كانت حرارة هذا الصيف شديدة على نحو استثنائي. فقد أدت موجات الحر المتعاقبة إلى جفاف الأراضي، وذوبان الأنهار الجليدية، وانكماش البحيرات والأنهار، فيما التهمت حرائق الغابات مساحات شاسعة، تاركة المناظر الطبيعية وقد تغيرت بشكل جذري.
غير أن آثار الحرارة الشديدة تتجاوز بكثير ما نراه في الطبيعة، فإحدى أخطر تبعاتها أقل وضوحا: تأثيرها في صحتنا.
وعلى الرغم من التحذيرات المتكررة من السلطات الصحية، لا يزال كثيرون في إنجلترا لا ينظرون إلى موجات الحر الشديدة بوصفها خطرا صحيا جسيما.
وتوصل تحقيق جديد أجراه خبراء في جامعة الأمم المتحدة (المصدر باللغة الإنجليزية) إلى وجود فجوة كبيرة بين التحذيرات من مخاطر الحرارة وسلوك الناس. وقد بحثت الدراسة في كيفية استجابة الأفراد لتنبيهات "الحرارة والصحة" (HHAs) ولماذا لا تفضي تلك التحذيرات دائما إلى اتخاذ تدابير وقائية.
شمل الباحثون استطلاعا لآراء 1.097 راشدا في إنجلترا، وأجروا مقابلات مع 29 شخصا ممن يعملون في مجال توصيل معلومات مخاطر الحرارة للجمهور.
نحو سبعة من كل عشرة مشاركين في الاستطلاع سبق أن صادفوا تنبيها يتعلق بالحرارة والصحة. لكن 41 في المئة ممن رأوا مثل هذا التنبيه قالوا إنهم لم يتخذوا أي إجراء لحماية أنفسهم.
وكان السبب الأكثر شيوعا بسيطا: فهم لا يعتقدون أنهم معرضون شخصيا للخطر.
وقال 18.1 في المئة فقط من المشاركين إنهم يدركون أن موجات الحر الشديدة تنطوي على خطر كبير بالنسبة لهم، فيما أفاد نحو 30 في المئة بأن معرفتهم بالتدابير التي يمكن أن تحميهم محدودة أو منعدمة.
وتعددت أسباب عدم التحرك؛ إذ عزى 19 في المئة ذلك إلى انخفاض شعورهم بالخطر الشخصي، وقال تسعة في المئة إنهم لم ينتبهوا إلى التنبيه أساسا، بينما لم يكن سبعة في المئة متأكدين مما ينبغي فعله، ورأى خمسة في المئة أن التنبيه نفسه كان صعب الفهم.
ويقول الباحثون إن إصدار التنبيه وحده لا يكفي؛ فالناس يحتاجون إلى أن يدركوا أن الحرارة الشديدة قد تشكل خطرا على صحتهم، وأن يميزوا متى ينطبق التحذير عليهم، وأن يعرفوا ما الذي يمكنهم فعله لحماية أنفسهم.
وقد تكون طريقة إيصال هذه التحذيرات جزءا من المشكلة أيضا.
فقد ذكر 90 في المئة من العاملين في مجال التواصل بشأن مخاطر الحرارة ممن شملتهم المقابلات أنهم يعتمدون على القنوات الرقمية. وهذه القنوات تتيح انتشار المعلومات بسرعة، لكنها لا تصل بالضرورة إلى الجميع بالقدر نفسه. كما اعتُبرت وسائل التواصل الاجتماعي المصدر الأقل موثوقية لمعلومات الحرارة، ولا سيما لدى كبار السن.
يوصي الباحثون أيضا بالاستعانة بالمنظمات المحلية الموثوقة، بما في ذلك مجموعات المجتمع المحلي، والمكتبات، ومقدمو خدمات الرعاية الاجتماعية، والمنظمات التطوعية، والمجموعات الدينية، للوصول إلى الأشخاص الذين قد تفوتهم التحذيرات الرقمية.
ويؤكد الباحثون أن السلطات تحتاج كذلك إلى تحسين أدوات قياس فاعلية رسائلها؛ فبدلا من الاكتفاء بحصر عدد زيارات المواقع الإلكترونية، أو التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي، أو حجم التغطية الإعلامية، ينبغي تقييم ما إذا كان الناس يفهمون التحذيرات، وما إذا كانت تلك التحذيرات تدفعهم فعلا إلى اتخاذ إجراءات وقائية.
وتشير مقابلات العاملين في مجال التواصل بشأن مخاطر الحرارة إلى مشكلة أخرى؛ إذ يتركز التواصل المتعلق بالحرارة في إنجلترا إلى حد كبير على التنسيق بين المؤسسات والاستعداد للطوارئ، أكثر من تركيزه على مساعدة الناس في تغيير سلوكهم.
ويقول الباحثون إن الهدف السائد حاليا هو "إبلاغ" الناس، لكن الإبلاغ وحده قد لا يكون كافيا لتحفيزهم على اتخاذ خطوات وقائية.
ثم إن التواصل لا يمثل سوى جزء من المشكلة.
فالدراسة تسلط الضوء أيضا على عوامل أكثر جوهرية تحدد من يكون أكثر عرضة لموجات الحر الشديدة، من بينها أوضاع السكن، والحرمان الاجتماعي والاقتصادي، والمشكلات الصحية القائمة، والتعرض للبيئة، وإمكانية الوصول إلى الموارد.
ولا تستطيع أي تحذيرات أن تعالج تلك العوامل.
ومع تزايد وتيرة موجات الحر وحدتها، يرى الباحثون أن إنجلترا بحاجة إلى تجاوز نهج يعتمد أساسا على التحذير.
ويعني ذلك تحسين طريقة توصيل مخاطر الحرارة إلى الناس، وإدخال تغييرات طويلة الأمد تقلل من مستوى تعرضهم وضعفهم أمامها.
ويعد السكن جزءا محوريا من هذا الجهد؛ إذ يدعو الباحثون إلى إدماج عناصر مقاومة الحر في معايير البناء، وسياسات التخطيط العمراني، وبرامج تجديد المساكن، مع تشديد تطبيق وإنفاذ التدابير الرامية إلى الحد من ارتفاع درجات الحرارة داخل المباني.
لذا فإن التحدي، بحسب الباحثين، لا يقتصر على تحذير الناس من موجة الحر المقبلة، بل يتمثل في ضمان أن يكون عدد أقل منهم عرضة للخطر عندما تضرب.
المصدر:
يورو نيوز