في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

قد تبدأ الحكاية بدواء واحد لعلاج ارتفاع ضغط الدم أو الكوليسترول أو أحد الأمراض المزمنة، وبعد فترة يظهر عرض جديد، فيُعامل باعتباره مشكلة صحية مستقلة ويوصف له دواء آخر، بينما قد يكون في الأصل أثرا جانبيا للدواء الأول.

هنا يبدأ ما يُعرف طبيا بـ"سلسلة الوصفات الدوائية" أو "السلسلة الدوائية"، حين يقود أثر جانبي لأحد الأدوية إلى وصف علاج جديد بدلا من اكتشاف السبب الحقيقي للعرض.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 شتاء جديد يفتح أبواب الأمراض والأوبئة في غزة
* list 2 of 2 5 أسئلة و3 تناقضات.. ماذا تخفي قصة "الطاعون الروسي"؟ end of list

ولا يعني ذلك أن كل عرض يظهر أثناء العلاج سببه الدواء، أو أن إضافة علاج جديد قرار خاطئ بالضرورة، لكن ظهور مشكلة صحية جديدة يستدعي مراجعة جميع الأدوية التي يتناولها المريض، ومقارنة توقيت بدء العلاج بظهور الأعراض، قبل افتراض وجود مرض جديد.

كيف تبدأ السلسلة الدوائية؟

يقول الدكتور محمد العشا، استشاري أول الطب الباطني في مستشفى ذا فيو بقطر، إن أحد الأخطاء المهمة يبدأ عندما يجري تقييم المرض بمعزل عن الحالة الصحية الكاملة للمريض، بدلا من النظر إليه باعتباره شخصا قد يعاني أكثر من مرض في الوقت نفسه، أو يحمل عوامل خطورة للإصابة بأمراض أخرى مستقبلا.

ويوضح العشا في حديثه للجزيرة نت أنه لا ينبغي، على سبيل المثال، تقييم مريض ارتفاع ضغط الدم بناء على هذا المرض وحده، بل يجب الانتباه أيضا إلى احتمال وجود السكري أو دهون الكبد أو انقطاع التنفس أثناء النوم وغيرها من المشكلات الصحية التي قد تجتمع لدى الشخص نفسه.

ويضيف أن الأمر ينطبق كذلك عند وصف أدوية خفض الكوليسترول، إذ ينبغي تقييم الحالة الصحية للمريض وعوامل الخطورة لديه بالكامل، خاصة إذا كان معرضا للإصابة بالمتلازمة الأيضية، التي تشمل مجموعة من المشكلات مثل ارتفاع سكر الدم وضغط الدم واضطراب الدهون وزيادة الدهون حول البطن، وترفع بدورها خطر الإصابة بأمراض القلب والسكري.

وتعرّف مراجعة علمية نشرت عام 2026 في مجلة "دراغز آند إيدجنغ" (Drugs & Aging) السلسلة الدوائية بأنها حالة تحدث عندما يتسبب دواء في أثر جانبي، ثم يعالج هذا الأثر بدواء آخر بدلا من التعرف إلى سببه.

إعلان

ووجدت المراجعة أن هذه الظاهرة ما زالت لا تحظى بالانتباه الكافي، وأنها قد تسهم في الاستخدام غير المناسب لعدة أدوية، خاصة لدى كبار السن.

مصدر الصورة النظر إلى المرض منفصلا عن الحالة الصحية الكاملة للمريض (غيتي)

عندما يصبح الأثر الجانبي مرضا جديدا

قد تبدأ السلسلة بعرض يبدو بسيطا. فبعض أدوية ضغط الدم، على سبيل المثال، يمكن أن تسبب تورما في القدمين، لكن هذا التورم قد يفسر باعتباره مشكلة جديدة تستدعي وصف دواء إضافي.

وأظهرت دراسة نشرتها مجلة "جاما للطب الباطني" (JAMA Internal Medicine)، وشملت أكثر من 41 ألف مسن مصاب بارتفاع ضغط الدم، أن الأشخاص الذين بدأوا تناول حاصرات قنوات الكالسيوم كانوا أكثر عرضة لأن يوصف لهم لاحقا مدر للبول.

وأشارت الدراسة إلى أن تورم الأطراف الناتج عن هذه الأدوية قد يفسر خطأ باعتباره احتباسا للسوائل يحتاج إلى مدر للبول، رغم أن هذا النوع من التورم لا ينتج عادة عن زيادة السوائل في الجسم، وهو ما يجعل مراجعة الدواء المسبب خطوة مهمة قبل إضافة علاج جديد.

ويشير العشا إلى أن أدوية الأمراض المزمنة لها آثار جانبية معروفة، ولذلك تساعد معرفة المريض بما ينبغي مراقبته بعد بدء العلاج على اكتشاف المشكلة مبكرا، بدلا من التعامل معها باعتبارها مرضا منفصلا.

ويضرب مثالا ببعض أدوية خفض الكوليسترول التي يمكن أن ترتبط بارتفاع سكر الدم أو ظهور آلام عضلية، مؤكدا أهمية اختيار العلاج المناسب منذ البداية وإشراك المريض في الخطة العلاجية وشرح الأعراض التي ينبغي أن ينتبه إليها.

وخلصت مراجعة تحليلية نشرت عام 2024 في مجلة "ذا لانسيت للسكري والغدد الصماء" (The Lancet Diabetes & Endocrinology) إلى أن أدوية الستاتين الخافضة للكوليسترول ترتبط بزيادة محدودة في سكر الدم واحتمال تشخيص السكري، وأن معظم الحالات الإضافية ظهرت لدى أشخاص كانت مستويات السكر لديهم بالفعل قريبة من الحد المستخدم لتشخيص المرض.

كما أظهر تحليل نشر في مجلة "ذا لانسيت" (The Lancet) أن استخدام الستاتين يرتبط بزيادة محدودة في آلام العضلات أو ضعفها، خاصة خلال السنة الأولى من العلاج.

مصدر الصورة تورم القدمين كأثر جانبي لأدوية الضغط قد يؤدي إلى وصف دواء إضافي دون حاجة (غيتي)

من يحتاج إلى انتباه أكبر؟

يمكن أن تحدث السلسلة الدوائية لأي شخص، لكن احتمالها يصبح أكثر أهمية مع زيادة عدد الأدوية والأمراض التي يعاني منها المريض، إذ قد يصبح التمييز بين أعراض المرض وآثار العلاج أكثر صعوبة.

ويؤكد العشا أهمية المتابعة بعد بدء بعض علاجات الأمراض المزمنة، موضحا أن بعض الأدوية المستخدمة لعلاج ضغط الدم وأمراض القلب قد تؤثر في وظائف الكلى أو ترفع مستوى البوتاسيوم في الدم، ولذلك يحتاج المريض إلى فحوص متابعة في التوقيت الذي يحدده الطبيب.

وتوصي إرشادات المعهد الوطني للتميز في الصحة والرعاية في المملكة المتحدة "نايس" (NICE)، بالنسبة إلى فئات محددة من أدوية القلب وضغط الدم، بفحص وظائف الكلى والأملاح قبل بدء العلاج، ثم إعادة الفحص عادة خلال أسبوع إلى أسبوعين من بدء الدواء وبعد زيادة الجرعة.

المتابعة قد تمنع دواء آخر

ويقدم العشا مثالا آخر بأدوية حديثة تستخدم لعلاج السكري، تعرف باسم "مثبطات الناقل المشترك للصوديوم والغلوكوز من النوع الثاني" (SGLT2)، التي تساعد الجسم على التخلص من جزء من الغلوكوز عن طريق البول، كما تمتد فوائدها لدى فئات من المرضى إلى حماية القلب والكلى.

إعلان

ويشدد على أهمية توعية المريض منذ البداية بضرورة تناول السوائل بصورة مناسبة، والانتباه إلى الأعراض التي قد تشير إلى حدوث عدوى، والتواصل مع الطبيب عند ظهورها، حتى يمكن تقييم الحالة وتحديد التصرف المناسب بدلا من إضافة دواء أو إيقاف العلاج بصورة عشوائية.

وتوصي معايير الجمعية الأمريكية للسكري لعام 2026 بتوعية مستخدمي هذه الأدوية باحتمال الإصابة بالالتهابات الفطرية في المنطقة التناسلية والجفاف، مع الانتباه إلى أعراض التهابات المسالك البولية والتعامل معها عند حدوثها.

كما أن الإصابة بعدوى بسيطة لا تعني تلقائيا ضرورة إيقاف الدواء، إذ يعتمد القرار على طبيعة العدوى وشدتها والحالة الصحية للمريض.

مصدر الصورة ظهور عرض جديد يستدعي مراجعة الدواء مع الطبيب قبل إيقافه أو إضافة علاج آخر (غيتي)

أدوية قد لا نحتاج إليها

يؤكد العشا أن الوقاية من السلسلة الدوائية تبدأ بـ"علاج المريض كله"، واستخدام الجرعات التي تحقق الهدف العلاجي المطلوب، وعدم وصف علاج من دون حاجة طبية واضحة.

ويشير إلى أن الإرشادات الطبية تمثل خريطة طريق يسترشد بها الطبيب، لكنها تعمل إلى جانب خبرته ومعرفته بالحالة الصحية للمريض وقدرته على إشراكه في القرار العلاجي، للوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة وتجنب الأدوية التي لا يحتاج إليها.

ولهذا، فإن ظهور عرض جديد بعد بدء أحد الأدوية لا يعني أن يوقف المريض علاجه من تلقاء نفسه، كما لا يعني بالضرورة حاجته إلى دواء آخر.

والخطوة الأهم هي مراجعة توقيت ظهور العرض، وقائمة الأدوية والجرعات وأي تغييرات حديثة طرأت عليها، ثم تحديد ما إذا كانت المشكلة مرضا جديدا بالفعل، أم أثرا جانبيا يمكن التعامل معه بتعديل الجرعة أو تغيير الدواء أو بأي خيار آخر يراه الطبيب مناسبا.

وتصبح مراجعة قائمة الأدوية كاملة أكثر أهمية عند إضافة علاج جديد، أو ظهور أعراض لم تكن موجودة من قبل، أو عندما يتابع المريض حالته مع أكثر من طبيب.

وهنا قد يكون السؤال الذي يمنع بداية سلسلة دوائية غير ضرورية ليس: "ما الدواء الذي يعالج هذا العرض؟"، بل: "هل يمكن أن يكون أحد أدويتي هو الذي سببه؟"