إلى منظومة متكاملة: قرار سياسي سريع، وإعلام موجه، واستعداد تعبوي، وقاعدة لوجستية، وشبكة استخبارات، وقدرة على تزامن الأفرع. غير أن الأهم من ذلك، وفق منطقها، هو أن الخصم يجب أن يكون قابلا "للشلل" بضربة مركزة؛ فإذا كان الخصم لامركزيا، موزعا، يعمل ضمن بيئة مدنية، فإن شروط الشلل تتراجع، ويتحول "الحسم" إلى عملية تراكمية، لا إلى ضربة قاضية. وهذه الملاحظة هي التي تفسر، في قراءة الرسالة، انتقال إسرائيل من حلم "النصر السريع" إلى سياسة "تقليم الأظافر"، أو ما يُسمّى عمليا إدارة الصراع بدل إنهائه.

طبقات الأدوات.. من التقليدي إلى السيبراني

وتضيف الرسالة أن التكييف الإسرائيلي للحرب الخاطفة اعتمد، عبر الزمن، على 3 طبقات من الأدوات.

إعلان

* الطبقة الأولى تقليدية: الضربة الجوية والالتفاف البري والمفاجأة.
* الطبقة الثانية تقنية: الاستطلاع متعدد المصادر، القصف الدقيق، الاتصالات المشفرة، والطائرات المسيّرة.
* الطبقة الثالثة، وهي الأحدث، معلوماتية/سيبرانية: تعطيل شبكات القيادة والسيطرة، جمع البيانات في الزمن الحقيقي، والقدرة على إنتاج صورة عملياتية متغيرة باستمرار.

ووفق هذا التصور، فإن "الخاطف" لا يعني السرعة فقط، بل يعني أيضا السيطرة على إيقاع المعركة، وامتلاك القدرة على الانتقال السريع من هدف إلى آخر، دون أن يمنح الخصم وقتا لإعادة التنظيم.

اقتصاد القوة.. الحرب القصيرة كحاجة لا خيار

ومن النقاط اللافتة في الرسالة أنها تربط بين فكرة الحرب الخاطفة و"اقتصاد القوة". فإسرائيل، في سردها، لا تبحث عن معركة طويلة لأنها مكلفة سياسيا واقتصاديا، ولأن الاستنزاف يفضح هشاشة الجبهة الداخلية.

لهذا يصبح الزمن عنصرا حاكما: كل يوم إضافي في الحرب يرفع الكلفة، ويضاعف الضغط الدولي، ويمنح الخصم فرصة لإعادة التموضع. ومن هنا، تفسّر الرسالة لماذا تُفضل إسرائيل، كلما استطاعت، عمليات قصيرة الكثافة، أو حملات محدودة، حتى إن لم تحقق "نصرا نهائيا"، لأنها تُبقي الكلفة تحت السيطرة وتسمح بإعادة بناء الردع.

مصدر الصورة نتنياهو يشارك في جنازة أحد الجنود الإسرائيليين في العدوان على غزة سنة 2009 (غيتي)

الزمن كسلاح.. إطالة المواجهة كتكتيك مضاد

وفي المقابل، لا تغفل الرسالة عن أن الخصوم تعلموا من هذا المنطق، وأن جزءا من إستراتيجية المقاومة الحديثة هو "إطالة الزمن" عمدا. فحين يصبح الزمن سلاحا في يد الطرف الأضعف، تتبدل قواعد اللعبة: المقاومة لا تحتاج إلى إسقاط الطائرات لتربح، بل يكفيها أن تصمد، وأن تمنع إسرائيل من إعلان نصر سريع واضح، وأن تفرض على المؤسسة العسكرية أسئلة محرجة حول جدوى العملية.

وتعرض الرسالة هذا كعامل بنيوي يحدّ من فعالية الحرب الخاطفة في الصراعات غير المتماثلة، لأنه ينزع من إسرائيل ميزتها الأساسية: التحكم في وقت الحرب.

الشرعية الدولية: ساحة القتال تُجاورها ساحة الصورة

وتُبرز الرسالة أيضا دور "الشرعية" في البيئة الدولية كقيد جديد على الحرب الخاطفة. فالعمليات السريعة، إن اتسمت بعنف واسع ضد المدنيين أو البنية التحتية، قد تحقق أهدافا تكتيكية عاجلة، لكنها تُنتج ارتدادات سياسية وقانونية وإعلامية. ومع تطور أدوات الرصد والنشر الفوري، لم يعد ممكنا فصل ساحة القتال عن ساحة الصورة.

وفي هذا السياق، ترى الرسالة أن إسرائيل حاولت دمج "سردية التبرير" داخل التخطيط العملياتي نفسه: أي أن العملية لا تُخطط فقط للضربة، بل تُخطط أيضا للقصة التي ستُروى عنها، وللغة التي ستُستخدم لتسويقها كدفاع أو وقاية.

شرط النجاح.. مباغتة واستخبارات وخصم قابل للكسر

وفي قراءة النتائج، تذهب الرسالة إلى أن النجاح الإسرائيلي في توظيف الحرب الخاطفة كان أوضح حين توفرت 3 عناصر: مباغتة حقيقية، تفوق استخباراتي، وخصم قابل للكسر في مركز ثقله.

أما حين غاب عنصر واحد منها، فاتجهت الحرب إلى طول النفس، أو تحولت إلى مواجهة رمزية لا تحسمها الأرقام وحدها. وتفهم الرسالة من ذلك أن "الحسم" ليس تقنية، بل علاقة بين طرفين: ما ينفع ضد جيش نظامي قد لا ينفع ضد شبكة مقاومة، وما ينجح في صحراء مفتوحة قد يفشل في مدينة مكتظة.

من "نموذج حرب" إلى "منهج عمل"

ومن ثم، تقدم الرسالة خلاصة تطبيقية مفادها أن الحرب الخاطفة، في الإستراتيجية الإسرائيلية، أصبحت اليوم أقرب إلى "منهج عمل" منها إلى "نموذج حرب". هي مجموعة مبادئ: المبادرة، التفوق المعلوماتي، الضربة المركزة، التحرك السريع، وتقصير زمن العملية.

لكنّ المآل النهائي للحرب أصبح مرتبطا بعوامل تتجاوز الميدان: القدرة على تثبيت مكسب سياسي، منع الخصم من ادعاء النصر، وتأمين جبهة داخلية تتحمل ارتدادات الحرب. وفي هذه النقطة، توحي الرسالة بأن إسرائيل قد تربح الجولة عسكريا، لكنها قد تخسر المعنى سياسيا، وهو ما يفسر استمرار الصراع رغم تكرار العمليات.

حروب أقل نقاء: ضربة تبدأ.. ونهاية لا تُضمن

وأخيرًا، تُلمح الرسالة إلى أن التحولات الجارية في الإقليم، وتطور قدرات الفاعلين غير "الدولتيين"، وصعود ساحات جديدة كالساحة السيبرانية، ستجعل الحرب الخاطفة أقل نقاء وأكثر تعقيدا. فالحرب قد تبدأ بضربة دقيقة خاطفة، لكنها قد تنتهي بحرب روايات طويلة، أو بحسابات ردع متبادلة، أو بمسارات تفاوضية تُفرض تحت ضغط الكلفة.

وبذلك، تُغلق الرسالة ملفها على فكرة بسيطة في ظاهرها، ثقيلة في معناها: الذكاء في الحرب قد يحسن اللغة والمظهر، لكنه لا يضمن الحسم؛ لأن الحسم في النهاية ليس قرارا عسكريا فقط، بل نتيجة توازنات أوسع من ساحة المعركة.

مؤشرات القياس.. كيف تُقاس الحرب الخاطفة؟

وتُبرز الرسالة، في جانبها المنهجي، أنها لا تتعامل مع "الحرب الخاطفة" كمصطلح دعائي، بل كمفهوم قابل للقياس عبر مؤشرات: زمن التعبئة، سرعة الانتشار، كثافة النيران في الساعات الأولى، درجة المفاجأة، ونسبة الإنجاز مقارنة بزمن العملية.

إعلان

وبناء على ذلك، تقترح الرسالة أن تقييم أي حملة إسرائيلية يجب ألا يكتفي بمقارنة الخرائط قبلها وبعدها، بل ينظر إلى ما إذا كانت إسرائيل حققت أهدافها ضمن "نافذة الزمن القصيرة" التي تحتاجها، أم أنها انجرت إلى مسار طويل يبدد ميزة التفوق.

تآكل المفاجأة.. بيئة إقليمية تتغير

وتشير الرسالة كذلك إلى أن التحول في البيئة الإقليمية، وما صاحبَه من تغير في أنماط التسليح، جعل عنصر "المفاجأة" أصعب مما كان عليه. فالتقنيات التي تساعد إسرائيل على الرصد والاستطلاع تساعد خصومها أيضا على كشف التحركات، كما أن سرعة تداول المعلومة تقصّر المسافة بين القرار السياسي وبين تفاعل الرأي العام العالمي.

لهذا تخلص الرسالة إلى أن الحرب الخاطفة، لكي تبقى فاعلة، تحتاج إلى تطوير دائم في الاستخبارات، وفي إدارة الصورة، وفي صياغة الأهداف بحيث تكون قابلة للتحقق سريعا.

قيمة الدراسة.. إسرائيل تُجيد الضربة ولا تضمن النهاية

وفي الختام، تؤكد الرسالة أن دراسة الحرب الخاطفة ليست استحضارا للماضي، بل قراءة لآليات اشتغال القوة في حاضر المنطقة: كيف تُبنى عقيدة الردع، وكيف تتغير علاقة الميدان بالسياسة، ولماذا قد تملك قوة متفوقة أدوات أكثر، لكنها تفتقد القدرة على إنهاء الصراع.

ومن هنا تأتي قيمة الرسالة: أنها تضع القارئ أمام مفارقة واضحة؛ إسرائيل تُجيد "الضربة"، لكنها لا تضمن "النهاية"، لأن النهاية لا تصنعها القوة وحدها.

توصيات.. كيف يُبنى دفاع مضاد للحرب الخاطفة؟

وتسجل الرسالة، في سياق توصياتها، أن أي مقاربة عربية جادة يجب أن تفهم نقاط ارتكاز هذا النمط القتالي كي تبني دفاعات مضادة: تعطيل سرعة القرار، تشتيت مراكز الثقل، وإطالة أمد المواجهة بما يفقد إسرائيل ميزة الزمن.

كما ترى أن الاستثمار في الوعي المعلوماتي، وفي حماية منظومات الاتصال، لا يقل عن الاستثمار في السلاح التقليدي، لأن الحرب الخاطفة الحديثة تبدأ بالمعلومة قبل الطلقة.

وبهذا تُعيد الرسالة تعريف "الحسم" من جديد: حسم قد يُصنع بالصمود، وبمنع الخصم من الانتصار السريع، لا بمجرد تحقيق نصر ميداني خاطف.

الخلاصة المكثفة: حساسية الخسائر وتفوق التقنية

وتضيف أن التحدي الأكبر أمام إسرائيل هو حساسية مجتمعها للخسائر، ما يرفع قيمة "الزمن القصير" في حساباتها. لذلك فإن أي طرف ينجح في تحويل الصراع إلى استنزاف ممتد يفرض عليها مراجعة أهدافها والقبول بتسويات لم تكن ترغبها. هذه خلاصة جوهرية في الرسالة. وتُحذّر من أن تفوق التقنية لا يمنع الانكسار حين تتعقد البيئة السياسية.

وتخلص الرسالة في هذا الجزء إلى أن الحرب الخاطفة، رغم ما تعرضت له من تآكل وتحديات، لم تختفِ من الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، بل جرى إعادة تكييفها لتتلاءم مع واقع الصراعات الجديدة. فهي لم تعد حربا للحسم النهائي، بقدر ما أصبحت أداة ضمن مجموعة أدوات أوسع، تُستخدم لتحقيق أهداف مرحلية، وإدارة الصراع بدل إنهائه.

وتُفرد الرسالة فصلها الأخير لاستخلاص النتائج النظرية والعملية التي انتهت إليها بعد تتبع مسار توظيف الحرب الخاطفة في الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية عبر عقود متعددة من الصراع.

وفي هذا السياق، تؤكد الرسالة أن الحرب الخاطفة لم تكن مجرد أداة عسكرية ظرفية، بل شكّلت مكوّنا بنيويا في التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي، ارتبط ارتباطا وثيقا بطبيعة الكيان ذاته، وبإدراكه الدائم لهشاشة موقعه الجغرافي والديمغرافي.

الردع.. البديل الذي حاولت إسرائيل ترسيخه

وتوضح الرسالة أن أحد أهم استنتاجاتها يتمثل في أن الحرب الخاطفة كانت ناجحة حين توفرت لها شروطها الكلاسيكية، أي في مواجهة جيوش نظامية تقليدية، وفي ظل تفوق جوي مطلق، ومبادرة هجومية مباغتة.

وهو ما تجلّى بوضوح في حرب 1967، وفي مراحل محددة من حرب 1973. غير أن هذه الشروط نفسها بدأت في التآكل مع تغير طبيعة الصراع، وانتقاله من الحروب النظامية إلى الحروب غير المتماثلة.

وتشير الرسالة إلى أن إسرائيل، رغم إدراكها المبكر لهذه التحولات، ظلت أسيرة لمنطق الحسم السريع، وهو ما دفعها إلى محاولات متكررة لفرض نموذج الحرب الخاطفة في بيئات لا تسمح به.

وتؤكد أن هذا الإصرار كان له ثمن إستراتيجي، تمثل في تكرار الإخفاقات الجزئية، وتآكل صورة الردع، وازدياد اعتماد إسرائيل على القوة المفرطة كوسيلة لتعويض العجز عن تحقيق نصر حاسم.

وتناقش الرسالة مفهوم الردع بوصفه البديل الذي حاولت إسرائيل ترسيخه حين تعذر الحسم الخاطف. فبدل إنهاء الصراع، بات الهدف هو إدارته، عبر توجيه ضربات دورية تهدف إلى إضعاف الخصم، وإطالة الفترات الفاصلة بين جولات القتال.

وترى الرسالة أن هذا التحول يعكس اعترافا ضمنيا بمحدودية الحرب الخاطفة في السياق الراهن، دون التخلي عنها بالكامل.

العامل النفسي حاضر في الحرب الخاطفة

كما تبرز الرسالة أن العامل النفسي كان حاضرا بقوة في توظيف الحرب الخاطفة، سواء من خلال المفاجأة، أو عبر استعراض القوة، أو من خلال استهداف العمق المدني للخصم.

وتوضح أن هذا البعد النفسي كان يُنظر إليه داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بوصفه جزءا لا يتجزأ من تحقيق الحسم، حتى وإن لم يكن حسما عسكريا تقليديا.

وتتوقف الرسالة عند إشكالية التكلفة، مبيّنة أن الحرب الخاطفة، رغم قصر زمنها، قد تكون عالية الكلفة سياسيا وأخلاقيا، خاصة حين تُستخدم في بيئات مدنية مكتظة. وتشير إلى أن إسرائيل واجهت في هذا السياق ضغوطا دولية متزايدة، ومحاولات لمساءلتها قانونيا، ما أضاف بعدا جديدا للتحديات التي تواجه إستراتيجيتها العسكرية.

وفي تقييمها الشامل، ترى الرسالة أن الحرب الخاطفة الإسرائيلية تمر اليوم بمرحلة إعادة تعريف، لا إلغاء. فهي لم تعد قادرة على إنتاج نصر حاسم كما في الماضي، لكنها ما زالت تُستخدم كأداة لفرض الإيقاع، والتحكم في توقيت المواجهات، ومنع الخصوم من تحقيق مكاسب إستراتيجية طويلة الأمد.

مصدر الصورة العامل النفسي مهم في الحرب الخاطفة (غيتي)

ما خلصت إليه الرسالة

وتخلص الرسالة إلى أن مستقبل الحرب الخاطفة في الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية سيكون مرتبطا بـ3 عوامل رئيسية:


* أولها، مدى تطور قدرات الخصوم غير النظاميين، وقدرتهم على إطالة أمد الصراع.
* ثانيها، التطور التكنولوجي، وما يتيحه من أدوات جديدة قد تعيد بعض الفاعلية لمنطق الضربة السريعة.
* وثالثها، البيئة السياسية الدولية، وحدود ما تسمح به من استخدام القوة.

وفي خاتمتها، تؤكد الرسالة أن فهم توظيف الحرب الخاطفة في الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية لا يقتصر على كونه دراسة في التاريخ العسكري، بل يمثل مدخلا ضروريا لفهم طبيعة الصراع في المنطقة، وحدود القوة، وإشكاليات الحسم العسكري في عالم تتغير فيه أنماط الحروب بسرعة متزايدة.

وتشير إلى أن الرسالة، رغم تركيزها على الحالة الإسرائيلية، تفتح الباب أمام دراسات مقارنة أوسع، يمكن أن تسهم في تطوير فهم أعمق لعلاقة العقيدة العسكرية بالبيئة السياسية والاجتماعية، وللدور الذي تلعبه الحروب الخاطفة -بصيغها المتجددة- في الصراعات المعاصرة.

ملاحظة لابد منها

تكتسب خلاصات هذه الرسالة أهمية إضافية عند إسقاطها على التحولات التي شهدها الصراع بعد عام 2023، ولا سيما عملية "طوفان الأقصى"، التي مثّلت، من حيث المنطق العسكري، اختبارا معكوسا لفكرة الحرب الخاطفة ذاتها.

فبينما بُنيت العقيدة الإسرائيلية على افتراض امتلاك زمام المبادرة، والمفاجأة، والتحكم في زمن المعركة، جاءت هذه العملية لتقلب المعادلة، وتكشف هشاشة هذا الافتراض حين يُمارَس ضد خصم غير نظامي قادر على المبادأة، وإطالة أمد الصراع، ونقل الحرب إلى مستويات تتجاوز الميدان العسكري التقليدي.

وتُظهر تطورات ما بعد "طوفان الأقصى" أن المعضلة التي تناقشها الرسالة لم تكن نظرية أو تاريخية فقط، بل بنيوية ومستقبلية؛ إذ وجدت إسرائيل نفسها، مرة أخرى، أمام مأزق الحسم السريع في بيئة حضرية كثيفة، وضمن سياق سياسي وإعلامي دولي يقيّد استخدام القوة، ويُضاعف كلفة الزمن.

وهو ما يعزز الاستنتاج المركزي للرسالة بأن الحرب الخاطفة، رغم بقائها عنصرا حاضرا في التفكير العسكري الإسرائيلي، لم تعد قادرة وحدها على إنتاج نهاية حاسمة للصراع، بل باتت أداة ضمن إدارة معركة مفتوحة، تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والنفسية على نحو غير قابل للفصل.

_______________________________

النص الكامل للرسالة

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا