تحتفل الولايات المتحدة هذا العام بمرور 250 عاما على تأسيسها، وهي اليوم أكبر اقتصاد في العالم بناتج محلي إجمالي يناهز 30.8 تريليون دولار. لكن هذه المكانة لم تُبن في منطقة واحدة أو على قطاع اقتصادي واحد، بل تشكلت عبر سلسلة من التحولات الجغرافية والاقتصادية التي نقلت مركز النشاط الاقتصادي تدريجيا من الساحل الشرقي إلى منطقة البحيرات العظمى، ثم إلى الجنوب والغرب، وصولا إلى ساحل المحيط الهادئ وتكساس.
وخلال قرنين ونصف القرن، تغيرت المحركات التي قادت الاقتصاد الأمريكي أكثر من مرة. فالاقتصاد الزراعي أفسح المجال للصناعة الثقيلة، ثم أصبح النفط والإنفاق الدفاعي القوة المحركة للنمو، قبل أن تتصدر التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي المشهد. ومع كل تحول، تغيرت خريطة الولايات الأكثر إنتاجا وتأثيرا، بما أعاد رسم مركز الثقل الاقتصادي للبلاد بصورة مستمرة.
في العقود الأولى بعد الاستقلال، اعتمد الاقتصاد الأمريكي بصورة رئيسية على الزراعة والتجارة البحرية، وتركز النشاط الاقتصادي على الساحل الأطلسي، لكنه انقسم منذ البداية إلى نموذجين اقتصاديين مختلفين.
أما الجنوب، فاعتمد على اقتصاد المزارع الواسعة التي تنتج التبغ والأرز، ثم القطن بعد اختراع آلة حلج القطن، مستندا إلى نظام الرق الذي وفر اليد العاملة اللازمة لهذا النشاط الزراعي.
وبحلول عام 1860، أصبح القطن أكبر سلعة تصديرية في الولايات المتحدة، وشكل أحد أهم مصادر الثروة في البلاد. غير أن المؤرخ الاقتصادي غافين رايت يشير إلى أن القوة الاقتصادية الأكثر استدامة لم تكن في ولايات الجنوب الزراعية، بل في نيويورك التي تحولت إلى المركز المالي المسؤول عن تمويل تجارة القطن وتأمين شحناته، وهو ما منحها مكانة استمرت حتى اليوم.
وسرّعت الحرب الأهلية الأمريكية انتقال النشاط الاقتصادي بعيدا عن الساحل الشرقي، مع صعود منطقة الصناعات الثقيلة الممتدة من شمال شرق البلاد إلى منطقة البحيرات العظمى، والتي عرفت لاحقا باسم "الحزام الصناعي الأمريكي".
وأصبحت بنسلفانيا مركز صناعة الصلب، بفضل المصانع التي أنشأها أندرو كارنيغي حول مدينة بيتسبرغ، بينما تحولت أوهايو إلى مركز لتكرير النفط بعد تأسيس شركة "ستاندرد أويل" على يد جون دي روكفلر في كليفلاند، إضافة إلى صناعة المطاط في مدينة أكرون.
وفي ولاية ميشيغان، أحدث هنري فورد ثورة في صناعة السيارات مع إطلاق خط الإنتاج المتحرك لسيارة "موديل تي" عام 1908، في حين لعبت شيكاغو دورا محوريا في ربط الولايات الأمريكية عبر شبكة السكك الحديدية، إلى جانب صناعات الصلب وتعليب اللحوم.
ولم يكن النفط بعيدا عن هذه المرحلة، إذ شهدت ولاية بنسلفانيا حفر أول بئر نفط تجارية في العالم بمدينة تايتوسفيل عام 1859، قبل أن تنتقل لاحقا بوصلة الإنتاج إلى مناطق أخرى.
ومع مطلع القرن العشرين، مكّن هذا التحول الصناعي الولايات المتحدة من تجاوز بريطانيا لتصبح أكبر اقتصاد في العالم، مدفوعة أيضا بموجات الهجرة الأوروبية التي وفرت ملايين العمال للمصانع والمدن الصناعية، بينما واصل مركز السكان والاقتصاد تحركه تدريجيا نحو الغرب.
وشهد القرن العشرون تحولا جديدا في خريطة الاقتصاد الأمريكي مع انتقال الثقل الاقتصادي نحو الجنوب والغرب، مدفوعا بعاملين رئيسيين: النفط والإنفاق الدفاعي.
وكان اكتشاف حقل سبيندلتوب النفطي قرب مدينة بومونت في ولاية تكساس عام 1901 نقطة تحول في صناعة الطاقة الأمريكية، إذ انتقل مركز إنتاج النفط تدريجيا من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، لتبدأ تكساس وأوكلاهوما في لعب دور متزايد داخل الاقتصاد الوطني.
وتعزز هذا الاتجاه خلال الحرب العالمية الثانية ثم الحرب الباردة، عندما وجهت الحكومة الفدرالية استثمارات ضخمة إلى الصناعات العسكرية والفضائية في ولايات الجنوب والغرب، وفي مقدمتها كاليفورنيا، التي استفادت كذلك من التوسع في الصناعات الزراعية بوسط الولاية، ونمو قطاع الترفيه في لوس أنجلوس.
كما أسهم الانتشار الواسع لتقنيات التكييف في جعل ولايات الجنوب أكثر جاذبية للسكان والشركات، وهو ما أدى إلى موجات هجرة داخلية واسعة دعمت نمو ما أصبح يعرف لاحقا بـ"حزام الشمس".
ورغم استمرار هيمنة ولايات الغرب الأوسط الصناعية على جزء كبير من الناتج الأمريكي خلال تلك المرحلة، فإن مؤشرات انتقال مركز الثقل الاقتصادي نحو الجنوب والغرب كانت قد بدأت بالظهور بوضوح.
ومنذ سبعينيات القرن الماضي، دخل الاقتصاد الأمريكي مرحلة جديدة ارتبطت بالعولمة والتطور التكنولوجي، وهي مرحلة شهدت تراجع الصناعات التقليدية في الحزام الصناعي، الذي أصبح يعرف باسم "حزام الصدأ" نتيجة إغلاق المصانع وفقدان الوظائف وتراجع عدد السكان في ولايات مثل ميشيغان وأوهايو وغرب بنسلفانيا.
وفي المقابل، بدأت مراكز جديدة للنمو الاقتصادي بالتشكل على السواحل الأمريكية، وفي مقدمتها وادي السيليكون في شمال كاليفورنيا، ثم منطقة بوسطن، وسياتل، وأوستن في ولاية تكساس، ومنطقة "مثلث الأبحاث" في ولاية كارولاينا الشمالية.
ويفسر الاقتصادي إنريكو موريتي هذا التحول بما يسميه "اقتصاد التجمعات الابتكارية"، حيث يؤدي تركز الشركات التكنولوجية والجامعات ورؤوس الأموال في منطقة واحدة إلى جذب مزيد من المستثمرين والمهارات، وهو ما يعزز النمو بصورة متواصلة ويزيد الفجوة الاقتصادية مع المناطق الأخرى.
وبذلك، لم يعد انتقال مركز الثقل الاقتصادي الأمريكي مدفوعا بالنفط أو الصناعة الثقيلة فقط، بل أصبح يعتمد بصورة متزايدة على الابتكار، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، وهي عوامل لا تزال تعيد تشكيل الخريطة الاقتصادية للولايات المتحدة حتى اليوم.
وتعكس أحدث البيانات حجم التحول الذي شهدته خريطة الاقتصاد الأمريكي خلال العقود الأخيرة. فبحسب بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة نحو 30.8 تريليون دولار في عام 2025، فيما أنتجت خمس ولايات فقط ما يقارب 41% من هذا الإجمالي، وهو ما يعكس تركزا متزايدا للنشاط الاقتصادي في عدد محدود من الولايات.
وتتصدر كاليفورنيا القائمة بناتج محلي يبلغ نحو 4.25 تريليونات دولار، أي ما يقارب 14% من الاقتصاد الأمريكي، وهو حجم يضعها بمفردها ضمن أكبر اقتصادات العالم لو كانت دولة مستقلة.
وجاءت تكساس في المرتبة الثانية بنحو 2.9 تريليون دولار، متقدمة على نيويورك لأول مرة، مستفيدة من تنوع اقتصادها بين النفط والغاز، وصناعة أشباه الموصلات، واستقطاب المقرات الرئيسية للشركات، ومراكز البيانات.
أما نيويورك، فبلغ ناتجها المحلي نحو 2.47 تريليون دولار، مستندة إلى قوة قطاع الخدمات المالية والإعلام والخدمات المهنية، في حين حلت فلوريدا رابعا بنحو 1.84 تريليون دولار، مدفوعة بالنمو السكاني والسياحة وسوق العقارات. وتستحوذ الولايات الثلاث الأولى وحدها على نحو 31% من إجمالي الناتج المحلي الأمريكي.
ولا تقتصر قوة كاليفورنيا على قطاع التكنولوجيا، إذ يجمع اقتصادها بين عدة محركات للنمو، تشمل البرمجيات ورأس المال المغامر والذكاء الاصطناعي في منطقة خليج سان فرانسيسكو، والإعلام والخدمات اللوجستية والتجارة في لوس أنجلوس، والصناعات الدفاعية والتكنولوجيا الحيوية في سان دييغو، إضافة إلى واحد من أكثر القطاعات الزراعية إنتاجية في العالم داخل وادي كاليفورنيا الأوسط. ويمنح هذا التنوع الولاية قدرة أكبر على الحفاظ على موقعها الاقتصادي رغم ارتفاع تكاليف المعيشة وانتقال بعض السكان والشركات إلى ولايات أقل تكلفة.
ولا تشير المؤشرات إلى استقرار مركز الثقل الاقتصادي عند موقعه الحالي، بل توضح أن حركة انتقال النشاط الاقتصادي لا تزال مستمرة.
فبحسب تحليل أجرته مؤسسة "سوشيال إكسبلورر" استنادا إلى بيانات مكتب التحليل الاقتصادي، تقع تسع من أسرع عشر ولايات نموا اقتصاديا منذ عام 2001 غرب نهر المسيسيبي، في دلالة على استمرار انتقال النشاط الاقتصادي نحو الغرب والجنوب.
وسجل اقتصاد تكساس نموا بنحو 355% خلال هذه الفترة، مدفوعا بانتقال شركات كبرى مثل تسلا وأوراكل وهيوليت باكارد إنتربرايز إليها، إلى جانب توسع قطاع التكنولوجيا في مدينة أوستن واستمرار قوة قطاع الطاقة.
كما تقدمت ولاية واشنطن من المرتبة الرابعة عشرة إلى التاسعة بفضل النمو الكبير لشركتي أمازون ومايكروسوفت وصناعة الطيران، بينما حققت ولاية نورث داكوتا نموا تجاوز 400% مدعوما بإنتاج النفط الصخري.
وفي الجنوب الشرقي، صعدت جورجيا من المرتبة الثانية والعشرين إلى الخامسة عشرة، مستفيدة من توسع صناعة السينما والخدمات اللوجستية والمقار الإقليمية للشركات العالمية.
وفي المقابل، شهدت بعض الولايات الصناعية التقليدية تراجعا نسبيا، إذ هبطت ميشيغان من المرتبة التاسعة إلى الرابعة عشرة مع انكماش صناعة السيارات، كما تراجعت نيوجيرسي من المرتبة الثامنة إلى العاشرة.
لا يعزى انتقال مركز الثقل الاقتصادي إلى عامل واحد، بل إلى تراكم عدة تحولات اقتصادية امتدت لعقود.
ففي البداية، جذبت الولايات الجنوبية والغربية الصناعات بفضل وفرة الأراضي وانخفاض أسعار الطاقة، ثم أدى الإنفاق الفدرالي على الصناعات العسكرية والفضائية إلى تعزيز مكانة ولايات مثل كاليفورنيا وتكساس. كما ساهم انتشار أنظمة التكييف في جعل ولايات الجنوب أكثر ملاءمة للعيش والعمل، بينما شجعت الضرائب الأقل والقيود التنظيمية الأخف كثيرا من الشركات على نقل مقارها خارج الولايات التقليدية.
ومع صعود اقتصاد المعرفة، أصبحت تجمعات التكنولوجيا والجامعات ورأس المال الاستثماري عامل جذب جديدا للاستثمارات والكفاءات، ما أدى إلى تكوين مراكز ابتكار يصعب منافستها، إذ تستقطب مزيدا من الشركات والمهارات ورؤوس الأموال مع مرور الوقت.
رغم هذا التحول، لا يرى تقرير سوشال إكسبلورر أن الخريطة الاقتصادية الأمريكية أصبحت ثابتة أو أن الولايات التقليدية فقدت أهميتها بالكامل.
فلا تزال نيويورك تحتفظ بمكانتها باعتبارها العاصمة المالية للولايات المتحدة، بينما يشهد الغرب الأوسط محاولات لاستعادة جزء من نشاطه الصناعي عبر الاستثمارات الجديدة في بطاريات السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات، مدعوما بالحوافز الحكومية وتوافر الأراضي والطاقة.
لكن التقرير يحذر في الوقت نفسه من أن تركز النشاط الاقتصادي في عدد محدود من الولايات يحمل مخاطر متزايدة، إذ تصبح قطاعات مثل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أكثر تأثيرا في أداء الاقتصاد الأمريكي بأكمله، بينما تزداد حساسية النمو لأي تباطؤ يصيب هذه الصناعات أو المناطق الجغرافية التي تتركز فيها.
وبعد 250 عاما من تأسيس الولايات المتحدة، تبدو الصورة العامة واضحة؛ فالمحركات الاقتصادية تغيرت أكثر من مرة، من الزراعة إلى الصناعة، ثم إلى النفط والتكنولوجيا، ومع كل تحول كانت خريطة الثروة تتحرك معها. واليوم، يتمركز قلب الاقتصاد الأمريكي في الغرب والجنوب أكثر من أي وقت مضى، غير أن المؤشرات الحالية توحي بأن رحلة انتقال مركز الثقل الاقتصادي لم تصل إلى محطتها الأخيرة بعد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة