في الأيام الأولى من الدورة الخامسة والثلاثين لمعرض الدوحة الدولي للكتاب، تحول الصالون الثقافي إلى منصة لافتة لتدشين كتب تتقاطع فيها التخصصات وتتعدد المشارب.
رواية تستحضر سودان الصراع، ودراسات قانونية في حماية المال العام، وكتب عن الذكاء الاصطناعي والعدالة الاجتماعية، وأخرى تستعيد ذاكرة التعليم في قطر، وأعمال أدبية شابة تكتب الذات والمكان. حراك يتسع يكشف عن أن الكتاب، في طبعته القطرية الراهنة، يتنفس بأكثر من رئة.
من أبرز الإصدارات التي شهدها الصالون كتابان للدكتورة هلا السعيد. الأول، "ثورة الذكاء الاصطناعي في تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة"، يطرح الذكاء الاصطناعي بوصفه "تحولا حضاريا يعيد تشكيل مفاهيم الإنسان والحياة والعدالة الاجتماعية". لا يكتفي الكتاب بسرد القدرات التقنية، بل ينزل إلى الجذور الفكرية لهذه التكنولوجيا والقضايا الأخلاقية التي تفتحها، ثم يستعرض أدوارها في التشخيص المبكر والرعاية الصحية والتعليم الشامل، مع توقف خاص عند تجربة قطر في هذا المجال.
أما الكتاب الثاني، "متلازمة داون: فهم شامل وتوجيه نحو المستقبل"، فقد صدر عن مكتبة الأنجلو المصرية لعام 2026 في 278 صفحة، موزعة على عشرة أبواب صممت كرحلة معرفية من الفهم العلمي والجيني للمتلازمة إلى رؤية مستقبلية "أكثر وعيا وشمولا وإنصافا". كتابان يلتقيان في الرهان نفسه: كيف تخدم المعرفة فئات بشرية ظلت لزمن طويل على هامش النقاش العام.
يتنوع المشهد بمواد أقرب إلى التأمل الذاتي. كتاب "حين يصير الداخل وطنا" هو باكورة أعمال الكاتبة القطرية مريم عبد الله العطية، مكتوب بلغة بسيطة تلامس المشاعر، يخوض في رحلة الإنسان مع نفسه ومع السلام الداخلي وفهم الذات. وعلى نفس النسق، تطرح شهد إدريس كتابها "ابتسمي يا سعادة"، فيما تخوض مي الدوسري في "المعلم القائد" تساؤلات عن أدوار القيادة التربوية وأثرها في البيئة التعليمية.
ولأن ذاكرة المؤسسات لا تقل أهمية عن ذاكرة الأفراد، دشنت عفرة صالح المري إصدارها الأول "التعليم في قطر"، الذي يستعرض حكاية التعليم في البلاد منذ بداياته الأولى حتى الطموحات المستقبلية، ويقدم قراءة توثيقية لتطور القطاع عبر العقود، مع توقف عند الرواد والقادة الذين أسهموا في هذا التحول. الكتاب يستحضر مبادرات وطنية بارزة، من بينها جائزة التميز العلمي والاحتفاء بالمعلم.
في الرف القانوني، يبرز كتابان قطريان نوعيان. الأول لـدانة الكواري بعنوان "حماية حرية المنافسة المشروعة من الاتفاقات المقيدة لها: دراسة مقارنة"، وهو يدخل في أحد أكثر الحقول التشريعية حساسية في الاقتصاد المعاصر.
أما الكتاب الثاني، فهو الجازية راشد السليطي عن "العمل الرقابي لديوان المحاسبة في نطاق الاختصاصات والمعوقات"، ويسلط الضوء على تعريف الأموال العامة ومعايير تمييزها، ووسائل حمايتها قانونيا.
تخوض الدراسة في الأساس التشريعي لرقابة الديوان القطري، وفي الآثار التي تحدثها هذه الرقابة على إدارة المال العام، خصوصا في رفع كفاءة الكوادر البشرية. عمل يلتقي فيه القانوني بالإداري، ويستحق أن يتجاوز دائرة المختصين إلى القارئ المهتم بفهم آليات الدولة الحديثة.
في الأدب، تطل الجغرافيا العربية المثقلة بإصدارين لافتين. رواية "الأحلام المسروقة" للكاتب أيمن الخير، تستلهم أحداثها من واقع الحياة في السودان، وتختار قالبا سرديا يجمع بين "واقعية القانون وخيال الرواية"، في تأمل روائي في الصراع بين الأحلام والطمع. وللكاتب نفسه يصدر "دليل المؤلف العربي"، في امتداد يجمع بين الإبداع الروائي ومحاولة تأطير المهنة.
وفي مكان آخر من الخريطة، تكتب مي النصف روايتها "غبار الأحرار"، التي تسلط الضوء على حكايات الصمود والمعاناة في غزة، وما رافقها من فقد ونزوح وتمسك بالحياة. الرواية -كما يصفها مدشنوها- تقدم رؤية إنسانية عميقة لتجربة الحرب، عبر تفاصيل الحياة اليومية لشخصيات تعيش "بين الركام والذاكرة". وفي السياق نفسه، تصدر روضة الرميحي بـ"روان – الطائر الجريح"، عنوان يدل على ما يحتويه.
ما يلفت في حصاد هذه الأيام الأولى ليس عدد الإصدارات وحده، بل توزعها الجغرافي والموضوعي.
ثمة أصوات قطرية تكتب عن قطر -تعليما وحقلا قانونيا وذاتا-، وأخرى تلتفت إلى الجراح العربية المفتوحة في السودان وغزة، ودراسات تتعامل مع التحديات الكونية كالذكاء الاصطناعي وذوي الإعاقة، وأخرى تنزل إلى الحياة اليومية للروح وللصفاء الداخلي.
هذه التوليفة، التي يتيحها الصالون الثقافي في معرض بهذا الحجم، هي بحد ذاتها صورة للحظة الثقافية العربية الراهنة: قارئ ينتقل بين الجرح والمعرفة، بين التشخيص الذاتي والتشخيص العام، بين التقنية والتأمل.
المصدر:
الجزيرة