في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في خطوة لا تتكرر في الأسواق المالية وعالم الاقتصاد إلا نادرا، تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية نهاية الأسبوع الماضي لتمد يد العون لليابان وتنتشل عملتها (الين) من سقوط لم تصل إليه منذ أربعة عقود.
فقد أعلنت واشنطن وطوكيو أمس الاثنين أنهما تدخّلتا نهاية الأسبوع الماضي في أسواق الصرف للمرّة الأولى منذ 28 عاما لدعم الين، الذي تراجع إلى أدنى مستوياته في أربعة عقود، وأبديتا استعدادهما للتدخّل مجدّدا إن اقتضت الحاجة ذلك.
وقد أكد هذه الخطوةَ كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الخزانة سكوت بيسنت ووزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما، التي قالت إن اليابان والولايات المتحدة نفذتا تدخلا منسقا لشراء الين في سوق الصرف الأجنبي، وأوضحت أن "هذا العمل المشترك سمح باحتواء التقلّبات المفرطة والمسار غير المنضبط للين في الأشهر الأخيرة".
ووصل سعر الدولار نهاية الأسبوع إلى 164 ينا، في أدنى مستوى للعملة اليابانية منذ 1986، وبعد انتشار أخبار عن تدخل من السلطات اليابانية والأمريكية لدعم الين، تراجع الدولار إلى ما دون 160 ينا.
ولئن كان التحرك الياباني عاديا لكونه السلوك المنتظر من دولة هوت عملتها، فإن الكثيرين قد يستغربون ما قامت به الإدارة الأمريكية. فما الذي يدفع دولة إلى إنفاق المليارات من خزائنها والتدخل بقوة لدعم عملة دولة أخرى، ولو كان ذلك على حساب عملتها الوطنية (الدولار)؟
من أساليب التمويل لدى الدول ما يعرف بسندات الخزينة، وهي صكوك متساوية القيمة وقابلة للتداول تصدرها وتمثل قرضا بأجل، وتثبت حق حاملها فيما قدمه من مال على سبيل القرض، وحقه في استرجاعه بعد انتهاء الأجل المحدد. وتختلف آجال هذه السندات، إذ تبدأ في الحد الأدنى من 3 أشهر، وقد تصل في الحد الأقصى إلى 50 سنة.
وتصدر الخزانة الأمريكية سندات بغرض تمويل نفقات الدولة، وتطرحها للتداول من طرف الأفراد والشركات والدول، ومن ثم فإن العشرات من دول العالم لديها سندات في الخزانة الأمريكية، أبرزها اليابان والصين والمملكة المتحدة وعدد من الدول الأوروبية.
وتأتي اليابان على رأس هذه الدول، إذ بلغت قيمة ما تمتلكه من هذه السندات نحو 1.14 تريليون (1143 مليار) دولار في مايو/أيار الماضي، حسب بيانات وزارة الخزانة الأمريكية، وهو ما يشكل تقريبا 12.2% من إجمالي السندات التي يملكها الأجانب، والبالغة نحو 9.37 تريليون دولار، ونحو 2.9% من الدين العام الأمريكي الإجمالي البالغ قرابة 39.5 تريليون دولار.
وكان يمكن أن تعمد اليابان -من أجل إنقاذ عملتها من مزيد من التدهور والانهيار- إلى بيع سنداتها في الخزانة الأمريكية أو جزء منها لتوفر سيولة نقدية بالعملة الصعبة تدعم بها الين، لكن من شأن هذا الحل أن يضر باقتصاد الولايات المتحدة، وقد يصل الضرر إلى جيوب المستهلكين الأمريكيين.
وهذا ما يفسر مبادرة أمريكا بإلقاء حبل النجاة لعملة اليابان، فهي في الحقيقة تدخلت لإنقاذ الين ليس حبا فيه، بل لمنع امتداد أمواجه إلى قفة الناخبين الأمريكيين.
فلو باعت اليابان حصتها -أو بعضها- ستنخفض قيمة السندات الأمريكية في الأسواق المالية ويرتفع عائدها، وهذا بدوره يعني ارتفاع تكاليف القروض الأمريكية التي ستمولها الحكومة مستقبلا بسندات جديدة، إضافة إلى ارتفاع تكلفة القروض العقارية وقروض الشركات والسيارات والقروض الشخصية للأفراد، بسبب لجوء البنوك الى رفع الفائدة، كما يوضح للجزيرة نت رئيس الإستراتيجيات في مؤسسة فورتيس للاستثمار مصطفى فهمي.
ولأن النظام الاقتصادي يتشكل من حلقات مترابطة يؤثر بعضها على بعض، فإن ارتفاعات تكاليف القروض تعني إحجام الأفراد والمستثمرين عن الاقتراض، مما سيؤدي إلى تباطؤ الاقتصاد وضعف الاستثمار وفقدان الوظائف وارتفاع معدلات البطالة وتراجع الطلب في الأسواق، وكلها تأثيرات ستنتهي موجاتها في بيوت الأسر الأمريكية.
ويوضح فهمي ذلك قائلا -في حديث للجزيرة نت- إن الولايات المتحدة تدخلت لدعم الين "كي تحمي نفسها وسنداتها، لأن انسحاب الأموال اليابانية من السندات الأمريكية يمثل قنبلة يمكن أن تضرب سوق الديون الأمريكية"، مضيفا أنها "قنبلة ستنفجر عاجلا أو آجلا".
ويصف المتحدث نفسه ما قامت به وزارة الخزانة الأمريكية بأنه "ليس دفاعا عن عملة أجنبية بقدر ما هو دفاع عن استقرار أسواق المال الأمريكية نفسها"، ومن ثم منع انسحاب رؤوس الأموال منها.
ويذهب المحلل المالي محمد الكجك إلى أبعد من ذلك بالقول إنه إذا اضطرت اليابان إلى بيع كميات كبيرة من السندات الأمريكية فإن ذلك "قد يؤدي إلى زعزعة سوق السندات في العالم كله، وإلى تقلبات في الأسواق المالية العالمية".
وأضاف -في حديث للجزيرة نت- أن واشنطن سارعت إلى التدخل في سوق صرف الين الياباني (عبر بيع جزء من احتياطياتها من اليورو لشراء الين) للحفاظ على الاستقرار في أسواق آسيا، المرتبطة ارتباطا وثيقا بالسوق الأمريكية.
ونقلت وسائل إعلام أميركية وبريطانية عن مصادر مطلعة تأكيدها أن بنك الاحتياطي الفدرالي (المصرف المركزي) الأمريكي "اتخذ خطوة غير معتادة وباع اليورو لشراء الين نيابة عن الخزانة الأمريكية".
وأفادت المصادر نفسها أن عمليات البيع جرت عبر بنكي "غولدمان ساكس" و"مورغان ستانلي"، وأن الخطوة تمت بتنسيق مع مسؤولين في البنك المركزي الأوروبي.
وقالت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية إن حجم التدخّل الياباني بلغ أكثر من 52 مليار دولار، في حين تحدثت وكالة رويترز عن تدخل أمريكي في قضية إنقاذ الين بمبلغ تراوح بين 5 و10 مليارات دولار.
مجال آخر مهم يفسر التدخل الأمريكي لإنعاش الين هو ما يعرف بالميزان التجاري بين البلدين، ويعني هذا المصطلح تلك الآلية التي يقاس بها حجم الواردات والصادرات بين دولتين، وما إذا كان هناك توازن في هذه العملية أم أن كفة إحداهما تميل وتستفيد من هذا التبادل التجاري أكثر من الدولة الأخرى.
فضعف الين وتراجعه يؤدي إلى خفض أسعار السلع اليابانية في الأسواق الخارجية -ومنها السوق الأمريكية-، كما يؤدي إلى زيادة أسعار السلع الأجنبية داخل اليابان -ومنها السلع الأمريكية-، ومن ثم سيتسع الفائض التجاري لليابان على حساب الولايات المتحدة.
وتُظهر بيانات مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة (وكالة تابعة للبيت الأبيض) أن العجز في الميزان التجاري مع اليابان وصل 63.9 مليار دولار عام 2025، إذ بلغت صادرات السلع الأمريكية إلى اليابان 82.1 مليار دولار، مقابل إجمالي واردات السلع الأمريكية من اليابان بمبلغ 146 مليار دولار.
وتذهب توقعات للمكتب نفسه إلى أن العجز التجاري بين البلدين سيستمر لصالح اليابان في العام 2026، لكنه سيتقلص قليلا عما كان عليه في 2025، إذ بدأت الصادرات الأمريكية إلى اليابان في الارتفاع، وخاصة منتجات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال وأجزاء الطائرات المدنية وبعض المنتجات الزراعية، في مقابل تراجع في الواردات الأمريكية من اليابان بسبب عوامل عدة، أبرزها توسع شركات السيارات اليابانية في إنتاج مركباتها داخل الولايات المتحدة.
ومن مهام مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة (USTR) -الذي تأسس عام 1962 وله مقرات في واشنطن وجنيف وبروكسل- التفاوض مع الحكومات الأجنبية لإبرام الاتفاقيات التجارية وحل النزاعات والمشاركة في أشغال المنظمات العالمية المعنية بالسياسات التجارية.
ويوضح محمد الكجك للجزيرة نت أن اليابان تُعد الشريك الاقتصادي الأهم للولايات المتحدة في شرق آسيا، وأي اضطراب كبير في اقتصاديهما قد ينعكس على سلاسل الإمداد العالمية والاستقرار الإقليمي.
وتوصلت الولايات المتحدة واليابان في يوليو/تموز 2025 إلى اتفاق تجاري ثنائي خفضت بموجبه واشنطن الرسوم الجمركية على واردات السيارات والسلع اليابانية إلى 15%، كما تعهدت اليابان باستثمار 550 مليار دولار في الولايات المتحدة.
دافعٌ آخرُ للتدخل الأمريكي في مصير العملة اليابانية يتجاوز مجال التجارة البينية إلى التحالفات الاقتصادية والسياسية الإقليمية، لذلك يبدو أن الولايات المتحدة تستخدم "أسلحتها المالية" لتأمين حليف اقتصادي وسياسي رئيسي في آسيا، وضمان استقرار سلاسل التوريد في مواجهة منافس شرس هو الصين.
كبير دبلوماسيي العملة في وزارة المالية اليابانية أتسوشي ميمورا قال للصحفيين في طوكيو الجمعة الماضية إن بلاده تتلقى أكثر من مجرد "دعم معنوي" من واشنطن.
وبدوره يعتبر تقرير لموقع "إيغل إنتلجنس"، وهو منصة دولية للتحليل الأمني والإستراتيجي مسجلة في رومانيا، أن التدخل الأمريكي الياباني المشترك لدعم الين "ليس مجرد جهد مؤقت لتحقيق استقرار أسواق العملة اليابانية، بل يعكس تقاربا إستراتيجيا أوسع بين واشنطن وطوكيو، إذ بات الأمن الاقتصادي مرتبطا ارتباطا وثيقا بالأمن القومي".
وتضيف المنصة نفسها أنه "بمساعدة الولايات المتحدة، تسعى اليابان إلى تعزيز قدرتها على الصمود في وجه نقاط الضعف المالية التي يُمكن استغلالها في فترات عدم الاستقرار الجيوسياسي".
وحسب التقرير نفسه فإن دعم استقرار اليابان هو أمر ترى الولايات المتحدة أنه "ذو أهمية متزايدة مع اشتداد المنافسة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ"، ومن ثم "يمكن اعتبار التدخل في الين جزءا من إعادة تنظيم إستراتيجي أوسع، لأن القوة الاقتصادية والقدرات الاستخباراتية والتعاون والتحالف أدوات نفوذ مترابطة في النظام العالمي".
أما شبكة "سي أن بي سي" الأمريكية فنقلت عن الخبير في شركة "مونكس" للاستشارات والوساطة المالية جيسبر كول قوله إن الإنقاذ الأمريكي للعملة اليابانية "يعكس تحولا أوسع في العلاقات الأمريكية اليابانية"، وأضاف أن التعاون والشراكة بين البلدين "دخلا مرحلة جديدة"، وأن التدخل المنسق لدعم الين "خطوة تبعث رسالة جيوسياسية إلى بكين".
وفي السياق ذاته قال وزير الخزانة الأمريكية على حسابه في منصة إكس، إن "إدارة ترامب تفي بالتزاماتها تجاه شركاء الولايات المتحدة الموثوقين"، واعتبر أن "الأمن الاقتصادي هو الأمن القومي"، وأن "التحالف الأمريكي الياباني قائم على هذين الأساسين".
صحيفة تايمز أو إنديا هي الأخرى رأت أن في هذا التدخل الأمريكي "بُعد جيوسياسي أيضا، فاليابان حليف رئيسي للولايات المتحدة في آسيا، وجزء مهم من إستراتيجية واشنطن لموازنة الصين. وقد تؤدي أزمة غلاء المعيشة الناجمة عن تقلبات العملة إلى إضعاف حكومة رئيسة الوزراء اليابانية سناء تاكايتشي، وتعقيد التعاون الاقتصادي والأمني".
ونقلت الصحيفة عن شيجيتو ناغاي من قسم الاقتصاد في جامعة أكسفورد وصفه هذه الخطوة بأنها خدمة "منخفضة التكلفة" لحليف تحمي في الوقت نفسه استقرار العملة وسوق السندات.
ليست هذه هي المرة الأولى التي تتحرك فيها واشنطن لإنقاذ عملة الين، بل كانت هناك سوابق أبرزها عام 1998 عندما تدخلت الخزانة الأمريكية لدعم الاقتصاد الياباني، واشترت الين بعد هبوطه إلى أدنى مستوياته في ثماني سنوات.
فطوال الربع الثاني من عام 1998، تواصل ضعف الين الياباني، وانخفضت قيمته بنسبة 4.1% مقابل الدولار الأمريكي، وتدخلت السلطات النقدية الأمريكية -بالتعاون مع السلطات النقدية اليابانية- في أسواق الصرف الأجنبي، إذ باعت ما مجموعه 833 مليون دولار مقابل الين الياباني.
وفي مارس/آذار 2011 تضامنت مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى -وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية- مع اليابان لتهدئة الأسواق ومواجهة تداعيات الزلزال المدمر الذي ضرب البلاد، إذ ساعدت بنك اليابان على التدخل في أسواق العملات لكبح جماح ارتفاع الين.
فقد اشترت السلطات النقدية الأمريكية نحو مليار دولار مقابل بيع الين الياباني، وتم تقسيم هذه العملية بالتساوي بين "صندوق استقرار الصرف" التابع لوزارة الخزانة الأمريكية و"حساب السوق المفتوحة للنظام" التابع للاحتياطي الفدرالي، وبتنسيق مع السلطات النقدية اليابانية، والبنك المركزي الأوروبي، والسلطات النقدية في كندا والمملكة المتحدة.
وأنحت السلطات اليابانية آنذاك باللائمة على المضاربين في الارتفاع الحاد لقيمة الين، ووصفهم نائب وزير المالية الياباني، فوميهيكو إيغاراشي، بـ"اللصوص الماكرين"، وقال في مقابلة مع وكالة رويترز يومها إن دول مجموعة السبع "اتفقت على أنه إذا استسلمنا لهؤلاء المضاربين الذين يستغلون مصائب الناس، فسوف ينهار الاقتصاد الياباني ويتضرر الاقتصاد العالمي بأكمله".
وليست اليابان وحدها من استفادت من الإنقاذ الأمريكي، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، دعمت الولايات المتحدة سوق البيزو الأرجنتيني بنحو 20 مليار دولار، قبل أسابيع من الانتخابات البرلمانية النصفية، التي كانت محكا حاسما لحزب الرئيس اليميني خافيير ميلي، الحليف الأيديولوجي لترامب.
وفي ذلك الوقت، أوضح وزير الخزانة الأمريكي أن التدخل جرى لضمان نجاح "أجندة الإصلاح" الأرجنتينية، وهي خطة تقشف وصفها محللون بـ"العلاج بالصدمة"، وشهدت تجميد الأجور وتقليص الإنفاق العام.
وإضافة إلى اتفاقية تبادل العملات، أعلن الوزير عن مساعٍ لتأمين تمويل إضافي بقيمة 20 مليار دولار من "مصارف خاصة وصناديق ثروة سيادية" لدعم الاقتصاد الأرجنتيني المتعثر.
وشهد البيزو في تلك الفترة تقلبات حادة في قيمته، الأمر الذي أثار المخاوف من تدهور أكبر في الأسابيع السابقة للانتخابات، بعد أن استنزفت محاولات دعمه تقريبا كامل احتياطيات البنك المركزي الأرجنتيني من الدولار.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة