آخر الأخبار

العيش داخل الأسوار.. هكذا تفتت المدن المسوّرة أوصال مجتمعاتنا

شارك

يعبر عنها بعض أساتذة الاجتماع بأنها "قشرة سطحية من الجمال"، لكن تلك المدن المسيّجة على أطراف المدينة والتي صُممت ليقطنها الأثرياء، تُعد في رأيهم أيضا "عالم جديد ينذر بالخطر"، بما تكشفه في صمت عن القدرات والإمكانات المادية للصفوة وما تتيحه لهم من رفاهية، فهم يعيشون داخلها في جزر منعزلة تزداد أعدادها حول العالم، تتوفر لها الحماية الأمنية، ما يحمل تأثيرات سلبية في الشعور بالانتماء والمواطنة.

وليست الأسوار والبوابات نمطا جديدا في العمران، فقد عرفتها العمارة القديمة، لكن توظيفها كان مختلفاً؛ إذ كانت تُبنى لغرضٍ دفاعي، ولم تتسبب في ذلك العزل الاجتماعي بين فئات المجتمع في المدن الأوروبية -في العصور الوسطى- التي لم تشهد تجمعاتٍ مغلقةً إلا في حالات نادرة (كغيتو البندقية المخصص للطائفة اليهودية).

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 ما هي خطة كوريا الجنوبية لإفناء كوريا الشمالية؟
* list 2 of 2 هل وقعت واشنطن في فخ مادورو؟ end of list

وداخل المجتمع الإسلامي في القاهرة القديمة، كان تصميم المدينة يعزز التماسك الاجتماعي، فكانت الحارة تجمعا سكنيا مغلقا، لكنه كان يتسع لفئات اقتصادية مختلفة، يُغلق ليلا لحفظ الخصوصية والأمن.

أما اليوم، فينظر إلى التجمعات ذات الأسوار كرمز للثروة، تتنامى أعدادها بشكل يزيد تعميق الانفصال بين الفئات، إنه انفصال تعززه الأسوار وتعلن عنه كل لحظة، فلماذا يتنامى عدد المدن المسورة حول العالم؟ وكيف تغير سكناها حياتنا جميعا، خارج الأسوار كنا أو داخلها؟

مصدر الصورة إحدى الحارات القديمة المتفرعة من شارع الصليبة بالسيدة ويبدو حوض شيخو ومنزل الأمير عبد الله (الجزيرة)

الأسوار حيث تجد الفقر

تتعدد الدوافع التي تُحاط بسببها التجمعات السكنية في مدن اليوم بالأسوار، غير أن انتشار هذا النمط العمراني يظل محدودا نسبيا في معظم الدول الأوروبية، مقارنة بحضوره الكثيف في البلدان التي تعاني من تباينات حادّة في مستويات المعيشة، وحيث تنتشر المشكلات الأمنية وترتفع معدلات الجريمة.

إعلان

في البرازيل، على سبيل المثال، تتجاور الأحياء العشوائية المعروفة بـ"الفافيلا" مع مجتمعات سكنية مسوّرة للأثرياء تُعرف بـ"الكوندومينيومات المغلقة"، في حين تُسمى هذه التجمّعات في الأرجنتين "الأحياء الخاصة"، كما تكثر أنماط مشابهة في المكسيك التي تسجل أحد أعلى معدلات تفاوت الدخل في العالم.

وتُرصد ظواهر قريبة في جنوب أفريقيا والهند، حيث تتفاوت معدّلات الدخل وتتكدس الثروة القومية في يد أقلّية ضئيلة. وفي الولايات المتحدة، كثيرا ما تتقاطع هذه التجمعات المسوّرة مع خطوط الفصل الطبقي والعرقي، فتفصل مجتمعات البيض الأثرياء عن الأحياء ذات الأغلبية الأفريقية أو الأقليّات ذات الدخول المنخفضة.

وقد بدأ ظهور التجمعات المسيّجة في الولايات المتحدة نحو عام 1850 في صورة استراحات موسمية للأثرياء، ثمّ تنامى حضورها في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كمنتجعات سكنية لكبار السن والمتقاعدين لقضاء أوقات الراحة، قبل أن يتضخّم التفاوت بين الأغنياء والفقراء وتندفع الفئات الميسورة إلى العيش داخلها، لتتحول تدريجيا إلى علامة على الانتماء الطبقي.

ويُعد العنصر الحاكم في هذا النمط العمراني هو وجود الأسوار والبوّابات، فمن خلالها يتمكّن هذا التجمع السكني من خلق خصائص عمرانية واجتماعية واقتصادية مغايرة لمحيطه، وهو ما يعمّق مظاهر اللامساواة الحضرية. فكيف بدأت الحكاية؟

مصدر الصورة في البرازيل تتجاور الأحياء العشوائية المعروفة بـ"الفافيلا" مع مجتمعات سكنية مسوّرة للأثرياء تُعرف بـ"الكوندومينيومات المغلقة" (شترستوك)

قلب المدينة غير المحتمل

في الدول النامية يتجاوز النمو السكاني السريع قدرة الحكومات على توفير المساكن والخدمات بالوتيرة المطلوبة، مما يقود إلى تدهور البيئة العمرانية، حيث ينتشر التلوّث الناتج عن الأنشطة الإنسانية، وتتقلّص المسطحات الخضراء، وترتفع معدلات الازدحام، وتتهالك شبكات النقل، ويتزايد الاعتماد على السيارات الخاصة. في هذا السياق، تبحث الفئات الأعلى دخلا عن نمط عمراني بديل على أطراف المدن، كما هو الحال في عواصم مثل القاهرة ومدينة المكسيك وبوينس آيرس وغيرها.

"لقد أصبحت القاهرة من منظور هذه النخبة مجموعة من المضايقات غير المحتملة التي لا يمكنك أن تفعل شيئا حيالها سوى أن تلوذ بالفرار"

بواسطة (كتاب القاهرة مدينة عالمية)

وبالسيارات الفارهة يمكن الوصول في دقائق للمدن الجديدة، وكما يوضح إريك دينيس في كتاب "القاهرة مدينة عالمية"، فإن الاستقرار في الصحراء يتيح للفرد استعراض "نجاحه"، فهناك تتوفر الساحات والأعمدة الكلاسيكية الجديدة وأشجار الصنوبر المتراصة على الجانبين والموقف الذي توقف فيه السيارة -وامتلاك سيارة أمر بَدَهِي- وليس هناك حاجة للبحث المضني عن مكان تُصَف فيه.

وفي هذه المساحات الوافرة يمكن لعروض التفاخر بالتميز الطبقي أن تسلم من الاحتكاكات التي تحدث عادة في قلب المدينة، وتمنح المسافات البعيدة والطرق السريعة فرصة للأثرياء للاستمتاع بالقوة التي تملكها سياراتهم، ولهذا أصبحت الحياة في الصحراء البعيدة في المجتمعات المسوّرة نوعا من الرفاهية، ولم تعد عبئا ثقيلا كالذي تحملته طبقة العمال الفقراء في الماضي حين سكنت بعيدا عن قلب القاهرة، وكانت تضطر لقضاء ساعات في الحافلات للوصول إلى أعمالها.

إعلان

وحول هذه المدن وداخلها شُيدت مشروعات ضخمة من أسواق تجارية وجامعات خاصة ومدارس ومراكز ترفيهية مُعدة لاستهلاك الشرائح الأكثر ثراء إنه نهج في التخطيط العمراني اعتمد على اقتراحات المطورين من القطاع الخاص.

وقد مثّلت هذه "الكوميونات" الرأسمالية الجديدة كذلك انعكاسا لتزايد اهتمام مؤسسات القطاع الخاص بالاستثمار العقاري ذي العائد السريع، فالإنفاق على إنتاج مزيد من الوحدات السكنية العصرية، والتنافس على الإبداع في تصميمها، بات طريقا أسهل وأربح من الاستثمار في الصناعة أو التجارة أو التكنولوجيا.

هذا الانتشار، كما تشير رسالة دكتوراه نوقشت في جامعة القاهرة عام 2016، لم يكن ليحدث دون تدخّل فاعلين أساسيين لتطوير وإنشاء هذه التجمعات، فهم المستفيدون الرئيسيون من تمددها: الحكومة والمطوّرون العقاريون من جهة، وقاطنو التجمعات المغلقة من جهة أخرى.

مصدر الصورة الإنفاق على إنتاج مزيد من الوحدات السكنية العصرية، والتنافس على الإبداع في تصميمها، بات طريقا أسهل وأربح من الاستثمار في الصناعة أو التكنولوجيا (شترستوك)

الخوف من "الآخر"

في كتاب "القاهرة مدينة عالمية"، يوضح إريك دينيس كيف جرى الاستحواذ على مساحات شاسعة من أراضي الدولة ووضعها في أيدي مقاولي التعمير لإنشاء عشرات التجمعات، وكيف مثل ذلك إعادة تشكيل جذرية للمدينة، المسوقون بدورهم رسخوا في الأذهان أنها جنة عائلية خاصة، واستغلوا في ذلك وصمة "الشارع" التي تنتشر على نطاق عالمي.

تشير دراسة نشرتها مجلة العمارة والفنون والعلوم الإنسانية في العام الماضي بعنوان "رصد فاعلية الأسوار العازلة وأثرها في علاقات التجاور بين الجيوب العمرانية" إلى أن فكرة الخوف صارت أحد مقومات التخطيط المعاصر، ووفق ستيفن غراهام في كتاب "مدن تحت الحصار"، فإن بعض الحكومات تحرص على فصل المناطق العشوائية باعتبار أنها تمثل تهديدا محتملا للأمن العام، لكن هذه الحجة -حماية ممتلكات الجماعة الأكثر نفوذا من المخاطر والتهديدات- رسخت الإقصاء و"جنون الشك في الآخرين" ليكون جزءا لا يتجزأ من إجراءات الأمن.

هكذا أصبح الخوف تبريرا لأي شكل من أشكال الإقصاء وفصل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين المجتمعات المتجاورة، وتحولت السلطة في إدارتها للعمران إلى دولة الإقصاء العمراني، فخلقت ظاهرة "التشتت المكاني أو الفراغي" التي تعمق الفردية والعزلة، وتخلق مساحات عمرانية مقسمة بتباين حاد، وبدلا من حدوث تناغم كالذي شهدته المدن الكوزموبوليتانية بين سكانها على تنوعهم، ظهرت في التسعينيات إثر التحولات.

وعلى مستوى أوسع، تحرص الأنظمة الاستبدادية على إبقاء المجال الاجتماعي هشا، فتستثمر في أدوات التخطيط الحضري لخلق آليات للضبط والتحكم تسهم في تشتيت التظاهرات والاحتجاجات، من خلال تبني أنظمة عمرانية ترسخ الفصل وتبدد إمكانيات توطيد العلاقات الاجتماعية وتحويل التخطيط لأداة لتعزيز التفاوت بين الطبقات، وهذا ما يمكن تحقيقه فقط بإجراء مثل شح الاستثمار في الأماكن العامة والترفيهية والثقافية.

مصدر الصورة فكرة الخوف صارت أحد مقومات التخطيط المعاصر (شترستوك)

الحق في المدينة

في السبعينيات من القرن الماضي، كانت مدينة باريس تشهد تحولا كبيرا، مبان شاهقة وطريق سريع يغزو المدينة القديمة، ويهدد بتحول نمط الحياة فيها، وفي عام 1967 كتب عالم الاجتماع الفرنسي هنري لوفيفر دراسته "الحق في المدينة"، وكانت صرخة غضب من ألم وجودي شعر به إزاء هذا التغيير في الحياة اليومية لمدينته ونداء لخلق حياة حضرية أقل اغترابية.

"ما ننساه عادة نحن -الأكاديميين- هو الدور الذي تلعبه الحساسية المتصاعدة من الشوارع المحيطة بنا، أحاسيس الخسارة التي يتعذر اجتنابها التي تثيرها عمليات الهدم، وما يحدث عندما تعاد هندسة أحياء بكاملها"

بواسطة (ديفيد هارفي - مدن متمردة)

الحق في المدينة أكبر من الحق في الوصول للموارد الموجودة فيها، إنه الحق في تغييرها وإعادة اختراعها لتلائم أهواء قلوبنا بدرجة أكبر، إذ تحمل المدينة نوع العلاقات التي تجمعنا وأسلوب الحياة الذي نعيشه والقيم الجمالية التي نتبناها، لذا فهو حق جمعي أكثر مما هو فردي، وهو واحد من أغلى حقوق الإنسان رغم أنه أكثرها تجاهلا. لكن هل تسلبنا هذه التجمعات حقنا في المدينة؟

إعلان

يبدو أن هذا ما يحدث، في كتاب "مدن متمردة" يناقش ديفيد هارفي كيف تحتفظ القلة فقط بسلطة تشكيل المكان، ونوعية البشر الذين يتواجدون فيه، بما يعنيه ذلك من تفاعلات اجتماعية وقيم جمالية، موضحا أنها أحد مظاهر "الرأسمالية الشرهة" التي تتوجه للأغنياء فقط فتوجه فوائض أموالها المتراكمة للتخطيط العمراني فتخلق أماكن جديدة لهم لتكون طريقهم لإنفاق الثروات واكتساب مكانة اجتماعية أكبر.

يتحدث هارفي عن مشروعات عمرانية في الشرق الأوسط "مذهلة، باذخة، وفي بعض الأحيان سخيفة لدرجة إجرامية، ظهرت كوسيلة للتخلص من فوائض رأس المال الناجمة عن الثروات النفطية"، ويرى أنها تغالي في الإسراف والنظام المجتمعي والهدر البيئي، ويسوق مثالا لهذا إنشاء ساحة للتزلج على الجليد في بيئة صحراوية حارة.

ويؤكد أن التوجه الرأسمالي الضخم نحو بناء هذه الأماكن للفئات الغنية فقط يدفع البشر القادرين على شراء أسلوب حياة كامل وعصري هو "اقتصاد استعراضي بالمعنى الدقيق للمفهوم".

مصدر الصورة في كتاب "مدن متمردة" يناقش ديفيد هارفي كيف تحتفظ القلة فقط بسلطة تشكيل المكان، ونوعية البشر الذين يتواجدون فيه (الجزيرة)

نسيج اجتماعي هش.. تكلفة العزلة

سكنت الدكتورة أماني قنديل إحدى هذه المدن لفترة وهناك لاحظت "سلطة المكان" على البشر، وتحكي في كتابها "ماذا وراء الأسوار العالية: الكومباوندز في مصر" كيف تتبدى في هذه الأحياء في استخدام اللغة الإنجليزية واختيار السيارات ووسائل الترفيه والتوجه نحو ثقافة الاستهلاك و"حالة الإنفاق البذخي".

وتضيف أنه على الرغم من عدم التجانس بين الملاك فهناك احترام متبادل بينهم في ما يتعلق بالالتزامات والحقوق والواجبات، فضلا عن حالة التضامن بين سكان هذه التجمعات التي تخلقها التزاماتهم -حتى المادية- بصيانة المكان والحفاظ عليه، وما تنتجه من شعور بالفخر بالانتماء لهذا المكان.

والمدن الأفضل في رأي المطورين والسكان أيضا هي تلك التي تتوفر فيها كل الخدمات بحيث لا يضطر سكانها للخروج لقلب المدينة، وهذا عينه أحد أسباب المشكلات الاجتماعية، إذ أحيانا ما يظل الأطفال لفترة طويلة من حياتهم دون التعرف على الوجه الحقيقي لبيئتهم خارج أسوار مدنهم الصغيرة المسورة.

يحقق هذا التمييز للأماكن الجديدة بما يحمله من جمال مصنوع "عزلة الأغنياء" لكنه يهدد بالانشقاق الاجتماعي ويعمق الفجوة بين من يملكون ومن لا يملكون، إنه ما يطلق عليه هارفي "التدمير الخلاق" إذ بالإبداع في التطوير العقاري لصالح الأغنياء يجري في المقابل تدمير النسيج الاجتماعي.

ويؤكد البحث الذي نشرته مجلة العمارة والفنون الإنسانية حول فاعلية الأسوار العازلة وأثرها في علاقات التجاور بين الجيوب العمرانية أن انتشار هذه المدن في محيط جيوب عمرانية غير متجانسة يخلق صورة سلبية لما يسميه "مجازر عمرانية" تتشكل من تلك الفضاءات التي يكشف تقسيمها عن تباين حاد وانعدام للمساواة.

تمثل المكسيك المثال الأكثر تطرفا في هذا الصدد، إذ تحتفظ الطبقة العليا بنحو 47% من ثروة البلاد، ووفق تقرير نشرته صحيفة الباييس الإسبانية عام 2023 حول المدن المكسيكية، يعيش الأثرياء في أماكن مغلقة ومعزولة تشبه الجيتو، وهم لا يعرفون كيف يعيش الفقراء في الخارج حياتهم.

وهناك، تنظم بعض المدارس رحلات ميدانية إلى المناطق الفقيرة ليتعرف الأطفال على حياة "الآخرين" لتنمية الوعي لديهم، يشير التقرير إلى أن التفاوت بين هذه المدن يُشعر الزائر للأحياء الفقيرة بأنه في رحلة عبر الزمن.

وعلى الجانب الآخر، فأبناء المجتمعات الفقيرة من العاملين في تلك المدن المسورة لا يدركون حجم الثراء الذي يرونه، ووفقا لدراسة نشرتها مجلة وورلد ديفيلوبمنت عام 2022 استطلعت آراء بعض المكسيكيين من المواطنين العاديين عن متوسط دخل هؤلاء الأثرياء، فكانت الإجابة أنه يقدر بما يعادل 1900 دولار أميركي شهريا، في حين كانت الحقيقة أنها تقارب 37 ضعفا.

منظر لمدينة مكسيكو يظهر فيه تباين بين المنطقة السكنية المتوسطة إلى العليا في المقدمة ومنطقة الأحياء الفقيرة المكتظة بالسكان في الخلف (شترستوك)

هل حقا تمنحنا الأمن؟

ليس الثراء جديدا بالطبع ولطالما كانت للأثرياء أحياء راقية متميزة، لكن الفصل بالأسوار هو ما لم يحدث، ففي مصر مثلا كانت النوادي والأحياء الجديدة كحي هليوبوليس (مصر الجديدة) مخصصا للصفوة والأجانب، لكن أي مواطن كان بإمكانه المرور في شوارع المدينة، وربما كان يمكن لهذه الأحياء المسورة اليوم أن تظل معروفة لقاطنيها فقط، لولا إلحاح الإعلانات في التعريف بمدى الرفاهية التي يعيشها سكانها.

إعلان

توضح دراسة نشرتها مجلة بحوث العمران عام 2019 بعنوان "قراءة تحليلية في عمران الخوف.. دراسة حالة المجتمعات المسوّرة بالقاهرة الكبرى" كيف ارتبطت فكرة المدينة من أساسها بفكرة تحقيق الأمن والحماية، ولهذا كان للمدينة أسوار، لكن "الفصل العنيف" في مدن اليوم هو أحد ظواهر خوف غير معلن بين الطبقات.

وفي ما يتعلق بالخوف من الجرائم، فقد اتخذ المصممون تدابير عديدة تبدأ بالمراقبة الطبيعية للغرباء وتشمل خلق محاور رؤية بصرية واضحة في المكان وتزويده بشبكات مراقبة وإضاءة جيدة وأسوار وبوابات.

نظريا، تبدو هذه تدابير كافية ومطمئنة وتتوفر لها الصيانة الدورية لإبقائها فعالة دائما، لكنها في الحقيقة لا تمنع الجريمة، وتتجاهل أن نسبة كبيرة من الجرائم تُرتكب من أفراد مسموح لهم في الحقيقة بدخول المكان.

وعلى عكس ما قد يبدو، فإن مزيدا من التدابير الأمنية في المدن من مراقبة إلكترونية وأسوار وغيره، لا يعني وجود الأمن بقدر ما يعني تزايد الخطر، ويذكّر السكان بأن هناك ما يدعو للخوف إنها تحمل تناقضا لأن نجاحها في تحقيق الأمن يعني أن نقلل منها لا أن نزيدها مع الوقت كما يحدث بالفعل.

وهكذا على الرغم من تزايد أعداد المجتمعات المسورة، تشير الدراسات إلى ضعف تأثيرها على معدلات الجريمة، سواء داخل الأسوار أو خارجها، وتوضح دراسات أخرى إلى أن البوابات تعطي شعورا زائفا بالأمان إذ غالبا ما يتم اختراقها.

مزيدا من التدابير الأمنية في المدن من مراقبة إلكترونية وأسوار وغيره لا يعني وجود الأمن بقدر ما يعني تزايد الخطر (شترستوك)

أمان نفسي

على أطراف العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس عدة مدن مسيجة استجابة للحاجة إلى مزيد من الأمان والتواصل مع الطبيعة، ورغم أن نسب جرائم العنف في العاصمة الأرجنتينية في انخفاض، فإن انتشار هذه المجتمعات لم يرتبط بحدوث الجريمة بقدر ما تعلق بتوقع حدوثها بسبب العواقب الاجتماعية للاقتصاد النيوليبرالي.

إنها توفر الشعور بالأمن في ظل تزايد عدم الرضا عن المدن المزدحمة في قلب العاصمة، تتيح التجمعات الجديدة لقاطنيها ميزات ببساطة توفير مساحات أكثر أمنا لكي يلعب أطفالهم خارج المنزل، وكانت جائحة كورونا نقطة تحول تزايد بعدها الطلب على تلك المدن، فقد ازدادت أعداد العاملين من المنزل، وشعرت الطبقة المتوسطة أن بوسعها توفير حياة أفضل والنأي بنفسها عن مشكلات قلب المدينة التي لا تجد حلا.

لا يبحث ساكنو هذه المجتمعات في الواقع عن الأمان المادي، إنهم يبحثون عن أمان نفسي، راحة توفرها البوابات حين يدلف إليها الفرد بسيارته وتغلق خلفها فتواريه عن المجتمع المليء بالمخاطر والفقر في المجتمع المعاصر.

"ستتوارى حينئذ مشاعر القلق المحتملة جراء الشعور بالإثم تجاه المعاناة التي يعيشها العامة من سكان المدن خلف قناع الرفض العالمي للمدينة، كما تتجلى في الأحاديث المناوئة للمناطق الحضرية التي تربط بينها وبين التلوث المعتاد وتطابق هويتها بالفقر والجريمة والاعتراضات العنيفة التي تنشب ضد نظام الحكم"

بواسطة (كتاب: القاهرة مدينة عالمية)

كما تشير دراسة مجلة العمران حول عمران الخوف، فقد تولد لدينا خوف نفسي تشكلت إزاءه ردة فعل عكسية من عودة للقبلية، توفرها المجتمعات المسورة فتؤكد الفوارق الثقافية والطبقية، كما توفر -من الناحية النفسية- شعورا بالأمان، لكنها تعزز مشاعر سلبية أخرى هي تجاهل الآخر وعدم قبول الاختلاف، والانفصال عن الواقع بالوعد بالعيش في عالم خيالي مثالي على الأطراف بعيدا عن مشكلات قلب المدينة، في هروب من الواقع إلى نوستاليجيا، ووعد حالم تعكسه أسماء تلك المدن، دريم لاند، ورويال سيتي ومون فالي ونوستالجيا وغيرها.

تتعلق المخاوف النفسية في الحقيقة بضغوطات الليبرالية الجديدة والحراك الاجتماعي وتترجم في العمارة إلى الأسوار وأجهزة المراقبة وأجهزة التحكم لتأمين الوحدات.

المجتمعات المسورة توفر شعورا بالأمان لكنها تعزز مشاعر سلبية منها الانفصال عن الواقع بعيدا عن مشكلات قلب المدينة
(شترستوك)

من يغذي ثقافة الخوف؟

ظهرت هذه التجمعات كانعكاس للارتفاع "المتوقع" في معدلات الجريمة والعنف، لكن نتائج الدراسة تشير إلى انفصال عن الواقع في ما يتعلق بالإحساس بالأمن، إذ لا يتناسب هذا الإحساس مع واقع الجريمة.

كما تُظهِر الدراسة وجود ارتباط إيجابي بين الشعور بالأمان ونسبة الإشغال في هذه المدن، فكلما ارتفعت نسبة الإشغال زاد الشعور بالأمن، في حين ترتفع معدلات الجريمة في تلك المدن كلما زادت حصرية استخدام المرافق فيها، ومنع الغرباء من الدخول إليها.

يبدو الأمن مرتبطا بالناس إذن، فمن يغذي الخوف منهم؟

وفق الدراسة، فإن الشعور بالخوف يكون مستقلا عن الواقع الفعلي للجريمة، والخوف من الجريمة ليس هو الدافع الرئيس وراء الاحتماء بالأسوار، بل الدافع الأساسي هو مخاوف نفسية تغذيها عدة عوامل، أبرزها الوعود الدعائية التي تحاصرنا بها إعلانات شركات التطوير العقاري، بوعد الدفء والأمان. وهكذا، عند وقوع أية جريمة في ذلك المجتمع المغلق -وهو أمر وارد بالطبع- تخلف صدمة ورد فعل غاضبا.

وبسبب شعورهم بالحماية المبالغ فيها يفقد سكان تلك المدن القدرة على مواجهة المخاطر المعتادة في المدينة العادية، وهو أمر يشبّهه الباحثون بالمبالغة في وسائل الحماية من الجراثيم التي تسبب أحيانا ضعف المناعة.

تغذي وسائل الإعلام أيضا ثقافة الخوف بين الطبقات، بالإسراع في نقل أخبار الجرائم والتهويل في نقل تفاصيلها، كما تغذيها بعض الأفلام بشكل غير مباشر بوسم شرائح اجتماعية معينة بأنها مصدر الجريمة والشر والبلطجة، بما يبرر عنف الدولة أمامها، ويبرر أيضا عزلها والانفصال عنها.

ما تهدمه الأسوار وحدها

تتغير الثقافات والعادات السكنية في المجتمعات إذن وتتغير معها الأنساق العمرانية للمدن، ربما يمكن التعرف على تأثير الأسوار وحدها دون فروق مادية كبيرة أخرى، من خلال الدراسة التي تناولناها في مطلع هذا التقرير حول فاعلية الأسوار العازلة، وقد تناولت مجتمعين في شرق القاهرة بينهما بعض التقارب هما كومباوند جاردينيا وعزبة الهجانة، فلكي يضمن المطورون أن تظل قيمة العقار داخل الكومباوند الجديد مرتفعة، فقد فصلت بينهما الأسوار.

أكدت الدراسة وجود تقارب في متوسط الدخل العام للقاطنين على الجانبين، وكشفت أن الأسوار جاءت لإظهار المكانة المتميزة ومنح قاطني المدينة شعورا بالانتماء للنخبة، وليس لوجود أي شعور بالخوف من العنف أو الجريمة القادمة من الجوار حيث الحي العشوائي.

من جهة الكومباوند، شعر السكان بأن السور يمثل حاجزا واقيا من تمدد العشوائيات، ويفرض "الحل الذي يريده مجتمع الكومباوند المهيمن"، في حين رآه السكان في الجانب المقابل سورا عازلا ليس له مبرر يحول حيهم إلى جيوب محاصرة ومطوّقة.

ورغم عدم وجود تهديد محتمل، فقد قوضت الأسوار التواصل وإمكانية إنشاء روابط إنسانية، وحدّت من حرية التنقل والحركة بين المجتمعين، ما أدى لمشكلات اجتماعية ونفسية بلغت بالبعض للإصابة بالأمراض الجسدية نتيجة لعدم مراعاة الحقوق الإنسانية.

تقدم المجتمعات المسورة حلا فرديا لمشكلات مدننا، لكنه يبدو حلا مؤقتا يخّلف وراءه مشكلات تزداد جذورها عمقا في المجتمع، فعلى اختلاف أحوال القاطنين فيها تولد مشكلة اجتماعية تتفاقم آثارها، وفي حين أسس الإنسان المدن قديما ليتفاعل الناس فيها، فإن ما تفعله هذه المجتمعات هو النقيض بأن تقطع فرص التواصل، ليصبح المجتمع كقطع الفسيفساء، كل قطعة متجانسة، لكنه مقسم وفق المستوى الاجتماعي والتعليمي، لتتآكل الروابط الاجتماعية في المجتمع شيئا فشيئا.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا دونالد ترامب سوريا

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا