آخر الأخبار

وول ستريت.. من شارع ضيق إلى منظومة حكم مالي عالمي

شارك

لم تعد وول ستريت مجرد عنوان جغرافي في مانهاتن السفلى، بل تحوّلت، عبر أكثر من قرن، إلى منظومة متكاملة لإدارة رأس المال العالمي وتوجيه مسارات الاقتصاد والسياسة النقدية.

وذكرت صحيفة فايننشال تايمز في تقرير لها عام 2013 أن وول ستريت لا تُقاس بقيمة التداولات اليومية فقط، بل بقدرتها على تحويل النفوذ المالي إلى سلطة تنظيمية وسياسية عابرة للحدود.

وفي قلب هذه المنظومة تقف مجموعة محدودة من المؤسسات والأفراد الذين يُشار إليهم في الأدبيات الاقتصادية بـ"عمالقة وول ستريت"؛ وهم بنوك استثمارية وكيانات مالية امتلكت، عبر الزمن، القدرة على التأثير في أسواق الائتمان، وصياغة القواعد التنظيمية، بل والتدخل غير المباشر في مسارات الأزمات الاقتصادية الكبرى.

وقد أشارت صحيفة نيويورك تايمز في تحليل مطوّل عقب أزمة 2008 إلى أن قرارات هذه المؤسسات لم تعد تؤثر في الأسواق فحسب، بل في استقرار الدول والأنظمة المالية بأكملها.

من هو "العملاق المالي"؟

لا يقتصر تعريف "العملاق المالي" على حجم الأصول أو الأرباح، بل يتجاوز ذلك إلى مفهوم "الأهمية النظامية"، وفي ورقة بحثية نشرتها مجموعة من الباحثين عام 2022 في دورية حوليات رابطة الجغرافيين الأميركيين بعنوان "الجغرافيا المالية للمرونة: الشبكات والسلطة في النظام المالي العالمي"، خلصت الدراسة إلى أن القوة المالية الحقيقية لا تنبع من حجم الأصول فحسب، بل من الموقع الشبكي للمؤسسة داخل النظام المالي، وقدرتها على الوصول إلى السيولة الرسمية، والتأثير في أسواق الدين السيادي، والمشاركة في إدارة الأزمات.

مصدر الصورة عمالقة وول ستريت مؤسسات نظامية تمتلك القدرة على التأثير في السيولة والائتمان وصياغة القواعد التنظيمية العابرة للحدود (رويترز)

وبحسب نشرة إحصائية صادرة عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في عام 2023، تجاوزت أصول بنك جيه بي مورغان تشيس حاجز 3.9 تريليونات دولار، وهو رقم يفوق الناتج المحلي الإجمالي لمعظم دول العالم. في المقابل، لعبت مؤسسات مثل غولدمان ساكس ومورغان ستانلي أدوارا محورية من خلال الابتكار المالي والتداول المعقّد، رغم أصول أقل نسبيا.

إعلان

وبناء على هذا المعيار، لا يعود توصيف "العملاق المالي" مسألة حجم أو شهرة، بل نتيجة موقع بنيوي داخل النظام المالي، وهو ما يفسّر لماذا تبرز أسماء محددة دون غيرها عند تتبّع مراكز القوة التي شكّلت وول ستريت عبر التاريخ، ومن أبرزها المؤسسات التي سيجري تناولها في هذا التقرير:


* جيه. بي. مورغان: المصرفي الذي سبق الدولة

يُجمع المؤرخون الاقتصاديون على أن جون بيربونت مورغان كان الشخصية الأكثر تأثيرا في تشكيل الرأسمالية الأميركية الحديثة، وفي دراسة تاريخية معمّقة نُشرت عام 2012 في مجلة التاريخ الاقتصادي بعنوان "السلطة المالية الخاصة وتشكّل النظام النقدي الأميركي قبل الاحتياطي الفيدرالي" للباحثين ريتشارد سيلا ويوجين وايت، خلصت الدراسة إلى أن جون بيربونت مورغان أدّى فعليا دور "بنك مركزي غير رسمي" للولايات المتحدة في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، من خلال تنسيقه عمليات إنقاذ مصرفية، وإدارته تدفقات السيولة في أوقات الذعر المالي، في غياب مؤسسة نقدية مركزية رسمية.

وقد موّل مورغان عمليات دمج واسعة في قطاع السكك الحديدية، وأسهم في تأسيس شركة جنرال إلكتريك، وكان المهندس المالي لإنشاء شركة يو إس ستيل عام 1901، أول شركة في التاريخ تتجاوز قيمتها السوقية مليار دولار، وفق أرشيف مؤسسة سميثسونيان.

مصدر الصورة جيه بي مورغان نموذج تاريخي لتحوّل رأس المال الخاص إلى أداة استقرار نقدي في غياب الدولة المركزية المنظمة (رويترز)

وبلغ نفوذ مورغان ذروته خلال ذعر عام 1907، حين قاد، من مكتبه الخاص، عملية إنقاذ للنظام المصرفي الأميركي. وفي فصل ضمن دليل التنظيم المالي الصادر عام 2013، أشار الاقتصادي ديفيد سيلفرز إلى أن تلك الأزمة كانت العامل الحاسم الذي دفع الكونغرس لاحقا إلى إنشاء نظام الاحتياطي الفيدرالي عام 1913.


* غولدمان ساكس: من بيت تداول إلى لاعب سياسي

وتمثل غولدمان ساكس النموذج الأوضح لتحوّل وول ستريت من تمويل الإنتاج إلى هندسة الأسواق. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال في تقرير لها عام 2006 أن البنك كان من أوائل المؤسسات التي طوّرت نماذج تداول المشتقات المالية المعقدة على نطاق واسع.

وخلال الأزمة المالية العالمية، لعب غولدمان دورا مركزيا في تسويق أدوات مرتبطة بالرهن العقاري، بينما راهن في الوقت نفسه ضد السوق. وأكد تقرير لجنة التحقيق في الأزمة المالية الصادر عام 2011 أن البنك كان طرفا رئيسيا في تصميم أدوات مالية أسهمت في تضخيم المخاطر النظامية.

وفي عام 2016، أعلنت وزارة العدل الأميركية أن غولدمان وافق على تسوية بقيمة تجاوزت 5 مليارات دولار تتعلق بممارساته في سوق الرهن العقاري.

لكن نفوذ غولدمان تجاوز الأسواق إلى قلب الدولة. وذكرت صحيفة نيويورك تايمز في تحليل لها عام 2008 أن عددا غير مسبوق من كبار مسؤولي الخزانة والبنوك المركزية العالمية جاءوا من صفوف غولدمان، ما عزز مفهوم "غولدمان الحكومي".


* مورغان ستانلي: العولمة المالية وإعادة التموضع

تأسس مورغان ستانلي عام 1935 نتيجة قانون غلاس-ستيغال، الذي فصل بين المصارف التجارية والاستثمارية، ووفق سلسلة دراسات حالة تعليمية صادرة عن كلية هارفارد للأعمال عام 2010، ولا سيما دراسة بعنوان "مورغان ستانلي: بناء بنك استثماري في ظل القيود التنظيمية"، والتي أعدّها باحثو برنامج تاريخ الأعمال في الكلية، بنى البنك سمعته المؤسسية على الاستشارات المالية عالية المستوى وقيادة عمليات الاكتتابات العامة الأولية، مستفيدا من الفصل التنظيمي بين المصارف التجارية والاستثمارية بعد إقرار قانون غلاس-ستيغال، الذي أرسى منذ عام 1933 الإطار القانوني للفصل بين قبول الودائع المصرفية وممارسة أنشطة الاستثمار والتداول في الأوراق المالية، وأعاد رسم بنية النظام المصرفي الأميركي لعقود لاحقة.

مصدر الصورة مورغان ستانلي مؤسسة استثمارية عالمية تشكّل نموذجًا لتكيّف البنوك الكبرى مع التحولات التنظيمية (غيتي)

وكاد البنك أن ينهار في عام 2008 بعد إفلاس ليمان براذرز، لكنه نجا عبر التحول إلى شركة مصرفية قابضة والحصول على استثمار استراتيجي من مجموعة ميتسوبيشي يو إف جي اليابانية، كما ذكرت وكالة بلومبيرغ آنذاك. وبعد الأزمة، أعاد مورغان ستانلي توجيه نشاطه نحو إدارة الثروات، في تحول استراتيجي قلّص اعتماده على التداول عالي المخاطر.

إعلان

* سيتي غروب: التحرير التنظيمي وصناعة المخاطر

جسّدت سيتي غروب طموح ما عُرف في الأدبيات المالية بـ"البنك الشامل"، القادر على الجمع بين الأنشطة المصرفية التجارية والاستثمارية والتأمينية تحت مظلة واحدة. وفي ورقة قانونية تحليلية نشرها الباحث آرثر ويلمارت عام 2014، أوضح أن اندماج سيتي كورب وترافيلرز غروب عام 1998 لم يكن مجرد صفقة تجارية، بل رهانا تنظيميا سبق القانون، إذ تمّ في وقت كان فيه قانون غلاس-ستيغال لا يزال يحظر هذا النوع من التكتلات. غير أن الصفقة، بحسب ويلمارت، فرضت واقعا مؤسسيا جديدا مهّد الطريق لإلغاء الفصل التاريخي بين المصارف عبر إقرار تشريع غرام-ليتش-بلايلي عام 1999.

وبحلول عام 2007، تجاوزت أصول سيتي غروب تريليوني دولار، لكنها كانت مثقلة بتعرّض واسع لأدوات مالية عالية المخاطر، ولا سيما تلك المرتبطة بالتسنيد والمشتقات الائتمانية، إلى جانب التزامات خارج الميزانية العمومية صعّبت إدارة المخاطر.

ومع اندلاع الأزمة المالية العالمية، أكّد تقرير لجنة الرقابة على برنامج الإنقاذ الحكومي الصادر عام 2009 أن الحكومة الأميركية ضخت أكثر من 45 مليار دولار لإنقاذ البنك، في تدخل أعاد إشعال الجدل حول مفهوم "أكبر من أن يفشل"، وحول ما إذا كان نموذج البنك الشامل قد عزّز الاستقرار أم أسهم في تعميق المخاطر النظامية.


* ليمان براذرز: السقوط الذي أعاد تعريف المخاطر

شكّل إفلاس ليمان براذرز في سبتمبر/أيلول 2008 نقطة الانكسار الحاسمة في الأزمة المالية العالمية، إذ مثّل أول مرة تُترك فيها مؤسسة مالية كبرى ذات أهمية نظامية لتواجه مصيرها من دون تدخل حكومي مباشر.

وذكرت مجلة الإيكونوميست في تحليل نُشر آنذاك أن انهيار ليمان لم يكن مجرد تعثّر مصرفي، بل صدمة ثقة واسعة أدّت إلى تجمّد شبه كامل في أسواق الإقراض بين البنوك، مع توقف المؤسسات المالية عن إقراض بعضها بعضا خوفا من مخاطر غير قابلة للتقدير.

مصدر الصورة ليمان براذرز لحظة انكسار نظامية أعادت تعريف معنى الفشل المقبول في المؤسسات المالية الكبرى (غيتي)

وكشفت الأسابيع التي تلت الإفلاس حجم التشابك داخل النظام المالي العالمي، حيث تعطلت أسواق التمويل القصير الأجل وارتفعت تكاليف الاقتراض، ما سرّع انتقال الأزمة من القطاع المالي إلى الاقتصاد الحقيقي.

وفي دراسة تحليلية نشرها معهد بروكينغز عام 2010، خلص الباحثون إلى أن قرار السماح بانهيار ليمان غيّر العقيدة التنظيمية جذريا، إذ تبيّن لصانعي السياسات أن كلفة عدم التدخل تفوق كلفة الإنقاذ. وأشارت الدراسة إلى أن هذا الحدث دفع الحكومات لاحقا إلى تبني سياسة التدخل الواسع لحماية المؤسسات المالية الكبرى، وهو ما أسهم عمليا في ترسيخ مبدأ "أكبر من أن يُسمح له بالفشل" داخل النظام المالي العالمي.

الابتكار المالي.. بين الكفاءة والهشاشة

ودفعت وول ستريت عجلة الابتكار المالي عبر التوسع الواسع في التسنيد والمشتقات المالية، باعتبارهما أدوات لزيادة السيولة وتوزيع المخاطر عبر الأسواق.

ووفق تقرير صادر عن بنك التسويات الدولية عام 2009، تجاوزت القيمة الاسمية للمشتقات المالية عالميا 600 تريليون دولار قبيل اندلاع الأزمة المالية العالمية، في مؤشر على الحجم الهائل للالتزامات المتبادلة داخل النظام المالي. غير أن هذا التوسع السريع لم يكن مصحوبا بقدرة مماثلة على القياس والرقابة.

لكن هذه الأدوات، كما حذّر الاقتصادي هيمان مينسكي في أعماله النظرية حول عدم الاستقرار المالي، والتي أعاد معهد ليفي للاقتصاد تسليط الضوء عليها في عام 2011، أسهمت في خلق نموذج مالي يقوم على الرافعة المالية المرتفعة وتدوير المخاطر بدل احتوائها، ما ولّد هشاشة داخلية متزايدة لم تظهر آثارها إلا عند أول اختبار واسع للثقة والسيولة.

2020–2025: مرحلة التركز والظل المصرفي

ولم تشهد السنوات الأخيرة أزمة بحجم 2008، لكنها كشفت عن مسار جديد للقوة المالية، ففي مايو/أيار 2023، أعلنت مؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية الأميركية أن جيه بي مورغان استحوذ على بنك فيرست ريبابليك بعد انهياره، في عملية عزّزت تركّز القطاع، بحسب بيان رسمي صادر في 1 مايو/أيار 2023.

مصدر الصورة الظل المصرفي فضاء مالي متنام يعمل خارج الأطر التنظيمية التقليدية ويعيد إنتاج المخاطر بأشكال جديدة (الفرنسية)

وفي أوراق بحثية نشرها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي عامي 2024 و2025، جرى تحليل برنامج التمويل البنكي الطارئ الذي أُطلق عقب اضطرابات البنوك الإقليمية، باعتباره أداة لاحتواء ذعر المودعين في بيئة أسعار فائدة مرتفعة.

إعلان

وفي السياق ذاته، ذكرت وكالة رويترز في تقارير بين 2023 و2024 أن مقترحات بازل 3 النهائية واجهت مقاومة شديدة من البنوك الكبرى، ما أدى إلى إعادة صياغتها جزئيا.

وبالتوازي، حذّر صندوق النقد الدولي في تقرير الاستقرار المالي العالمي الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2025 من النمو السريع لسوق الائتمان الخاص، الذي تجاوز تريليوني دولار، معتبرا أن انتقال المخاطر إلى الظل المصرفي قد يعيد إنتاج الهشاشة بأشكال جديدة.

القوة بلا حوكمة؟

وتُظهر تجربة عمالقة وول ستريت أن الابتكار المالي دون ضوابط يولّد أزمات، وأن الأزمات غالبا ما تعزّز قوة الكبار بدل تقليصها، وكما كتب جوزيف ستيغليتز في كتابه "السقوط الحر" الصادر عام 2010، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في كبح التمويل، بل في إعادة دمجه داخل الاقتصاد الحقيقي، بحيث يخدم الاستقرار والنمو لا المضاربة فقط.

وتتجلّى وول ستريت، اليوم، بوصفها بنية مالية شديدة التعقيد تولّد النفوذ الاقتصادي وتعيد توزيع المخاطر والسلطة على نطاق عالمي، ومع ازدياد تشابك الأسواق وتقدّم أدوات التمويل، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت ستقود الاقتصاد العالمي، إذ بات ذلك واقعا قائما، بل كيف ستُمارَس هذه القيادة؟، ولصالح أي مصالح؟، ووفق أي قواعد حوكمة قادرة على الموازنة بين الابتكار والاستقرار؟، وبين القوة المالية ومتطلبات المساءلة العامة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار