دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- يبدأ غالبية الأشخاص في شهر يناير/ كانون الثاني من بداية كل عام، بوضع قرارات جديدة وتحديد أهداف طموحة، لكنهم غالبًا ما يعودون تدريجيًا إلى العادات القديمة قبل بداية الصيف.
ولا تحدث هذه الدورة لأن الناس يفتقرون إلى الانضباط فقط، بل لأن غالبية القرارات تعتمد على قوة الإرادة وحدها، وتطلب منا إحداث تغييرات جذرية دون تعديل الأنظمة التي تدعم سلوكنا اليومي. وتُعد قوة الإرادة دافعا مؤقت، بينما تُعتبر العادات تلقائية.
وهنا يأتي دور مفهوم العادات المحورية التي يمكن أن تُحدث فرقًا حقيقيًا.
تشير العادات المحورية إلى سلوكيات أساسية تمتلك القدرة على التأثير بشكل كبير في مجالات متعددة مثل صحتنا ورفاهيتنا. وعندما يتم ترسيخ عادة محورية واحدة، فإنها تطلق سلسلة من التغييرات الإيجابية التي تمتد إلى ما هو أبعد من تلك العادة نفسها.
بعبارة أخرى، ليس الأشخاص بحاجة إلى إعادة تشكيل حياتهم بالكامل هذا العام لتحقيق فوائد صحية ملموسة، إذ أن كل ما يحتاجه هؤلاء اعتماد الاستراتيجية في تحديد نقطة التركيز وكيفية توجيه جهودهم.
ليست العادة المحورية مجرد بند آخر في قائمة المهام، بل هي سلوك يعيد تشكيل طريقة عمل الدماغ والجسم على مدار اليوم. هذه العادات تعزز الوعي، والتنظيم، والاستمرارية، ما يجعل الخيارات الصحية الأخرى أسهل وأكثر قابلية للتحقيق.
على سبيل المثال، عادة ممارسة تمارين القوة يوميًا لا تجعل الأشخاص أقوى فحسب، بل يمكنها أيضًا تقليل الألم، وتحسين المزاج، وتعزيز جودة النوم. ويزيد الشعور بتحسن جسدي ونفسي بدوره من الاهتمام بالنفس بطرق أخرى، مثل تحسين العادات الغذائية.
ويمكن لسلوك واحد أن يؤثر في العديد من النتائج الإيجابية.
من منظور علم السلوك، يعود هذا التأثير الكبير إلى أن العادات تقلل العبء المعرفي، أي مقدار الجهد الذهني المطلوب لاتخاذ قرارات متكررة. وعندما يصبح السلوك تلقائيًا، لا يعود بحاجة إلى طاقة ذهنية قائمة على قوة الإرادة، ما يحرر الانتباه والقدرة الذهنية لقرارات أخرى. عندها يشعر الأشخاص بإرهاق أقل عندما تُعرض عليهم فرص لإجراء تغييرات سلوكية.
بصفتها مدرّبة في مجال العقل والجسم، اعتمدت دانا سانتاس على قوة العادات المحورية لنحو عقد من الزمن.
وفيما يلي ثلاثة مجالات للصحة والعافية يمكن أن تتجسد فيها هذه العادات الأساسية، إذ تنصح بوضع خطة لتأسيس سلوك واحد في كل مجال من هذه المجالات المؤثرة.
يمكن أن تزيد بضع دقائق من التنفس المقصود يوميًا من قدرتك على تحمّل التوتر والحفاظ على هدوء ذهني مركز. وينشّط التنفس البطيء والمتحكم فيه مع زفير أطول الجهاز العصبي اللاودي، ما يساعد الجسم على تهدئة الاستجابة للتوتر.
مع مرور الوقت، تُحسّن الممارسة اليومية تنظيم المشاعر، وتقلل توتر العضلات، وتدعم الراحة والتعافي بشكل أفضل. كما يمكن للتنفس الواعي أن يعزز وضعية الجسم وجودة الحركة، نظرًا لتأثير التنفّس على ثبات العمود الفقري وحركته، ووضعية القفص الصدري، ووظيفة الكتفين، وقوة العضلات الأساسية.
يمكن تجرّبة الخطوات التالية:
الحركة الواعية ليست مجرد تمارين رياضية، بل نشاط بدني يُمارس بنية تعزيز وعي الجسد وتحسين آليات الحركة. ويمكن لهذه الممارسات أن تقلل الألم، وتحسّن القوام، وتجعل تمارين القوة والمرونة أسهل، ما يؤدي إلى ممارسة أكثر انتظامًا وتعافٍ أفضل.
يمكن التفكير في اعتماد أحد الخيارات التالية:
تعزز ممارسات العقل والجسم الرابط بين الإحساس الجسدي والحالة الذهنية. وتدعم وعي الجسد، وتنظيم المشاعر، وتقليل التوتر، وتحسين النوم، وكلها تنعكس إيجابًا على جودة اتخاذ القرار والشعور العام بالرفاه.
أضف أحد هذه الخيارات إلى روتينك:
يشكل تحديد العادات المحورية المؤثرة نصف المعادلة. ويكمن التحدي الحقيقي في جعلها سهلة التكرار. وتُظهر الأبحاث في تكوين العادات باستمرار أن السلوك يثبت عندما يرتبط بإشارات سياقية، والبيئة، والروتين، وليس بالدافعية وحدها.
تتمثل إحدى الاستراتيجيات المبنية على الأدلة في تكديس العادات، وهو مفهوم قدمه جيمس كلير، مؤلف كتاب "العادات الذرية: طريقة سهلة ومثبتة لبناء العادات الجيدة وكسر السيئة".
ويقوم تكديس العادات على ربط عادة جديدة بعادة قائمة، بحيث تصبح جزءًا من روتين راسخ. لهذا السبب تتضمن غالبية الأمثلة أعلاه دمج عادات محورية جديدة مع أنشطة يومية معتادة.
بما أن للبيئة دورًا أيضًا، فإن الإشارات البصرية والسمعية تعد بمثابة محفزات قوية. يمكن وضع الحذاء الرياضي، أو زجاجة الماء، أو دفتر اليوميات، أي الأدوات التي يحتاجها الأشخاص لتحقيق عاداتهم المحورية، في مكان ظاهر بالقرب من السرير، أو باب المنزل، أو المكتب، مع ضبط المنبه على الهاتف أو الحاسوب لتذكير الأشخاص بذلك.
هذه المعززات الصغيرة تُنشئ أنظمة دعم للتغيير السلوكي دون الاعتماد الكامل على الدافعية.
من الناحية المثالية، يمكن اعتماد عادة محورية في كل مجال من المجالات الرئيسية أعلاه، لكن ليس الأشخاص بحاجة إلى هذه العادات كلها لرؤية النتائج، إذ أن تبنّي سلوك جديد واحد مُختار بعناية يمكنه إحداث تغييرات متتالية ذات معنى.
كما يمكن لعادة محورية واحدة أن تصنع فوائد واسعة النطاق وزخمًا إيجابيًا يجعل السلوكيات الصحية الإضافية تبدو أقل جهدًا وأكثر طبيعية.
وعندما يعمد الأشخاص إلى التكرار باستمرار، يمكن للأفعال اليومية الصغيرة أن تشكّل طريقة حركتهم، وتفكيرهم، وشعورهم. وهذا النوع من التغيير لا يتلاشى بحلول الشهر المقبل، بل يتراكم وينمو.
المصدر:
سي ان ان