آخر الأخبار

من تشانكاي إلى القطب الشمالي.. الجغرافيا الجديدة للتجارة الصينية

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تتحرك الصين نحو إعادة توزيع نقاط ارتكازها اللوجيستية في خريطة التجارة العالمية على محورين متكاملين، فمن جهة تحاول تثبيت موطئ قدم بحري على ساحل أمريكا الجنوبية المطل على الهادي، ومن جهة أخرى تحاول فتح ممر أسرع نحو أوروبا عبر الشمال القطبي.

وتأتي هذه التحركات في إطار مشاريع نقل واستثمار ضمن سياسة أوسع تهدف إلى الحد من قابلية المنظومة التجارية الصينية للاختلال، وتنويع منافذها، وتوسيع حضورها الاقتصادي في الجنوب العالمي، في ظل تنافس سياسي وتجاري متصاعد مع الولايات المتحدة.

قصص مقترحة

list of 4 items
* list 1 of 4 الهند تستضيف اجتماعا لقادة "بريكس" على وقع التوترات الدولية
* list 2 of 4 تصعيد الحرب يضغط على أسواق الخليج وأوروبا وآسيا
* list 3 of 4 أمن الطاقة.. التصعيد في إيران يعيد حسابات الصين
* list 4 of 4 رويترز: آلية تشبه المقايضة تبقي تجارة إيران والصين بعيدا عن البنوك الدولية end of list

ميناء تشانكاي عقدة نفوذ

يمثل ميناء تشانكاي، الواقع على بعد نحو 80 كيلومترا شمال ليما عاصمة بيرو، النموذج الأوضح لتداخل الاقتصاد والجغرافيا السياسية في الحضور الصيني بأمريكا اللاتينية.

فالميناء الذي دُشّن في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بكلفة 1.3 مليار دولار، تملك شركة "كوسكو" الصينية للشحن المملوكة للدولة 60% منه، بينما تملك شركة التعدين البيروفية فولكان النسبة المتبقية.

مصدر الصورة سفينة حاويات تابعة لشركة كوسكو الصينية في ميناء هامبورغ الألماني (غيتي)

ومن الناحية التجارية، يختصر الميناء المسافة التنظيمية واللوجيستية بين موارد أمريكا الجنوبية والأسواق الآسيوية -لا سيما الصين- ويمنح بيرو فرصة لتعزيز موقعها كمحور تصدير إقليمي.

لكن القيمة الإستراتيجية للميناء جعلته موضع تنازع سياسي مباشر. فقد ناقش وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في ليما مسألة النفوذ الصيني المحيط بتشانكاي، خلال زيارة انتهت بلقائه الرئيسة كيكو فوجيموري وانضمام بيرو إلى تحالف "درع الأمريكتين" الذي تقوده واشنطن لمواجهة الجريمة المنظمة.

ووفق ما نقلته صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست"، كتب روبيو قبل الزيارة في صحيفة "إل كوميرسيو" البيروفية أن المشاريع المدعومة من الحزب الشيوعي الصيني "تتجاوز الأطر القانونية في بيرو وتشكل مخاطر على الشفافية وأمن البيانات".

إعلان

هذا الخطاب الأمريكي وضع الميناء في إطار أمني وسيادي يتجاوز حسابات التكلفة والعائد. إذ تصاعد التدقيق في فبراير/شباط حين حدّت محكمة بيروفية من صلاحيات الجهة التنظيمية في الإشراف على المحطة، بينما حذرت وزارة الخارجية الأمريكية آنذاك من أن "الأموال الصينية الرخيصة لها ثمن باهظ يتمثل في التنازل عن السيادة"، بحسب الصحيفة.

مصدر الصورة شاشة تعرض مؤشرات الأسهم الصينية، وسط استمرار التوترات التجارية بين بكين وواشنطن (رويترز)

كما ربط روبيو بين البنية التحتية البحرية وقطاع الطاقة، مشيرا إلى سيطرة شركتي "تشاينا ساوثرن باور غريد" و"تشاينا ثري غورجز" الصينيتين على توزيع الكهرباء في ليما، المدينة التي تضم قرابة 10 ملايين نسمة.

في المقابل، قدّمت السفارة الصينية في ليما رواية مغايرة تفيد بأن الاستثمارات "شفافة ومتوافقة مع القانون"، وتتجاوز 30 مليار دولار، ولا ترتب "ديونا ولو بسنت واحد".

وأضافت أن الصين لم تتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ولم تطلب منها الانحياز، مؤكدة أن "نصف الكرة الغربي ليس فناء خلفيا لأحد".

وتربط ساوث تشاينا مورنينغ بوست هذه العبارة بعودة مفردات "نصف الكرة الغربي" ومبدأ مونرو إلى إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية، التي تعهدت بمنع قوى من خارج المنطقة من السيطرة على أصول تعدها واشنطن ذات أهمية إستراتيجية.

مصدر الصورة رئيسة بيرو تسعى إلى توثيق التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، لكنها تحافظ في الوقت ذاته على العلاقة التجارية مع الصين (الفرنسية)

بيرو بين الشراكة والموازنة

لا تبدو بيرو مستعدة للاختيار القاطع بين واشنطن وبكين. فرئيسة البلاد، وفق الصحيفة، تسعى إلى توثيق التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، لكنها تحافظ في الوقت ذاته على العلاقة التجارية مع الصين التي تستوعب ما بين 35% و38% من الصادرات البيروفية.

وقد أكدت فوجيموري أن بلادها ستواصل بيع المعادن والأسماك والمنتجات الزراعية إلى آسيا وأوروبا والأسواق الأخرى، مشيرة إلى عضوية بيرو والصين والولايات المتحدة في منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي (آبيك).

وهنا تتضح وظيفة تشانكاي التي تتجاوز كونه مجرد محطة حاويات، ليغدو القناة التي تربط اقتصادا قائما على المعادن والموارد الزراعية بسوق آسيوية ضخمة، وتزيد من هامش المناورة البيروفي.

أما بالنسبة للصين، فيمكن النظر إليه بوصفه ركيزة مهمة في شبكة موانئ وعلاقات تجارية تمنحها وصولا مباشرا وأكثر كفاءة إلى موارد الجنوب العالمي، وتدعم قدرتها على توزيع تدفقات التجارة بعيدا عن الاعتماد المفرط على الممرات أو الوسطاء التقليديين.

مصدر الصورة سفينة راسية في ميناء كاياو البيروفي، أحد الموانئ الرئيسية للبلاد على المحيط الهادي (غيتي)

تقليص المخاطر والوقت

على الجانب الآخر من الخريطة، يتحول "الممر السريع الصيني الأوروبي" تدريجيا من تجربة ملاحية إلى خدمة موسمية منتظمة.

فقد وصلت سفينة الشحن المسماة "دبي تاور" إلى ميناء "تيزبورت" البريطاني في 9 سبتمبر/أيلول، بعد رحلة استغرقت 20 يوما من ميناء نينغبو جووشان عبر مضيق بيرينغ وطريق الملاحة البحري الشمالي الشرقي في القطب الشمالي، محملة بوحدات تخزين الطاقة وبطاريات المركبات ومكونات الطاقة الشمسية.

إعلان

وأفادت صحيفة الشعب اليومية بأنه من المقرر تسيير ما لا يقل عن 8 رحلات ثابتة بين أغسطس/آب وأكتوبر/تشرين الأول، باستخدام 7 أو 8 سفن بالتناوب.

وبحسب بيانات أوردتها صحيفة الشعب اليومية، يبلغ طول الرحلة القطبية نحو 8 آلاف ميل بحري، أي أقل بنحو 3 آلاف ميل من خط قناة السويس و6800 ميل من طريق رأس الرجاء الصالح. وتقول الصحيفة إن زمن الإبحار المستهدف عبر هذا الخط يبلغ نحو 20 يوما، أي أقل بنحو 15 يوما من مسار قناة السويس و25 يوما من طريق رأس الرجاء الصالح.

ونقلت صحيفة الشعب اليومية عن فانغ إي، الرئيس التنفيذي لشركة "هاي جيه" للشحن، قوله إن تقليص زمن النقل يخفض تجميد المخزون ويحرر رأس المال العامل، بما يلائم السلع عالية الحساسية للوقت مثل تلك التي تُباع عبر التجارة الإلكترونية العابرة للحدود.

ولا تقتصر الميزة على السرعة فقط، فبحسب مسؤولين نقلت عنهم صحيفة الشعب اليومية، اعتبر مدير تخطيط الخدمات اللوجيستية في شركة "هويجوو إيف إنرجي"، فان جي غوو، أن البرودة الطبيعية للمسار تجعله ملائما للبضائع الحساسة للحرارة، مثل البطاريات، عبر تقليل مخاطر التلف وتكاليف التبريد.

كما أوردت الصحيفة تقديرات بأن الانبعاثات الكربونية لكل رحلة قد تقل بنحو 50% مقارنة بمسار قناة السويس، مع استخدام وقود أنظف.

ممر مكمل وليس بديل

وتقدم غلوبال تايمز للممر بعدا إستراتيجيا يتجاوز هذه المكاسب التشغيلية، إذ نقلت عن لي شياو بين، المدير التنفيذي للعمليات في شركة "هاي جيه" للشحن، قوله إن الطريق يحمل "قيمة إستراتيجية مهمة" كممر مساعد وبديل بين الصين وأوروبا، لأنه يخفف أثر التوترات الجيوسياسية في حركة الشحن العالمية.

وأوضح لي لصحيفة غلوبال تايمز أن ابتعاده عن الممرات التقليدية يمنح الصين خيارا عند تعطل طرق مثل البحر الأحمر أو مضيق هرمز، في حين تتصل الخدمة بميناء فيليكسستو البريطاني مع توفير خطوط ربط بموانئ أوروبية أخرى تشمل روتردام-هولندا، وفيلهلمسهافن-ألمانيا، وغدينيا-بولندا.

مع ذلك، لا يزال المسار مكملا وليس بديلا كاملا، فموسم الملاحة فيه محدود، وتبقى تكلفة كاسحات الجليد والتدريب المتخصص والوقود منخفض الكبريت مرتفعة، كما أن شحنات العودة من أوروبا أضعف من تدفقات التصدير الصينية.

ويقول شانغ هوي، مدير معهد قضايا النقل الدولي في المركز الصيني الدولي للابتكار والمعرفة في مجال النقل المستدام، إن الممر يظل قناة موسمية إضافية ما دامت السفن المتوسطة والمنخفضة التصنيف ليست لديها القدرة على العمل في ظروف جليدية عالية ولا تستطيع الإبحار بصورة أساسية إلا في الفترة بين يوليو/تموز وأكتوبر/تشرين الأول، بحسب ما أوردته صحيفة الشعب اليومية.

كما أن تحويله إلى ممر تجاري مستقر يتطلب توافقا دوليا بشأن قواعد السلامة والبيئة والوضع القانوني للمياه القابلة للملاحة. إذ يشدد لي، وفق غلوبال تايمز، على أن تعدد الأطر الناظمة، من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار إلى مجلس القطب الشمالي، واختلاف التعريفات القانونية، يستوجب حوكمة منسقة تحت أطر مثل المنظمة البحرية الدولية، بدلا من قواعد وطنية متفرقة.

الحوار الصيني الأميركي يمكن أن يساعد الطرفين في بناء فهم أوضح لنطاق وحدود العلاقة الاقتصادية المقبولة بينهما

بواسطة دا ويه

مرونة لوجيستية وقوة تفاوضية

يتكامل تشانكاي وممر القطب الشمالي ضمن تصور صيني أوسع للأمن الاقتصادي، فالأول يعمّق الارتكاز في الجنوب العالمي عند بوابة المحيط الهادي، والثاني يقلل الاعتماد على المضائق البحرية التقليدية في الطريق إلى أوروبا.

وفي الحالتين، تتحول البنية التحتية إلى أداة لبناء المرونة، فهي تمنح الصين منافذ إضافية للموارد والأسواق، وقدرة أعلى على امتصاص الصدمات الجيوسياسية، وبدائل عملية عند تعطل الممرات أو ارتفاع كلفتها.

وتكتسب هذه الشبكة أهمية إضافية في لحظة تفاوض تجاري مع واشنطن، فقد أعلنت وزارة التجارة الصينية أن الطرفين يناقشان إطارا لتخفيضات متبادلة للرسوم الجمركية تشمل منتجات بقيمة 30 مليار دولار من كل جانب، رغم صمود التجارة الثنائية في وجه الخلافات، إذ بلغت 2.76 تريليون يوان (نحو 412 مليار دولار) في الأشهر الثمانية الأولى من العام، بزيادة 1.3% على أساس سنوي.

إعلان

وتنقل صحيفة تشاينا ديلي عن دا ويه، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة تشينغهوا، أن الحوار يمكن أن يساعد في تحديد نطاق وحدود العلاقة الاقتصادية المقبولة للطرفين، من دون أن يعني ذلك حل الخلافات العميقة في التجارة والتكنولوجيا.

ومن ثم، فإن الموانئ والممرات الجديدة لا تحسم الخلاف الصيني الأمريكي، ولا تلغي اعتماد الصين المتبادل مع الأسواق الكبرى، لكنها تعيد توزيع المخاطر وتزيد بدائل الحركة.

وكلما اتسعت هذه البدائل، من ميناء تشانكاي إلى الممر الشمالي الشرقي للقطب الشمالي، تحسن موقع بكين في إدارة الضغوط الجمركية والتجارية، بينما تجد الدول الشريكة نفسها أمام فرصة للاستفادة من الاستثمار والتجارة، وفي الوقت ذاته، أمام ضرورة بناء أطر رقابية وسيادية تضمن ألا تتحول العقد اللوجيستية إلى مصادر اعتماد مفرط أو ساحات للتنافس الجيوسياسي المفتوح.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار